حيوات الأرصفة وأيقونات السلطة

محمد شومان في «خطاب الشارع ... تحولات الحياة والموت في مصر»:

محمد عبد الرحيم

Nov 25, 2017

يتنوع الخطاب بفعل الزمن، ويبدو أن الكشف عن خطاب (الهامش) هو الوجه الأكثر دِقة لما يمر به شعب من الشعوب من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، بعيداً عن الخطاب الرسمي، الذي في أغلبه ــ خاصة في الدول القمعية ــ لا يكون سوى خطاب المداراة والالتفاف حول ما يحدث بالفعل. خطاب مُتكلف يجافي الحياة والناس. وربما يحاول الشعب من خلال خطابه هذا أن يمارس انتقامه الهادئ مما يحيطه، أو تصبح هذه الخطابات أكثر حرية ــ في حدود ــ للتعبير عما يرونه بالفعل. الأهم هو صوت الهامش الذي يعلو من خلال هذه الخطابات ولو على استحياء، لكنه يخرج في الأخير إلى العلن، ويُصر على مشاركة الآخر، بتوريطه في أن يكون طرفاً في هذا الخطاب أو ذلك. ولعل العمل الرائد «هتاف الصامتين» للمفكر سيد عويس، والذي أوضح صوت الهامش من خلال العبارات المكتوبة على السيارات، يظل حتى الآن عملاً جديراً بالتأمل، بل والإضافة من خلال العبارات الجديدة التي نراها عبر وسائل المواصلات، وهي تعبير حقيقي عن التحول الذي أصاب الشعب المصري. وعلى نهج مُقارب يأتي كتاب «خطاب الشارع .. تحولات الحياة والموت في مصر»، لمؤلفه محمد شومان، محاولاً رصد هذه التغيرات في الشخصية المصرية من خلال عدة خطابات تتباين مستوياتها، وبالتالي تعكس الرؤى الفكرية والنفسية للحياة، للعديد من فئات الشعب المصري في السنوات الأخيرة.

أيقونات السلطة

تعد السيارات في مصر عالماً قائماً بذاته، وللمصريين مآرب أخرى غير وظيفة السيارة كأداة من أدوات التنقل. ينصرف الأمر إلى اللوحات والملصقات الإشارية أو الدعائية التي توضع على السيارات، لتبيان حالة صاحبها، ومدى السلطة التي يتمتع بها في مواجهة الآخرين. كملصقات الأطباء والصحافيين والقضاة وأعضاء البرلمان، وهو أحد أشكال التباهي الاجتماعي والانتماء إلى هوية فئوية يريد صاحبها تأكيدها والانتماء إليها في مواجهة المجموع. هناك أيضاً بعض الأشياء الدالة على السلطة، كطاقية عسكري أو جاكيت ضابط، سواء في الشرطة أو الجيش، وفي الأغلب يكون صاحب السيارة لا ينتمي إلى هاتين الفئتين بالفعل، لكنه شكل من أشكال المواجهة والاطمئنان النفسي، ضامناً بذلك بعض المزايا التي يعرف المجتمع المصري أصحابها جيداً. الأمر الآخر هو تأكيد الهويات الدينية، ككلمات أو عبارات توضع على الزجاج الخلفي للسيارات، كشهادة «أن لا إله إلا الله» أو Jesus، بخلاف الصلبان والمصاحف في الداخل.

الخطابات والمساواة الزائفة

ويشير المؤلف إلى أن في الآونة الأخيرة تم اختلاق شكل من أشكال الخطابات التي لا تعبّر عن صاحبها، بل تمتثل تماماً لفكرة الإعلان الترويجي، وفي الأغلب كرهاً ــ خاصة سائقي التاكسي ــ وهو خطاب إعلاني عن سلع وخدمات شركات وبنوك محلية ودولية. من ناحية أخرى نجد الشارع المصري قادراً على استيعاب الجميع في الطريق، عربات كارو، عربات حديثة، التوك توك، درجات بخارية، هناك لحظات قد تشعر من خلالها بحالة من مساواة، لكنها في الأساس مساواة افتراضية، فهذه الفئات رغم تجاورها، فهي بعيدة كل البعد عن بعضها البعض، بل أن هناك حالة مزمنة من التربص والحذر. يتكلل المشهد في النهاية بالضوضاء المنفلتة، والضجيج الذي أصبح السمة الكبرى للقاهرة.

حيوات الأرصفة

من المفترض أن الأرصفة هي المكان المُعد للمشاة ــ المكان الآمن ــ لكن القاهرة تختلق هوية أخرى لهذه الأرصفة. فهي في الميادين المكان الأمثل للباعة وبضائعهم، يتم ذلك بالاتفاق مع ممثلي الحكومة ــ إتفاق غير مُعلن ــ بين البائع وأمين الشرطة مثلاً، كدفع مبلغاً لتأجير الرصيف، وهو شكل من أشكال إتاوات الفتوات في الزمن المنقضي، والذي جسده نجيب محفوظ في الكثير من أعماله. فقد تجد ماسخ أحذية أو سمساراً أو بائع ملابس، أو نصبة شاي أمام بعض المصالح الحكومية، إضافة إلى بائعي الفاكهة والأدوات المنزلية الرخيصة. أما عن تدخل الدولة لفرض حالة الانضباط، فكان عن طريق نصب أسواراً حديدية بين الأرصفة التي تفصل بين الطرقات، فما على المواطن إلى السير مسافات طويلة حتى يستطيع عبور الطريق للناحية الأخرى. لكن البعض لا يملك إلا التحايل، فقام بعمل فتحات للعبور في هذه الأسوار، رغم التعرض لخطر السيارات المسرعة، فالسير طويلاً أو صعود كوبري للمشاة أمراً لا يُطاق، مع الدعوة الدائمة في كل خطوة بـ «ربنا يُستر».

أسماء المحال والشوارع

ويمتد الأمر إلى الأسماء المكتوبة فوق المحال أياً كان نشاطها، والتي تدل على الهوية المفروضة على المارين أو المتعاملين مع هذا المحل أو ذاك. هناك أسماء تنتمي إلى الفترة الملكية، كوادي النيل مثلا، وأخرى ناصرية كالسد العالي، ولا توجد مشكلة في محل «كنتاكي» بجوار محل السد العالي، إضافة إلى الهويات الدينية وحضورها اللافت، التوحيد والنور، وتبارك، ورياض الصالحين، والشيماء. هذا التشوش البصري والدلالي هو سمة المجتمع القاهري، فالأمر لا يغدو تنوعاً أكثر منه عشوائية مفرطة أو شكل من أشكال الهوس الديني عن جهل (أحد الترزيّة ــ الذي يقوم بتفصيل الملابس ــ كتب على لافتة محله أو دكانه البسيط «نحن نقص عليك أحسن القصص» دلالة على مهارته في قص القماش وتفصيله).

الأزياء وخطابها المُربك

القاهرة تحيا ليل نهار كرنفالها المنصوب، هذه العبارة من الممكن أن تلخص ما يرتديه أهلها، الأمر أحياناً يصل حد الحفلات التنكرية، حيث لا هوية ولا تناسق شكلي ولوني. من الممكن اعتبار الحرية هنا على مداها أو هوى أصحابها. الأمر لا يقتصر على الملابس، بل يمتد ليشمل المجوهرات والأكسسوارات، السجائر، الساعات، سلسلة المفاتيح، نوع الهواتف النقالة، أغطية الرأس. فلا تستغرب من فتاة ترتدي الإيشارب ــ حجاب الموضة ــ وجوب قصير، أو بنطلون ضيق، لتحاول من دون جدوى عقد مقارنة بين الإيشارب الذي يغطي شعرها وبنطلونها. بجوارها آخر يرتدي الجلباب القصير والصندل الجلدي، وهو في الغالب طالق لحيته وحافف شاربه، وهو ما يعطي فكرة عن كيفية أسلمة الملابس والتوافق معها.

خطاب الموت

والمقصود منه كل ممارسات طقوس الحزن والدفن والنعي، إضافة إلى معمار المدافن وما تدل عليه من فئة اجتماعية، وكذلك الحياة في المقابر. فالحياة بين الأموات ليست جديدة على المصريين، وإن كانت في السابق حياة روحية وتواصل دائم مع الأموات، كالزيارات الموسمية، أيام الآحاد والجُمَع والأعياد، أو أيام الموالد وزيارة أضرحة أولياء الله. فخطاب الموت من مكونات الثقافة المصرية عبر العصور. لذلك فهذا الخطاب يختلط بخطابات الحياة المتعددة، هناك دوماً الترحم على الموتى، وذكر محاسنهم ــ مهما كانت تصرفاتهم في الحياة ــ وإرجاء كل شيء إلى مشيئة الله، والأمل في العيش غداً، وكما في التعبير العامي المصري «يا مين يعيش».

محمد شومان: «خطاب الشارع …
تحولات الحياة والموت في مصر»
دار أخبار اليوم، سلسلة كتاب اليوم ــ القاهرة 2017
135 صفحة.

حيوات الأرصفة وأيقونات السلطة
محمد شومان في «خطاب الشارع … تحولات الحياة والموت في مصر»:
محمد عبد الرحيم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left