المؤلف الفنلندي جان سبيليوس وسمفونيته الثامنة

حين يجفّ ينبوع الإلهام

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

Nov 25, 2017

جاءتني بعد دراساتي الموسيقية للدكتوراه في جامعة تكساس في عاصمتها أوستن في خريف 1996 دعوة لحضور مهرجان ليوم واحد يعنى بفن الخطابة. فأخذني صديقي ومضيفي في سيارته الفولفو العتيدة من شقتي إلى فندق وسط المدينة حيث كان الحفل منظماً وممتعاً للغاية، ولمع نجمه فيه لخفة ظله أثناء إلقاء كلمته في الحضور. لكننا تعرضنا عند تقاطع في طريق العودة إلى حادث مرور مروّع كاد أن يودي بالفائدة المرجوة من المهرجان، ناهيك عن حياتينا. ولم يقع اللوم يومها على صديقي بل على سائق السيارة الأخرى الذي كان ـ لا لشيء سوى لأجل المفارقة ـ يقلّ أكياس الدم من «بنك أوستن للبلازما» إلى أحد المستشفيات القريبة، ولم ير أن ضوء المرور بالنسبة له كان أحمر لانعكاس شمس غروب أوستن اللّهّابة في زجاجة الضوء الأخضر، فتراءى له أن الطريق له.
وبينما خاض صديقي عمليتين جراحيتين لاستعادة شيء من الحركة في كتفه الأيسر، حالفني الحظ باقتصار عواقب الحادث بالنسبة لي على الرضوض والكدمات، فتوجهت إلى عيادة للعلاج الطبيعي. وشاءت الصدف أن تكون معالجتي فنانة في الرقص الحديث، ما جعل جلسات العلاج شيّقة على غير عادتها لكثرة مواضيع النقاش المشتركة بيننا. وكان أن دعتني هذه الفنانة إلى استعراض للرقص المعاصر في مسرح صغير باسم «هايد بارك» شمال الجامعة لم أكن قد زرته من قبل، ونبّهتني إلى وجوب الحضور قبل الساعة الثالثة عصراً لئلا تفوتني فقرتها في خضم الفقرات المتلاحقة. وهكذا كان، إذ دخلت ردهة الاستقبال للمسرح في الثالثة إلا ربعاً ووجدته خالياً من الناس ما عدا سيدة تجلس على مقعد طويل ليس في الردهة غيره، فحييتها هامساً وقدمت نفسي وجلست إلى جوارها، ولكن حين بادلتني التحية وتفوهت باسمها، أيفا بالوهيمو، كدت ألا أصدق أذنيّ، فبادرتها بالسؤال: «ألم يكن ذلك اسم عائلة صهر جان سبيليوس المغرق في الفنلندية؟» فأجابتني: «سبيليوس خال أمي!» فتملّكني العجب من سلسلة الصدف التي قادتني إلى هذه السيدة.
وبعد أن استعدنا القدرة على التكلم، سألتني: «يبدو أنك قد قرأت سيرة حياة سبيليوس بتمعن، فهل أنت موسيقار؟» فأجبتها بأنني قائد أوركسترا مولع بموسيقى شتى البلدان، بما فيها بلدان الشمال، وإنني كنت قد أسست للتو فرقة وتريات باسم «أوركسترا أور» لكنني ما أزال أبحث عن قاعة أحيي فيها حفلاتي، فأجابتني: «أنا مديرة هذا المسرح، ولك أن تحيي حفلاتك على خشبة مسرحي متى تشاء!» عندها أيقنت ألاّ وجود البتة للصّدف في الحياة.
لم يكن مسار سبيليوس (1865-1957) في التأليف الموسيقي خطاً بيانياً يرتفع باضطراد وينمو من نجاح إلى آخر، فقد اشتهر عنه إدمانه على الكحول ـ الأمر الذي حوّل حياة عائلته إلى جحيم، وأجبره على الإقامة المتكررة في المستشفيات لتلقي العلاج ـ وعلى التدخين الذي كاد أن يودي بحياته لولا براعة جرّاحيه في برلين في استئصال ورم سرطاني كان قد فتك بحنجرته في 1908. بل لم يخطر له على بال أن يحترف التأليف في سنيّ تعليمه حتى قارب الثلاثين من عمره حين كتب في رسالة:
«تمثّلت مأساتي في رغبتي الجامحة بأن أصبح لامعاً في عزف الكمان المنفرد لقاء أي ثمن، إذ كنت أعزف كماني منذ سن الخامسة عشرة صباح مساء. وكنت أكره القلم والحبر ـ وللأسف كنت أفضّل قوس كمان أنيقاً. ودام عشقي للكمان ردحاً طويلاً من الزمن، ما جعل لحظة تصارحي مع نفسي بأنني كنت قد تأخرت كثيراً في اتخاذ مسار العازف المنفرد المحفوف بالتحديات لحظة مؤلمة للغاية».
لكن سبيليوس لم ينس حبه الأول، وحالما شعر بتمكّنه من التأليف بما يكفي، تفانى في كتابة كونتشيرتو الكمان (ولم يكتب كونتشيرتواً لأي آلة أخرى) يرقى إلى قمة ما كتب للكمان والأوركسترا على الإطلاق. وثمة عدد كبير من النقاد وقادة الأوركسترا ممن يعتقدون جازمين أن هذا الكونتشيرتو أروع أعماله قاطبة، علماً أن سبيليوس ألّف ثلاث عشرة قصيدة سمفونية وجلّها مستمد من الملحمة الفنلندية «كاليفالا»، والعديد من الأعمال التي تتخلل مسرحيات لمعاصريه لعل أشهرها «الفالس الحزين»، وما ينوف عن مئة أغنية فنية، وقطعاً عديدة لجوقة الغناء، ومئة أخرى من قطع موسيقى الصالة لتشكيلات متنوعة من الآلات، وغيرها. وتجدر الإشارة هنا إلى مدى الإتقان الذي جاءت عليه كل هذه الأعمال جراء عودة المؤلف إليها المرة تلو المرة ـ حتى بعد نشرها ـ وإعادة صياغة هذا المقطع أو ذاك بغية تحسين النسخة اللاحقة، فقد كان سبيليوس ينشد الكمال في كل شيء. ولكن ماذا عن سمفونياته؟
لقد بلغنا من سبيليوس سبع سمفونيات، حاول في كل منها أن يشقّ لنفسه طريقاً خاصاً به، فأفلح في محاولاته المبكرة إلى حد ما وحقق فتوحات ملفتة للنظر في تلك التي تلتها. فقد كان مديناً في الأولى لتشايكوفسكي (1840-1893) على نحو واضح، لكن ثمة لحناً حزيناً وطويلاً يستهل به سمفونيته وتعزفه آلة الكلارينت بمرافقة طبول التيمباني المكتومة، ويفضي إلى مادة اللحن «أ» الذي تعزفه الأوركسترا ككل. ولا يعود لحن الكلارينيت هذا مطلقاً، كما لا يشتق منه مؤلفنا أياً من الألحان الأخرى، رغم أن ثمة أصداء بعيدة له في بعضها. ولم يكن أحد قبل 1898-1899 قد استهل سمفونية على هذا النحو قط، ناهيك عن ترك مادة لحن الاستهلال جانباً والمضي قدماً إلى سائر حركات السمفونية، مبقياً على بناء السوناتة المتوارث عن الأب المؤسس هايدن (1732-1809).
ويظهر تأثير ليست (1811-1886) في تطوير خلايا لحنية أصغر فأصغر في سمفونيات سبيليوس اللاحقة، من الثانية حتى السابعة، فيتوصّل في كل سمفونية إلى بناء عضوي أشد تكاملاً واكتنازاً، تاركاً بذلك بناء السوناتة كلياً، وهو بذلك يتمرد على التراث دون أن يمزقه، ففكرة النمو ما تزال سمة الطريقين. كما يبدو تأثير بركنر (1824-1896) ماثلاً في حركات سبيليوس الوسطى شديدة البطء. بيد أنه يفوق نفسه في سمفونيته السابعة فينجح في ربط الحركات الأربع عضوياً في نفس واحد، فيسجل بذلك تجديداً ريادياً.
كان ذلك في أوائل 1924، أي بعد حوالي ربع قرن من بدء مسيرته في كتابة السمفونيات. فيكتب بعدئذ قصيدته السمفونية «تابيولا» ثم سلسلة قطع تتخلل مسرحية شيكسبير «العاصفة» بتكليف من المسرح الدنماركي الملكي وبعض القطع الأصغر منهما، ثم لا يلبث حتى يصمت حتى مماته ـ أي ما يزيد عن ثلاثة عقود! صمت أبي الهول، أو صمت ييرفنبا، كما شاع في صحافة تلك الحقبة، نسبة إلى البلدة التي كان قد شيّد فيها منزله العائلي، الذي أسماه «آينولا»، نسبة إلى زوجته آينو ييرنفلت سبيليوس (1871-1969) شمالي هلسنكي، والذي حوّلته الحكومة الفنلندية في 1974 إلى متحف يعنى بتاريخ حياته وأعماله الموسيقية.
وقد أشار المؤرخ أريك تافاستستيرنا (1916-1993)، كاتب سيرة حياة سبيليوس وصديقه المخلص، إلى أن سبيليوس كان قد وعد قائد أوركسترا بوستن السمفونية، سيرجي كوسفتسكي (1874-1951) بسمفونيته الثامنة في 1931 ثم عاد فجدد وعده له في 1932. وفي 1933 تم الإعلان عن حفلة تشمل الأداء الأوروبي الأول لسمفونيته الثامنة في لندن في ملصق جداري يحمل اسم قائد الأوركسترا البريطاني بازل كامرن (1884-1975) ورئيس الجمعية الفلهارمونية الملكية آنذاك، بل وذكر الملصق أن تسجيلاً على الاسطوانة سوف يتبع تلك الحفلة المعلنة، لكن شيئاً من كل ذلك لم يتحقق.
وكان تافاستستيرنا قد وجد، بعد ممات سبيليوس فاتورة مؤرخة في الرابع من أيلول/سبتمبر 1933 لقاء أتعاب مختص ألماني قام بخطّ النص الموسيقي للحركة الأولى فقط من السمفونية الثامنة كي يكون مقروءاً وجاهزاً للأداء. ثم طالعتنا الصحف في 2011 بأن ثمة ثلاث شذرات مما يعتقد أنه نص السمفونية الثامنة كانت قد اكتشفت على بضعة صفحات (من أصل 800 صفحة!) من مسودات يبدو أنها بخط يد المؤلف، وبأن أوركسترا هلسنكي الفلهارمونية تنوي عزفها للمرة الأولى في تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام. وقد استمعت إلى تسجيل حي لذلك الحدث، لا يزيد عن الدقيقتين والنصف. وفي الشذرات الثلاث ملامح باهتة من أسلوب سبيليوس المتأخر لكن عادته الشهيرة في الحذف والتنقيح والتعديل تجعلني أميل إلى الاعتقاد بأنها مجرد تجارب أولية لا تمثّل بالضرورة مقاطع من متن سمفونيته الثامنة.
فماذا حصل للمخطوطة إذاً؟ تجيبنا على هذا التساؤل المشروع عقيلة سبيليوس، آينو، في مقابلة مع تافاستستيرنا:
«لقد كانت ثمة محرقة كبرى في آينولا في الأربعينات، إذ قام زوجي بتجميع عدد من مخطوطاته في سلة غسيل كي يحرقها في موقد النار في صالة الطعام. ولم أمتلك القوة آنئذ على البقاء في الصالة، فانسحبت منها. لذا فإني أجهل عناوين المخطوطات التي كان نصيبها النار. لكن زوجي أصبح أكثر هدوءاً وأخذ مزاجه يتحسّن بعد تلك الحادثة».
ويؤكد شهادة آينو مؤلفنا نفسه، إذ نقل عنه أصدقاؤه المقربون قوله: «إذا وجدت نفسي غير قادر على تأليف سمفونية أفضل من سمفونيتي السابعة، فستكون تلك خاتمة سمفونياتي!».

المؤلف الفنلندي جان سبيليوس وسمفونيته الثامنة
حين يجفّ ينبوع الإلهام
بشّار عبد الواحد لؤلؤة
- -

1 COMMENT

  1. قليلة هي الاقلام العربية المتخصصة التي تعنى بالدرس و التحليل للاعمال الموسيقية
    -
    و قلم الموسيقار بشار عبد الواحد لؤلؤة يعد من ابرزها و اكثرها خوضا في هذا المجال
    -
    اود من السيد بشار ان يطلع القارئ الغير متخصص على الفرق بين السيمفونية و السوناتة
    -
    و الكونتشيرتو
    -
    سرد الكاتب لوقائع توطئته لمقاله كان ايضا ممتعا و ابان عن قيمة الموسيقى في حياة صاحب المقال
    -
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left