أدب الرحلة: من بناء المعرفة إلى بناء المعنى

 د. فاطمة كدو

Nov 25, 2017

تمزج الرحلة بين الاكتشاف والبوح، وهي أيضا تغيير للمكان والزمان الجغرافيين بكل حمولتهما المعرفية والثقافية، حيث تعاد صياغة الثقافات تحت تأثير تحركات الأشخاص والأشياء، والصور، والنظريات والمفاهيم؛ ولهذا اعتبر السفر/ الرحلة كمؤشر على التغيير والتعلم. إنها فكرة يشترك في التعبير عنها مجموعة من الرحالة الغربيين ما بين الحربين العالميتين، ومنهم مثلا لا حصرا أندريه جيد الذي يرى أن هناك سببية ما بين الرحلة والتغيير.
يرتبط أدب الرحلة بالتغيير من خلال ازدياد حجم المعرفة أو، بتعبير آخر، من خلال اتساع الوعاء المعرفي، والتعلم، وتصحيح المعتقدات القديمة، وتقوية القيم التي خيل لنا أنها ضاعت. وحسب أوديل غانييه فإن نظام تمثل العالم، ما دام مرتبطا بمجتمع محدد، فإن نمط تمثل الرحالة سيكون بشكل إلزامي ما دام هو الوسيط بين حضارتين، بمثابة قوة تصالحية وتكييفية لإحدى الحضارتين في النظام التمثلي للحضارة الأخرى.
وفي الواقع، ومن خلال عدة مظاهر، يمكن وصف نوع الكتابة الرحلية بـ«المحافظ» لأنه مرتبط بالأفكار والصور التي ترسخت في ذاكرة الرحالة قبل الشروع في الرحلة من جهة، ومن جهة أخرى لأن كتاب الرحلة يستوحون من النصوص الرحلية السابقة أفكارهم من أجل كتابة نصوصهم. أضف إلى ذلك التأثيرات التي كان يعيشها الرحالة ما بين الحربين الأولى والثانية، تأثيرات خارجية كانت تعج بها باريس من خلال اللغات الأجنبية التي كانت تسمع في شوارعها وأزقتها، وكذا حكايات الأجانب الذين يروون قصص حياتهم قبل المجيء إلى فرنسا.
وبالنسبة للرحالة كان دائما يحمل في ذاكرته ما يسمى بـ«ما قبل النص» الذي يحث على السفر/ الرحلة، وهو النص الذي يحيي الخيال ويجدده. حيث أن مقاربة أجواء ما قبل الرحلة تحتم توفر المعرفة / المعارف؛ لأن الرحلة قبل أن تكون حركة، كما يقول الأنثربولوجي إوربان، في اتجاه هدف محدد: مكان، اتجاه معين مسبقا، ومؤطر بشروط مميزة لتحقيقها (الإجراءات واللوجستيك)، هي قبل كل هذا «نظرية» و«فرضية» تمكن من الفهم وفك الشفرات وشرح العالم. إن الرحالة يدرس أولا نظريته، وفرضيته حول المستعمرة التي سيتجه إليها ويصحح بعض المعطيات إذا لزم الأمر، وذلك حسب شروط التلقي لديه؛ فهناك دائما نصوص/ كتابات الرحالة السابقين، التي تسبق الاحتكاك بالمرجع. هذه «المعرفة» تسبق «المعنى»، لأن من غير الممكن السفر إلى مكان ما دون أن تكون للرحالة أي فكرة عن الاتجاه الذي سيأخذه، هناك دائما في ركاب الرحلة فكرة عن «الهناك»، وتمثلات، ومعتقدات، وقراءات يحملها الرحالة معه.
كل هذ التراكم، من الأفكار والصور التي تشكلت من خلال المجلات والجرائد والروايات والمرويات وأحاديث السياسيين والمؤرخين والأخبار القادمة من المستعمرات… شكلت حملا ثقيلا على الرحالة وعلى تمثلاته الشعورية، الأمر الذي دفع بالرحالة إلى إعادة النظر أثناء إقامته بالمستعمرات في هذا المتاع/ الأمتعة المعرفية التي حملها معه، إلى جانب أمتعته الخاصة من لباس وغيره، ومحاولة التخلص من بعضها أو جلها. لأن هذه الخلفية المعرفية، المتاع المعرفي، يمنعه من التواصل مع الناس ويعرقل بحثه عن «المعنى» في المستعمرات التي حط الرحال بها. بل إن بعضهم، على سبيل المثال لا الحصر إيلي فور، أعلن عن إحساسه بأنه كان محاصرا وسجينا لمعارفه.
ولابد من الإشارة أيضا إلى الدور الكبير الذي لعبه الأدب الكولونيالي في فتح المجال أمام عدد من الرحالة لولوج العالم الآخر / الهناك، أندريه مالرو مثلا تشكلت رغبته في الرحلة إلى آسيا من خلال تأثره بكتاب بيير لوتي Le pèlerin d’Angkor، 1912، وكذلك من خلال المجلات الأركيولوجية حول الموقع. ويمكن هنا فيما يخص المغرب استحضار غي ريجيه الذي جمع عددا مهما من الدراسات المختلفة التوجهات حول المغرب شكلت، في نظرنا، مكتبة مهمة اعتمد عليها الرحالة الفرنسيون قبل مجيئهم إلى المغرب.
ومع التوسع الاستعماري وانتشاره على مساحة جغرافية هائلة من أطراف العالم، بدأ المثقف الغربي في البحث عن معنى/ معاني أخرى للحياة بعيدا عن إقليمه ووطنه. وحيثما وجدت راية بلده ما وراء البحار، كان هاجس البحث عن هذا المعنى الجديد للحياة في أراض أخرى يكبر، ويتمدد ليتخذ شكل فلسفة في الحياة، وطريقة لإنتاج أنماط مختلفة لوجوده كإنسان حامل لحضارة معينة محددة، وكمركز إشعاع وتفوق.
إن الرحلة والأدب يمكن أن يتجاورا بكل انسجام، يقول جان رودو: «إن الأدب ليس فقط حكي الرحلة، إنه يعمل على استكشاف الإمكانيات السردية، والتفكير في أشكال تقديم الرحلة، والإمساك في ذات الآن بالمكان حيث نتواجد، وكذا نقيضه».  كما أن الرحلة ليست فقط عبارة عن وثائقي، وفعل توثيقي، حتى وإن أخذ مظاهر ملحمة جغرافية كما هو الشأن عند جول فيرن؛ بل هي بحث واستكشاف، حيث يتوزع الخيال على أكثر من مجال. والأدب من مجالات هذا الخيال، «ذلك أن كل حضارة، وكل مرحلة تاريخية تمتلك محكياتها الرحلية، من العصور القديمة إلى القرن العشرين، من هيرودوت إلى بوتور…إن كاتب هذه المحكيات الرحلية متعدد، قد يكون شاعرا أو روائيا أو جغرافيا أو جوالا أو مراسلا أو عسكريا أو طبيبا… وينتج عن هذا التعدد أساليب متعددة في الكتابة/ الحكي».
 وهو يؤشر على تعدد في الثقافات الراصدة لثقافة الآخر. وبالتالي يأخذ المحكي الرحلي عدة أشكال: مراسلة أو مذكرات، وقد يكون رواية كما هو الشأن مع غوستاف فلوبير الذي زار الجزائر وتونس قبل أن يكتب روايته «سلامبو» التي نشرها سنة 1862، حيث شكلت يوميات رحلته من خلال الملاحظات التي سجلها، الحجر الأساس لكتابته الروائية. دون أن ننسى أن مهمة المعمرين، عند كتابتهم عن واقع البلدان المستعمرة، هي إنتاج ما كانوا يسمونه أنفسهم بـ«المعلومات»، وكانت مهمتهم إدماج واقع معين في سلسلة من الأنظمة المعرفية المتشابكة، منها الجمالية والجغرافية والاقتصادية والإثنوغرافية وغيرها.
إن الرحالة في حوض البحر المتوسط عندما يكتب رحلته، هو في ذات الآن يهرب من الهنا / الآن، كي يحكي عن الهناك وعن الآخر؛ إنه في ذات الآن استدامة هذا الهروب، والشروع في استرجاع حميميته والتصالح مع الذات. إن محكي الرحلة هو قنطرة فوق الزمن، وفوق المكان، يقول جان ـ جاك آمبير، والأكثر أهمية بعد متعة الرحلة، هو حكي هذه الرحلات؛ لكن متعة الشخص الذي يحكي نادرا ما تجد صداها عند المتلقي، مستمعا كان أو قارئا.
لقد ظل الشرق عند الأوروبي الوجهة المفضلة. والشرق حسب بيرشيه: كلمة مغناطيسية، مثل حقل مغناطيسي يوجه الرغبة والخيال، إنه يؤشر على خيال أسطوري، حيث يتمظهر نموذج من الانسجام، والشعور بفوضى الأشياء الممتلئة بالذكريات الروحية مع استحضار عظمة عصر حضارة لا تقارن، حيث كانت جذورنا.
إن تجربة الرحلة، لا تتحدد في أغلب الحالات في وصف الأماكن التي يتم اجتيازها، إنها تخبرنا عن الرحالة نفسه. إن مواجهة هذه الأراضي القريبة والبعيدة في ذات الآن تدفع الرحالة إلى التساؤل عن حياته، وتاريخه، وثقافته في عمقها وتطورها. وبالإضافة إلى ذلك فالرحالة يختلف من جنسية إلى أخرى: فرنسي، إسباني، بريطاني، ألماني… وبالتالي اختلاف الرؤى والتصورات في عرض المنتج الرحلي، كما أن الرحالة هو في الغالب رجل، مع بعض الاستثناءات النسائية مثل الكونتيسة كاسباران وأخريات.
تحضر في البعد الثقافي/ المعرفي للرحلة، كلمة «نظرة» وكلمة «صورة»؛ متجاورتين ومتلازمتين، لكنهما متباينتان في الدلالة والرمزية. وعندما نتحدث عن الرحلات، فإننا نتحدث ضمنيا عن «لقاء» أو بالأحرى عن «مواجهة»، بالمعنى الموضوعي والسلمي للكلمة، مع الأجنبي كمكان، والأجنبي كأشخاص، أو كحقيقة إثنوغرافية (خالد الأزعر: المغرب في سرديات الرحلة الألمانية).
وعندما يتم الحديث في أدب الرحلة عن «الصورة»، فإن الأمر يتعلق بالصورة التي تأخذها جماعة عن أخرى، الأمر الذي يعطي على العموم، ميلاد القوالب الجاهزة، وتنميط وجهات النظر والآراء، دون اهتمام بفحص درجة حقيقتها/ واقعيتها. إن دراسة الصورة وتشكلها ليس بالأمر الهين؛ فمن أجل ترجمة صورة بلد ما إلى كلمات، لا بد من تحليل وتقييم عدد كبير من المصادر، ولا بد من التحري من خلال عدة آليات مرتبطة بالموضوع، كي نستطيع بعدها ملاحظة أن وضعيات أساسية جد محددة تتكرر باطراد، وأن هناك سلسلة من المتلازمات تتشكل، حسب بيتر بورنر.

أدب الرحلة: من بناء المعرفة إلى بناء المعنى

 د. فاطمة كدو

- -

1 COMMENT

  1. اهم شئ متي تنتهي او يقطع العالم العربي النزاعات هذه اشياء لا بد حلها في صالات ليس علنيا _هذا ضعف- متي نبدئ في التفكير من ننتمي كيف نبدئ التطور الذي اهم من المشاكل الحالية- اللي عم يصير تضييع وقت علي حساب المدنية اين اطفالنا شبابنا يرعرون في جو الامومة للوطن العربي الذي تحمل المر في تحطيم لم يعرفه التاريخ – بالله عليكم مابتبكون اي حضيض وصلتم؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left