قراءة بديلة لرسالة بلفور

إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟

فواز طرابلسي

Nov 25, 2017

والآن لنلقِ نظرة متفحصة على نص الإعلان في حصيلة كل التعديلات والتدقيقات التي أجريت عليه.
«وزارة الخارجية
         في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917
         اللورد روثتشايلد العزيز،
         ببالغ السرور أنقل اليك بإسم حكومة صاحب الجلالة الإعلانَ التالي عن التعاطف مع التطلعات اليهودية الصهيونية الذي عرض على الحكومة ووافقتْ عليه.
تؤيد حكومة صاحب الجلالة [views with favour] إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تسعى وسعها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوماً بوضوح انه لن يبادَر إلى أي شيء يسيء إلى الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية في فلسطين، أو إلى الحقوق أو الموقع السياسي التي يتمتع بهما اليهود في أي بلد آخر».
                  سوف أكون ممتناً لو نقلتَ هذا الإعلان إلى الاتحاد الصهيوني.
                  بإخلاص،
                  آرثر جيمس بلفور»
غالبا ما قرئ الإعلان من زاوية ضيقة تشدد على الوعد بالدولة اليهودية، على حساب ما بدا حينها الأهم وهو نزع حق الشعب الفلسطيني في الدولة والاستقلال وتقرير المصير على أرضه. بناء عليه يمكن إعادة قراءة مدققة للإعلان ومحاولة التمييز بين الهدف والوسيلة فيه وبين الرئيسي والثانوي.
من أجل تثبيت الحق البريطاني في استعمار فلسطين، اقتضى الأمر أن تنصّ الرسالة ابتداءً على حرمان عرب فلسطين من صفة الشعب ومن كونهم يشكلون أمة (أو أنهم ينتمون إلى أمة كالأمة السورية أو الأمة العربية) وحرمانهم بالتالي من الحق في تقرير المصير، أي في إقامة دولة مستقلة خاصة بهم.
وقد تمت عملية نزع صفة الشعب عن عرب فلسطين وحرمانهم الحق في تقرير المصير بالاستبدال. فمُنِح اليهود، وعددهم في فلسطين لا يتجاوز الستين ألفاً، صفة الشعب، وما يستتبعه من الحق في إقامة دولة قومية لهم (دولة-أمّة) على الغرار السائد في أوروبا؛ هي بالإضافة لذلك دولة مفتوحة أمام كل من يرغب من يهود العالم في الهجرة إلى فلسطين؛ وحرم، في الآن ذاته، أكثر من 700 ألف عربي من الحق في تقرير المصير وبناء الدولة القومية.
ولتأكيد ذلك، كان لا بد من تعريف هوية سكان فلسطين التعريف الديني- الإثني وتوزيعهم بين «الشعب اليهودي» و«الجماعات غير اليهودية». فإذا التعهد بعدم إساءة إنشاء «الوطن القومي اليهودي» إلى الحقوق «المدنية والدينية» للجماعات غير اليهودية يزيد في الطين بلّة. فبدل أن يقدم أي ضمانة للحقوق الفلسطينية العربية، يكرّس اقتصار حقوقهم، بما هم مسلمون ومسيحيون، على الحقوق الدينية والمدنية وحدها، أي انه ـ التعهد – يكرر حرمان عرب فلسطين من الاعتراف بهم كشعب وحرمانهم بالتالي من حقوقهم القومية والسياسية في بناء دولة والاستقلال وتقرير المصير أو إدارة شؤونهم بأنفسهم بل يحرمهم حتى من حقهم في التمثيل السياسي والمشاركة السياسية في حكم البلاد.
من هنا فعدم ذكر «دولة يهودية» بدل «الوطن القومي اليهودي» في رسالة اللورد بلفور لم يكن فقط من قبيل التورية لعدم ذكر «دولة»، قدر ما كان للتأكيد بأن فلسطين سوف تكون «دولة بريطانية»، قبل أي شيء آخر، تماماً كما فهم جورج- بيكو عندما حدّثه سايكس بأمر منح اليهود وطن قومي في فلسطين، قبل ذلك بعامين.
لم تغب هذه الاعتبارات الرئيسية عن عدد كبير من الذين درسوا إعلان بلفور. نلقاها عند ستاين (1965) وڤارتيتيه (1970) وشنير (2010) وصولا إلى جيمس بار (2011) ويوجين روغان (2015).  لم يخلط أي من هؤلاء بين الوسيلة والهدف. يقول جيمس بار: «لاستبعاد احتمال أن تمارس فرنسا الضغط لصالح إدارة دولية لفلسطين عند احتلال هذه الأخيرة، قررت الحكومة البريطانية إعلان دعمها للصهيونية» (بار،56). ويشير ماير ڤيريتي إلى أن الرسالة التي وقّعها بلفور هي من صنع من كانت تحركهم الرغبة في استثناء فرنسا من حكم فلسطين. ويبدأ يوجين روغان، في كتابه «نهاية العثمانيين» (2015) بتعداد الأسباب التقليدية المألوفة لإعلان بلفور، كمن يمارس طقساً إلزامياً ممّلاً: إقناع ولسن بدخول الحرب، إقناع روسيا الثورة بالبقاء في الحرب، ورغبة البريطانيين في تعديل اتفاقية سايكس -بيكو وقد أعطوا فيها للفرنسيين أكثر مما يستحقون، إلخ.. لكنه لا يلبث أن يقلب المحاجة رأسا على عقب ليخلص إلى أنه «في الظاهر، بدا أن اللورد بلفور كان يقّدم فلسطين للحركة الصهيونية، في الحقيقة، كانت حكومة لويد ـ جورج تستخدم الصهاينة من أجل تأمين الحكم البريطاني لفلسطين» (Regan 350).
وكم هو معبّر أن تكون منظمة ماتسبن الإسرائيلية، المعادية للصهيونية، قد وصفت إعلان بلفور منذ الستينات بأنه «عقد الزواج الذي به زُفٌّت الصهيونية إلى الاستعمار».

إعلان بلفور يطيح سايكس ـ بيكو

مع اقتراب نهاية الحرب، بات لويد – جورج يتحدث من موقع الشريك الاستعماري الأقوى. فبريطانيا هي التي قادت عمليا قوى «التحالف» وهي التي قدمت فيها العدد الأكبر من الضحايا. فهي التي هزمت حملة جمال باشا لاحتلال قناة السويس، إضافة إلى أن قواتها باتت تحتّل كامل فلسطين. وخسرت فرنسا مطالبتها بالإدارة المشتركة لفلسطين بانسحاب روسيا من الحرب، قبل أن يقضي الاحتلال العسكري البريطاني عليه. وفوق هذا كله، كان لسان حال لويد ـ جورج أن بريطانيا هزمت السلطنة العثمانية منفردة «فيتوجب عليها أن تنتزع حصة الأسد من الغنائم» (Barr, 64).
   في شباط/فبراير 1918 رضخت فرنسا للأمر الواقع وأيّدت إعلان بلفور بعد أن كانت القوات البريطانية قد سيطرت عمليا على كامل فلسطين. وبناء على هذا الانقلاب في موازين القوى وبالنظر إلى التفاوت الكبير في المساهمة الحربية للحليفين، أمكن لويد ـ جورج أن ينتزع من كليمنصو فلسطين والموصل معاً في حوار شديد الدلالة جرى في السفارة الفرنسية بلندن عشية مؤتمر السلام في كانون الثاني/يناير 1919:
«كليمنصو: حسناَ، ما الذي سوف نناقشه؟
لويد ـ جورج: بلاد ما بين النهرين وفلسطين.
ـ قل لي ماذا تريد؟
ـ أريد الموصل.
ـ سوف تكون لك… أي شيء آخر؟
ـ نعم. أريد القدس أيضا.
سوف تكون لك، قال كليمنصو مجددا (Barr, 71-72).
وكان الجيش البريطاني قد احتل بغداد نهاية العام 1917 ودخل كركوك بعد استسلام الجيش التركي في صيف1918. ونصح أمين سر الحكومة موريس هانكي رئيسَه باحتلال الموصل التي أشارت تقارير إلى احتوائها احتياطيا كبيرا من النفط قد يكون الأكبر عالميا. فأمر لويد – جورج باحتلال المدينة في تشرين الأول/أكتوبر 1919 وكانت لا تزال بيد الأتراك فاحتلت القوات البريطانية المدينة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته (Barr, 66-67).
 رفض الضابط التركي التوقيع على تسليم الموصل للقوات البريطانية، لوجود مطالبة تركية بالمدينة الشمالية استمرت إلى حين قيام الدولة التركية الحديثة ولم يتخلّ كمال اتاتورك عن اللواء العثماني السابق إلا في العام 1926.
هكذا افتتح الحديث المقتضب بين زعيمي الحلفاء التعديلات الجذرية التي تجرى على اتفاق سايكس – بيكو والتي سوف يزيد عليها ويستكملها مؤتمر السلام واتفاقات ما بعد الحرب بحيث لم يبقَ منه شيء تقريبا.
مراجع

Avidan,  Natan, Britain, Israel and Anglo-Jewry, 1948-1967, 2004.
Barr, J., A Line in the Sand. Britain, France and the Struggle that Shaped the Middle East, London and New York, 2011
John, Bowle, Viscount Samuel, A Biography, 1957.
Cloarrec, Vincent, La France et la Qustion de Syrie, 1914-1918, 1998.
Fromkin, D., A Peace to end all Peace. Creating the Modern Middle East 1914- 1922, London, 1989
John, Robert, ‘Behind the Balfour Declaration. Britain’s Great War Pledge to Lord Rothschild’, Institute for Historical Research, May 15, 2016.
Mansfield, P., A History of the Middle East, Third Edition, London, 2010
Rogan, E., The Fall of the Ottomans, The Great War in the Middle East, London, 2015
Schneer, Jonathan, The Balfour Declaration. The Origins of the Arab-Israeli  Conflict, New York, Random House, 2010.
Vereté, M., ‘The Balfour Delaration and its Makers’, Middle Eastern Studies, 6 (1) January 1970
ماهر الشريف، «اتفافية سايكس – بيكو وعلاقاتها بوعد بلفور»، موقع حزب الشعب الفلسطيني الالكتروني، الثلاثاء 10 أيار 2016.)

قراءة بديلة لرسالة بلفور
إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟
فواز طرابلسي
- -

2 تعليقات

  1. يصراحة الاخوة عزيزي الدكتور فواز اقول كنا ننتظر وصفا للغابة فاذا بنا ننظر الى وصف اشجار وشجيرات عديدة ومعروفه وبعضها لا يتسق اصلا مع بعضها الاخر,ولم نرى غاية الوسيلة وهي في عنوان المقال
    اذا يصح الحديث عن بؤرة او مركز ثقل للمقالة بعد كل الصور والمشاهد التي تنتقل من بغداد الى الموصل والقدس وقناة السويس فهي “ويد ـ جورج تستخدم الصهاينة من أجل تأمين الحكم البريطاني لفلسطين” ,وهذا كلام لا تسنده اي ادلة تاريخية ولا توثيقية ولا حتى ادعائية على الاطلاق. اصلا النصف الجنوبي من فلسطين كان اصلا في المنطقة “ب” البريطانية من سايكس بيكو. وبعد خروج روسيا من الاتفاقية بقت المنطقة الدولية بين بريطانيا وفرنسا. فهل كان الصراع بين الدولتين بهذه الحدة والضخامة بحيث تطلب الامر وعد بلفور لتامين الجانب البريطاني؟؟اصلا الدكتور فواز يجيب على هذا التساؤل بنفسه عندما يشرح انه في شربة قهوة في السفارة الفرنسية في لندن اخذ لويد جورج كل ما يريده من كليمنصو. ولو اغمضنا اعيننا وقلنا نعم بلفور كان لتامين “الحكم البريطاني” (كما يقتبس الدكتور من ريغان)فسنقع في اشكالات هائلة مثل:
    1-كيف نفسر عبارة ” وسوف تسعى وسعها لتسهيل تحقيق هذا الهدف ” الواردة في نص الوعد ؟اي ان الحكم البريطاني بسعيه لاقامة وطن-امة فهو يسعى لتقويض نفسه !
    2-هل كان التهديد للحكم البريطاني في فلسطين بهذا الهول واكثر من يلاد الرافدين ومصر بحيث تطلبت امرتامينه اقامة وطن بل وامة جديدة؟؟
    3-الهيمنة البريطانية اصلا كانت بحكم المضمونة والمحمية من الجانب العربي الهاشمي وجيش لورنس العربي ومن بعد تشكيل امارة شرق الاردن التي اعطت استقرارا كبيرا للحكم الريطاني. فمم تخاف الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس هنا وفي فلسطين القليلة السكان؟
    في الثلاثينات من القرن الماضي كتب جورج انطونيوس, وهو اصلا من الحاشية الهاشمية, وبوسائل معرفية بدائية لا ترتقي ابدا الى ما هو متوفر الان حيث قال: “اي كان عملهم (يقصد الحلفاء) هذا صدى لا شعوريا لمعاداة بالميرستون فكرة قيام دولة عربية مستقرة على الطريق البري الذاهب الى الهند” اظن ان الصدى كان “شعوريا” وبامتيازوليس لا شعوريا.
    اما اقتباس قول ماتسبن عن “عقد الزواج” فهو للاسف غير كامل اولا وثانيا كان محل نقد من عضو ماتسبن العربي والمؤسس المرحوم جبرا نيقولا. لانه لا يجيب عن ماهية الهدف الكولونيالي الذي لا امن له الا ببلقور

  2. مع جزيل الشكر والتحية لك أخي فواز طرابلسي .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left