قرية لفتا الفلسطينية: كنعانية عمرها أربعة آلاف عام والاحتلال يواصل محو آثارها

فادي أبو سعدى

Nov 25, 2017

رام الله ـ «القدس العربي»: تعتبر قرية لفتا الفلسطينية المهجرة بوابة القدس الغربية، وهي قرية كنعانية معروفة منذ أربعة آلاف عام، وكانت واحدة من 534 قرية دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال النكبة التي حلت بفلسطين في العام 1948. وكان يقطنها قبل تهجير أهلها قرابة الثلاثة آلاف نسمة، وفيها أكثر من 550 منزلاً بعضها ما زال قائمًا حتى اليوم.
ودمر الاحتلال الاسرائيلي أكثر من نصف البيوت خلال الهجوم على القرية وطرد أهلها منها، ثم تعمد أفراد العصابات الصهيونية بعد ذلك فتح ثغرات في أسقف المنازل كلها، كي تنهار واحداً تلو الآخر بفعل العوامل الطبيعية خاصة وأنها مبنية من الشيد والتراب. وعندما احتلت العصابات الصهيونية قرية لفتا عام 1948 وقامت بطرد سكانها وإسكان مهاجرين يهود في بيوت القرية الفلسطينية التي نجت من الهدم، أقيمت مستعمرة «مي نفتوح» على أراضيها. ويستغل جيش الاحتلال الإسرائيلي منازل قرية لفتا التي تبعد قرابة الخمسة كيلومترات إلى الشمال الغربي من القدس على الجانب الشمالي من طريق القدس يافا الرئيسة، والقرية قريبة من قرى بيت اكسا ودير ياسين وعين كارم وقالونية والقسطل وصوبا والجورة، يستغلها لعمل تدريبات عسكرية بين الحين والآخر على اقتحام قرى فلسطينية لأن نمطها مشابه لغالبية القرى الفلسطينية الأخرى. وترتفع القرية فوق نحو 700 متر عن سطح البحر، وأقيمت على يد الكنعانيين على السفح الغربي لجبل خلة الطرحة وتشرف على وادي الشامي الذي يجري في طرفها الشمالي الغربي، وهو أحد المجاري العليا لوادي الصرار.
أما عن شكل بيوت القرية، فإن معظمها اتخذت شكلا دائريا لتتماشى مع منحنيات المنحدر الذي أقيمت عليه القرية. حتى أن شوارعها القديمة هي الأخرى شقت على شكل دائري أو شبه دائري. وقد شهدت القرية نمواً عمرانياً ملحوظاً فأصبحت مساحتها 324 دونماً وامتدت مبانيها في أواخر فترة الانتداب البريطاني نحو الشرق متسلقة سفح جبل حلة الطرحة.
كما امتدت مبانيها عند أقدام الجبل في الجهتين الجنوبية والجنوبية الغربية على شكل محاور بمحاذاة طريق القدس ـ يافا. واحتوت لفتا على بعض المحال التجارية ومسجد في وسطها ومدرسة ابتدائية كاملة للبنين. وكانت القرية أشبه بضاحية من ضواحي مدينة القدس، وكانت أسواق القدس هي المزود الرئيسي للقرية بما تحتاج من سلع وخدمات. وكان أهالي لفتا يشربون من مياه عين لفتا الواقعة في وادي الشامي.
واستغلت أراضي القرية في زراعة الحبوب والأشجار المثمرة كالزيتون والعنب. وتتركز الزراعة في وادي الشامي وقيعان المنخفضات الممتدة في الجنوب الغربي من القرية وسفوح بعض المرتفعات. وكانت هذه الزراعة تعتمد على مياه الأمطار.
وحسب احصائيات من زمن الانتداب البريطاني فقد بلغ عدد سكان القرية علم 1922 ما يقارب ألف وخمسمئة نسمة، ووصل في عام 1931 إلى ما يقارب ألف وتسعمئة نسمة وعام 1945 وفي آخر احصائية أي قبل ثلاثة أعوام من وقوع النكبة، بلغ عدد سكان لفتا 2250 فلسطينيًا.

معرضة للخطر

وأكدت الوثائق القديمة المتوفرة عن القرية أن شجرة عائلاتها المعدة عام 2005 أظهرت أن أهالي لفتا ينقسمون إلى خمسة أقسام «حمايل» وهي: حمولة سعد وتعد من أكبر حمايل البلدة، حمولة العيدة، حمولة الغبن، حمولة الصفران، حمولة مقبل وأخرجت تلك الحمايل 113 عائلة.
وقبل ان تسقط القرية بيد الاحتلال الإسرائيلي وعصاباته الصهيونية، عاش أهاليها بمختلف الحمايل في حارتين مختلفتين الأولى تسمى الحارة الفوقا والتي تقع عليها حاليا العديد من أحياء المستوطنين ومبانيهم، وأطلق عليها هذا الاسم لأنها تقع فوق الشارع الذي يربط القدس بيافا والثانية تسمى الحارة التحتة والتي ما زالت بيوتها وأراضيها صامدة أمام طمع الاحتلال.
وترشحت القرية حسب يعقوب عودة رئيس هيئة حماية الموروث الثقافي لقرية لفتا، لادراجها على قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «يونيسكو». وقد صنفت في القدس المحتلة كواحدة من 25 موقعًا معرضا للخطر في أنحاء العالم، وهذه القرية المهجورة التي تم تصنيفها من قبل الصندوق العالمي لحماية الآثار ليس لها أي مثيل في الشرق الأوسط وتقع على منحدر بالقرب من القدس.
ومنذ 2004 يخوض أهل لفتا المهجرين بالتعاون مع جمعيات حقوق الإنسان معارك قضائية لمنع هدم القرية والحفاظ عليها. وقد نجحوا في 2012 في منع «دائرة أراضي إسرائيل» من بيع القرية بمزاد علني لبناء نحو 212 فيلا فاخرة عليها اضافة إلى مركز تجاري وفندق ومتحف. لكن دائرة الأراضي استأنفت القرار وربحته.
ورغم أنها قرية بسيطة من بين القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، إلا أنها اشتهرت بالكثير من العالم، ومن أبرزها:
جناين لفتا: وهي عبارة عن مساحة كبيرة مزروعة بالأشجار المثمرة من الليمون والزيتون والرمان والترنخ والتوت.
عين لفتا: وهي عين ماء باردة تتوسط القرية وتصب في بركتين الأولى كانت للاستحمام والاستخدامات الشخصية للسكان والثانية للغسيل وكانت تستظل بشجرة توت كبيرة.
مقام الأمير سيف الدين: وهو مقام ينسب إلى أحد أمراء جند القائد صلاح الدين الأيوبي الذي استقر في لفتا بعد انتصار المماليك على التتار في معركة عين جالوت.
المسجد: وكان يسمى بمسجد سيف الدين نسبة للمقام القريب من المسجد، وهو مكون من غرفتين مساحة كل منهما 60 مترا وله محراب. وعرف ان إمام المسجد في عام 1900 كان يدعى الشيخ حسن دقة، وفي عام 1930 عرف إمام المسجد بالشيخ أحمد موسى والشيخ أحمد الحاج. وكان في المسجد زاوية كُتاب لتعليم أبناء البلدة القراءة والكتابة وممن عرف بالتدريس في الكُتاب في ذلك الوقت الشيخ صالح عدوي والشيخ جمال الدجاني.
خان الظاهر بيبرس: ويقع في الجزء الشرقي من أراضي الشيخ بدر والذي انشئ عام 662 هجري واستمر في خدمته أكثر من 250 عاما، وكان عبارة عن استراحة محاطة بالبساتين والحدائق.
المدرسة الأميرية: وكانت تعرف بمدرسة لفتا الأميرية، تم تأسيسها في عام 1929 بجهود من أهالي البلدة وكانت في بدايتها مكونة من ثلاث غرف يدرس بها حتى الصف الثالث الابتدائي وفي عام 1934 اتسعت وأصبح يدرس فيها حتى الصف السابع، وكان عدد الطلبة فيها حتى عام 1940 حوالي 300 طالب من أبناء القرية والقرى المجاورة.
«ست الأهل وساحة الابو»: وكانت عبارة عن آثار تاريخية قريبة من مسجد البلدة وتقع وسط القرية.
خربة كيكا وخربة الجفافة وخربة البرج: وكانت هذه عبارة عن آثار يعود بناؤها إلى العصر الروماني القديم، وهي خرب كانت تحيط بالقرية.
مقبرة القرية: وتقع مقبرة القرية في السفح الغربي لقرية لفتا، وقد قامت العصابات الصهيونية بتدمير معظم القبور الواقعة فيها بعد احتلال البلدة، وما زالت بعض القبور باقية حتى يومنا هذا. هذا واعتاد أهل البلدة تنظيف مقبرتهم بشكل دوري منذ عدة سنوات.
معصرة الزيتون: كانت القرية تضم أربع معاصر للزيتون على الأقل، وتتركز هذه المعاصر في المنطقة المحيطة بالجامع، وأشهرها المعصرة الموجودة مقابل الجامع مباشرة من الجهة الشمالية والتي كانت تعود إلى آل الحاج.
الطوابين: والتي اشتهرت بصناعتها الحاجة لبيبة، وكانت من أشهر نساء القرية.
وتشترك قرية لفتا على امتداد أراضيها بعدد من الأحياء والمناطق السكنية في مدينة القدس المحتلة ومحيطها، ومن أشهر هذه المناطق.
جبل المشارف: ويسمي أهالي لفتا أعاليه بأرض السمار لأن تربتها يغلب عليها اللون الأسمر أكثر من غيره. وجبل المشارف من أهم المواقع الاستراتيجية التي تطل على المباني المقدسة بل ان سبب تسميته بالمشارف بعود إلى أن من يقف عليه يشرف بناظريه على المدينة المقدسة «القدس» ويقع على الطريق الرئيسي المؤدي إلى القدس من مختلف المدن والقرى التي تقع في شمال المدينة المقدسة. ويطلق عليه الفرنجة اسم جبل سكوبس.
حي وادي الجوز: ويتصل بالطرف الشرقي الجنوبي المنحدر من حبل المشارف، ويطلق عليه اسم أرض السمار ويمتد حتى بداية جبل الطور.
حي الشيخ جراح: يمتد إلى الجنوب من جبل المشارف وتقع عليه العديد من المباني الحكومية التابعة لدولة الاحتلال وعدد من القنصليات الأجنبية.
حي باب العمود وباب الساهرة: وهذان البابان واقعان في الجهة الشمالية من مدينة القدس ويشكلان المدخلين الرئيسيين للقادم من شمال المدينة.
حي الشيخ بدر: يقع إلى الجهة الغربية الشمالية من بيت المقدس، ويشكل المدخل الرئيسي لقرية لفتا من جهة الشرقية الجنوبية.
أما الجديد في تاريخ القرية، فهو أن «سلطة أراضي إسرائيل» منعت قبل عدة أسابيع، إطلاع الجمهور على مسح أثري وذلك بهدف إضعاف المعارضة على إنشاء حي على أنقاض هذه القرية الفلسطينية المهجرة منذ نكبة العام 1948.
واعتبر هذا المسح الأثري هو الأشمل لقرية لفتا، لكن «سلطة أراضي إسرائيل» عمدت إلى إلغاء مؤتمر كان مقررا عقده من أجل استعراض المسح الأثري للقرية، وإخفاء تفاصيله عن الجمهور لتمرير مخطط بناء الحي الاستيطاني الجديد، حسبما ذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. وقد تم استعراض نتائج المسح الأثري في مؤتمرات علمية فقط.
وأجري هذا المسح الأثري لقرية لفتا على أيدي علماء الآثار الإسرائيليين أفي مشياح ويونتان تساحور ومايا عوفاديا من سلطة الآثار الإسرائيلية، في أعقاب التماس قدمه إلى المحكمة مهجرون من القرية وطالبوا فيه بوقف مخطط بناء حي جديد للأثرياء على أنقاض قريتهم.

تجاويف تحت الأرض

يذكر أن القرية ما زالت على حالها ومثلما تركها أهلها لدى تهجيرهم منها عام 1948. ويكشف المسح الأثري عن وجود أجزاء قديمة جدا للقرية وتجاويف تحت الأرض لم تكن معروفة من قبل إضافة إلى منظومة طرق ومنشآت زراعية قديمة كثيرة.
ومارست «سلطة أراضي إسرائيل» ضغوطا كبيرة على سلطة الآثار من أجل إلغاء المسح الأثري. لكن مصادر في سلطة الآثار قالت خلال مداولات داخلية إن «سلطة أراضي إسرائيل» لا يمكنها منع استعراض المسح الأثري، لأنه عمل علمي، وذلك على الرغم من أن الأخيرة هي التي مولت المسح الأثري. إلا أن سلطة الآثار قررت عدم الدخول في مواجهة مع «سلطة أراضي إسرائيلي» وتقرر إلغاء المؤتمر نهائيا.
من جهتهم، أعلن نشطاء الائتلاف لإنقاذ لفتا عن تنظيم مؤتمر بديل حول المسح الأثري للقرية وسيجري عقده في ميدان سفرا في القدس حسب ما نقل موقع «عرب 48». وقال إيلان شتاير، وهو أحد الناشطين، إن «واضح أن هناك موجودات أثرية هامة وتستدعي الحفاظ بشكل كامل على كل الموقع. وكلما انكشف أناس أكثر لهذه المعلومات تزداد المعارضة الشعبية للمخطط الحالي».
وهذا ثاني حدث يتم إلغاؤه عن مناطق أثرية في القدس المحتلة. فقد تم الإعلان قبل ذلك عن إلغاء جولة في مقبرة مأمن الله بمحاذاة البلدة القديمة في القدس. وأكدت الصحيفة أن إلغاء هذه الأنشطة جرت بضغط مارسه الوزير الإسرائيلي لشؤون القدس زئيف إلكين، بزعم أن المرشدين في الجولة هم نشطاء في المنظمة اليسارية «عيمق شافيه» وتعني «عمق شبيه».
وكانت ذات الصحيفة الإسرائيلية قد كشفت ان هناك مخططا لإقامة حي استيطاني جديد على أنقاض قرية لفتا المهجرة التي دمرها الاحتلال عام ثمانية وأربعين، وأن الدراسات الجيولوجية التي اجريت في المكان وقيمته الأثرية لن تحول دون إقامة الحي الاستيطاني في المكان. ووفق الصحيفة، فإن هناك خمسة وسبعين من منازل القرية ما زالت قائمة حنى اللحظة.
وتواصل سلطة أراضي إسرائيل رفضها لتغيير خطة بناء الفيلات الفاخرة بين البيوت القديمة لقرية لفتا، وكتب نير حسون قبل عام في صحيفة «هآرتس» يقول «أن استكشاف واسع لسلطة الآثار تم في قرية لفتا المهجورة على مداخل القدس، كشف عن أدلة جديدة تثبت تميز هذه القرية التاريخي والأثري. ورغم ذلك فان سلطة أراضي إسرائيل لا تنوي إعادة فتح خطة البناء لإقامة منطقة فاخرة للفيلات بين بيوت القرية القديمة، بل الاكتفاء بادخال أوامر الحفاظ على المباني القديمة إلى ملحق البناء فقط».
وأضاف ان الاستكشاف يشمل بحثا أثريا وتاريخيا وجغرافيا وإعادة رقمية لكل واحد من مباني القرية. وأوجد البحث اطلالات جديدة حول تاريخ لفتا وتطورها ودور الهندسة فيها. وتم اكتشاف أجزاء تعود إلى الفترة الهيلينية وفراغات تحت الأرض لم يُعرف عن وجودها. لفتا هي القرية الأكثر سلامة من بين القرى التي بقيت من قبل 1948. وقامت «يونيسكو» بادخالها إلى قائمة المواقع التي قد تكون من الإرث الدولي.
كما شمل الاستكشاف البيوت التي بقيت والبالغ عددها 75. وقامت الطواقم بوضع تاريخ البناء وأعادت بواسطة الكمبيوتر صورة القرية في مراحل بنائها المختلفة. وتبين أيضا أن في المبنى الأقدم في القرية توجد أجزاء بنيت في الفترة الرومانية أو الهيلينية، قبل حوالي ألفي سنة. وعلى هذا المبنى أقيمت مزرعة صليبية في العصور الوسطى بحيث تحول إلى نواة القرية التي تطورت خلال العهد العثماني على مدى 400 سنة.
وتم اكتشاف مغارات كبيرة تحت البيوت استخدمت للسكن والتخزين في فترات مختلفة، بعضها تم بناؤه بشكل جيد. وقد تفاجأ الباحثون عندما اكتشفوا احدى المغارات تحت الدوار المركزي في القرية قرب نبع لفتا الشهير. واضافة إلى ذلك تم توثيق الشوارع والميادين والمواقع الزراعية والتراسات. «هذا هو الاستكشاف الأكبر والأهم والأكثر تعقيدا بالنسبة لسلطة الآثار» قال المهندس آفي مشيح، الذي ترأس طاقم المكتشفين.
ويظهر هذا الاستكشاف ومنع سلطة الآثار الإسرائيلية من نشر معلومات جديدة عن القرية عمق الإرث الفلسطيني في القرية التي لم تستطع همجية الاحتلال وآلياته العسكرية من شطبها منذ سبعين عامًا خلت، وقت احتلال فلسطين بالقوة العسكرية.

قرية لفتا الفلسطينية: كنعانية عمرها أربعة آلاف عام والاحتلال يواصل محو آثارها

فادي أبو سعدى

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left