مواقف ترامب الاقصائية دفعتنا للرد بأقلام الشباب المسلم الخلاق

لين كسبار في «لا ترتعب فأنا إسلامي»:

سمير ناصيف

Nov 25, 2017

صدر مؤخراً عن «دار الساقي» كتاب مبتكر في شكله ومضمونه وطريقة عرض المقالات الواردة فيه بعنوان: «لا ترتعب فانا إسلامي» حققته وحررته لين كسبار، الناشرة والمديرة العامة لدار الساقي في بريطانيا وخارجها.
الكتاب، شمل 34 مقالاً قصيراً ولوحات مصورة واسهامات فنية كتب وأنتج معظمها شبان وشابات من أصل عربي أو إسلامي مقيمون في دول غربية ويعملون في الحقلين الأدبي والفني.
أبرز ما فيه ارتباط فحوى المقالات وروح اللوحات الفنية فيه بمفاهيم إنسانية واجتماعية كالغربة وازدواجية الولاء ومواجهة العنصرية في هذه الدول والمجتمعات التي هاجر المساهمون وأهلهم إليها.
وتؤكد كسبار ان أبرز دوافع نشرها وتحريرها لهذا الكتاب كون السياسات والمواقف الاقصائية لرئيس أمريكا دونالد ترامب ضد مواطني سبع دول أكثرية سكانها من المسلمين تؤثر سلباً على شباب هذه الدول وعلى انفتاحهم الإنساني والفكري نحو إخوانهم في هذا العالم، وبالتالي، فالذي يضيّق على هذا الانفتاح سيواجه رداً لاذعاً وساخراً بأقلام شباب مبدعين من هذا العالم الإسلامي.
والكتاب حسب كسبار، ليس موجهاً ضد سياسات ترامب الاقصائية فحسب، بل ضد كل الأصوات الرجعية المنتشرة في العالم حاليا. كما انه يشكل صوتاً لدحض محاولات قمع الحريات الفردية ولتحقيق الذات ولتجاوز التمييز ضد الآخرين بسبب الانتماءات الدينية، السياسية والجندرية والجنسية.
وبما أن من الصعب وفي مراجعة كتاب مبتكر في شكله ومضمونه التركيز على جميع الـ34 مقالا ولوحة فيه والذي لا يتجاوز كل مقال منها بضع صفحات، فقد اخترنا ما كان (في رأينا) أبرز هذه المشاركات أدباً وفناً وبسخرية عميقة.
تقول مقدمة المسرح الهزلي الإيرانية ـ الأمريكية يُجين فرزاد في مقالها بعنوان «شعبي لا يحبني كثيراً» (ص 22 ـ 28): «لا يتوجب عليّ شخصياً ان أفسر معنى الإرهاب. هناك أشخاص أذكى منى يفعلون ذلك، ولكن الإيرانيين عموما لا يعتبرون أنفسهم إرهابيين إسلاميين». وتضيف: «الإسلام لا يفسرني، كما ان فطيرة التفاح الأمريكية لا تفسرني». ثم تستدرك: «باستطاعتي انتقاد إيران عندما أشاء، ولكنني أحذركم من انتقاد بلدي… لقد علمني والديّ بعض التقاليد الإيرانية ولكنني لا أطبقها. لست مرتاحة انه بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 صار الجميع هنا (في أمريكا) يتعاملون مع المسلمين الأمريكيين استناداً إلى هذا الحدث».
أما نجمة المسرح الكوميدي اللبنانية ـ البريطانية ايستير مانيتو فتقول (ص 41 ـ 43) ان خطيبها الإنكليزي صُعقَ عندما دخل والدها اللبناني في أصله وعاداته إلى الغرفة التي كان يجلس الخطيب فيها بملابسه الداخلية حاملاً نسخة من صحيفة «الغارديان» البريطانية وهو يصرخ قائلا: «هذا ابن الحرام توني بلير». وتضيف: «ان والدي يتحدث هاتفيا مع شقيقه في لبنان حول الطقس ومواضيع أخرى لفترة طويلة جداً وبصوت عالٍ. والدي يحب أطفالي كثيراً وعندما انزعج طفلي مرة لأن طفلا آخر حاول أخذ لعبته منه، استدار والدي نحوه قائلا: نحن لا نتفاوض مع الإرهابيين، ثم ضحك وحيداً لنكتته هذه!».
الاختلاف في الهويات الحضارية الذي ينتقل من جيل إلى آخر، بصرف النظر عما إذا كان الجيل الثاني أو الثالث أقام طوال حياته في المهجر ظهر أيضا في مقال الكاتبة، السودانية الأصل التي عاشت في اسكتلندا، ليلى أبو ليلى في الكتاب عن امرأة بريطانية تطلقت من زوجها الأول وتزوجت شابا سودانيا يدرس في بريطانيا (مطلق أيضاً) تزوجها للحصول على الإقامة في بلد المهجر ولكنه تعامل معها بشكل جيد. السيدة اسكتلندية الأصل غيرت اسمها ليصبح «رقية» واعتنقت الإسلام لترضي زوجها حامد الذي وُلدَ ونشأ على ضفاف نهر النير الأزرق في السودان (المقال بعنوان «ماجد» ورد بين صفحتي 67 و75).
مدار البحث وجوهر الموضوع هو نفسه في هذا المقال كما في كثير من مقالات الكتاب الأخرى أي الانتماء إلى المجتمع الإسلامي وقيمه وعاداته مع الانتماء إلى العرب والقيم الغربية في مكان الهجرة وخصوصاً بالنسبة إلى امرأة اسكتلندية مطلقة لها ولدان من زوجها البريطاني الأول وتسعى لإرضاء زوجها السوداني الأصل المسلم الانتماء.
الشخصيات في هذا المقال (رقية وحامد) واقعية إلى اقصى الدرجات. فصحيح انه تزوجها من أجل الحصول على حق الإقامة في بريطانيا ولكنه يتصرف معها بإنسانية وحساسية وعطف كزوج لها أو في معاملته لأولادها من زوجها الأول من دون التفرقة بينهما وبين ولديه منها.
هذا المقال يشكل صورة مؤثرة لتعامل إنساني وحضاري بين شخصيتين مختلفتين حضارياً إحداها غربية الجذور والأخرى مسلمة شرقية الحضارة بمعناها الإنساني الحقيقي المرتكز على المساواة في معاملة الزوج للزوجة والزوجة المُحبة للزوج، وفي محاولة امرأة غربية شريفة تجاوزت العنصرية في التعامل مع زوج عربي مسلم عطوف أعتنق الهوية الروحية الديمقراطية للحضارة الأوروبية. وهذا ربما أحد أهداف كتاب كسبار وما سعت للتوصل إليه عبر هذه المقالات والنتاجات الأدبية الجميلة في أدبها وإنسانيتها.
وعبّرت جنيفر جاجي (الممثلة والكاتبة الفلسطينية ـ الأمريكية) بشكل ساخر وذكي عن خشيتها وقلقها لكونها تحمل الجنسية الفلسطينية ولكون رفاقها في أمريكا لا يعتبرونها «بيضاء البشرة» لأنها تتحدر من أصل فلسطيني. وفي مقالها بين صفحتي (77 و83) تقول ان والدتها تطمئنها دائماً بأنها «بيضاء البشرة»، ولكن أصدقاءها في المدرسة منذ صغرها كانوا ينعتونها بنعوت عنصرية. كما تشير إلى اختبار حدث لها في محطة قطارات فرنسية يؤكد ان العنصرية ما زالت متفشية وزادت في الغرب وذلك عندما تركت حقيبتها للذهاب إلى المرحاض، وطلبت من شخص كان جالساً إلى جانبها الاهتمام بها، ولما عادت اضطرت للخضوع لاستجواب من الشرطة الفرنسية حول ما إذا كانت حقيبتها مليئة بالمتفجرات! ونصحها الشرطي المستجوب بعدم ترك حقيبتها قرب أي كان «نظراً» لأن مظهرها كما هو، علماً ان مظهرها لم يكن يختلف عن الكثيرين مثلها في تلك المحطة. والمعنى انه مهما حاولت فإن الغربيين (من أشخاص عاديين أو أمنيين) سيعتبرونها عربية أجنبية مسلمة قابلة للتحول إلى إرهابية مهما كان لون بشرتها!
الأمر نفسه انطبق على حسن عبد الرزاق، الباحث العراقي في جامعة هارفرد الأمريكية (مقاله بين صفحتي 85 و91) الذي كان مهتما بأبحاثه في علم البيولوجيا، ولكن بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 تحول إلى إنسان يشعر ان الشبهة تحوم حوله، واضطر للعودة إلى أهله بعد تعرضه لانهيار عصبي بسبب الأجواء العنصرية التي انتشرت بعد ذلك الهجوم.
ويتساءل في هذا المقال عن سخافة الأسئلة التي تطرحها الأجهزة الأمنية الأمريكية على المقيمين من أصل عربي ـ مسلم كلما سافروا جواً أو وصلوا إلى مطار أمريكي. كما تتساءل مقالات أخرى عن مثل هذه الأسئلة الفجة على شاكلة: «لماذا تكرهوننا؟ وما هي علاقتكم بمنظمتي حماس وحزب الله؟ وهل تعرفون شخصاً باسم محمد؟ ومتى آخر مرة أكلتوا الفلافل!!».
المقالات في الكتاب بمجملها عميقة ولكنها تعتمد الفكاهة والسخرية في الوقت عينه بنجاح.
فجومانا حداد الكاتبة البارزة والمعلقة الباحثة في صحيفة «النهار» اللبنانية تقول في مقالها (ص134 ـ 135) في الكتاب ان أحد نجليها يطلب إليها عدم التحدث بالعربية عندما تزوره في مقر إقامته في أوروبا فيما الآخر يهدد (مازحاً) بأنه سيصرخ عاليا قائلا «الله أكبر» في القطار السريع (المترو) أمام جميع الركاب فيما تضع هي يدها على فمه خوفا من أن يفعل ذلك بالفعل ويستدرج اعتداءات عنصرية من هؤلاء الركاب. وتأسف لما وصلت إليه الأمور في الغرب ولخشية ولديها من التكلم بالعربية في المجتمعات الغربية فيما هي كتبت كتبها ومقالاتها المنددة بالإرهاب الإسلامي المتطرف والتمييز ضد المرأة وضد إقصاء الأقليات باللغة العربية.
كما يتساءل حازم صاغية في مقاله الساخر بعنوان «ترامب والقذافي» (المضحك جداً) عن نظرية أبو مصطفى، وهو سائق حافلة في بيروت تحدث حازم إليه وأشار السائق ان ترامب والقذافي شخصان شديدا الذكاء وذلك «لأنهما نجحا في الحياة». وعندما خالفه حازم الرأي خشي (وهو كاتب لبناني قضى فترة طويلة من حياته في لندن) من ان يعتبره أبو مصطفى شخصاً محدود الذكاء لأنه انتقد هذه النظرية! (ص 34 ـ 35).
شعرٌ جميل جداً أوردته كسبار في الصفحات (129 إلى 145) كتبته الشاعرة المصرية ـ البريطانية سابرينا محفوظ بعنوان: «بطاقة بريدية من عروس بحر مسلمة». أجمل ما في هذا الشعر المقطع القائل: «انني ضائعة، لا أعرف مَنْ أنا وأين أعيش؟ ولا عن عمق تلون جلد جسدي، وربما هذا ما يُصعّبُ إعطاءي مكاناً في هذا العالم… لقد ولدت على مقربة من الخليج الفارسي وعثرت على طريقي في البحر العربي، وسبحت مع الأسماك حتى البحر الأحمر، ثم مررت في قناة السويس، وشعرت باطمئنان أكبر كعروس بحر وصلت أخيرا إلى البحر المتوسط، ولم أتوقع ان تبدأ الصراعات هناك… أنتم لا تريدوننا… ونحن لسنا بحاجة لكم… سأفتش عن طريقي بطريقتي إلى مكان أملكه بالفعل».
صرخة شعرية وجدانية ورائعة من أنثى حرة عربية ترفض التهميش ولا ترضى أن توضع في خانة الآخرين في هذا العالم… ما أجمل ان تأتي هذه الصرخة في قالب شــعري في ختام هذا الكتاب!

Lynn Gaspard: «Don’t Panic I’m Islamic»
Dar al Saqi, London 2017
181 pages.

مواقف ترامب الاقصائية دفعتنا للرد بأقلام الشباب المسلم الخلاق
لين كسبار في «لا ترتعب فأنا إسلامي»:
سمير ناصيف
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left