بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس

الْأعمال الكاملة للشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين:

المثنى الشيخ عطية

Dec 02, 2017

«يا سورية الجميلة السعيدة
كمدفأة في كانون
يا سورية التعيسة
كعظمة بين أسنان كلب
يا سورية القاسية
كمشرط في يد جراح
نحن أبناؤك الطيبون
الذين أكلنا خبزك وزيتونك وسياطك
أبداً سنقودك إلى الينابيع
أبداً سنجفف دمك بأصابعنا الخضراء
ودموعك بشفاهنا اليابسة
أبداً سنشق أمامك الدروب
ولن نتركك تضيعين يا سورية
كأغنية في صحراء»…
كما يحدث عادة، مع سير المبدعين الذين يسطعون كما النيازك، وكما حدث مع سيرة شبيهه الأقرب أرتور رامبو، الشاعر الفرنسي الذي دمغ شعر نهايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين ببصمة شعره المضيء، سوف تظل سيرة الشاعر السوري رياض الصالح الحسين (1954 ــ 1982)، ناقصة ولا يستطيع الموت أن يطالها بسيف الاكتمال. وهذا ما تعكسه، على الأقل، الأعمال الكاملة التي صدرت حديثاً لهذا الشاعر المدهش، شملت دواوين شعره الأربعة، ومقدمة طويلة، وشهادات معبرة من أصدقائه، والعديد من أقوال الشعراء والكتاب والنقاد فيه. ولكنها بقيت تمتد بنقصها إلى الكثير الذي سوف يكتب ويصحح عن هذه السيرة، والكثير الكثير من الأبحاث والدراسات التي ستتناول شعره، حيث طبع الحسين بتأثيره الفادح أساليب الشعراء الذين جايلوه، والأجيال اللاحقة من الشعراء على امتداد العالم العربي. هذه، مثلاً، شهادة الشاعر السعودي أحمد الملا التي وردت في الأعمال، وفيها يقول: «في نهاية الثمانينات، وصلت إلى أيدينا في مدينة الأحساء مجموعة شعرية بعنوان (خراب الدورة الدموية) لشاعر أنجز أسطورته، ومضى مكتملاً في المخيال الشعري. تناقلنا كتابه مثلما نهرّب في ثيابنا صاعقة عن أعين حرس الحدود، وانتبهنا لشراسة اللغة اليومية ووحشية القول».
في هذه الأعمال الكاملة، التي أشرف على إعدادها ابن أخته الشاعر عماد نجار، ثمة نقص في سيرة الراحل عبر عنه الشاعر السوري منذر المصري، في مقدمته الناجحة تحت عنوان: «سيرة موت ناقص»، التي أبرزت مرور الشاعر الشخصي في الحياة الثقافية السورية، في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، دون أن ينتبه أحد، ربما غير رياض نفسه، إلى الموت «الكامن له عند كل منعطف أو تقاطع». وكان محقاً في الإشارة إلى مرور هذا «العابر الهائل بنعال من ريح» كما قال مالارميه عن رامبو؛ فالحسين نفسه كان متحفظاً على تفاصيل حياته، وحريصاً على إخفاء علته، وساعياً إلى أن يكون مكتملاً «كالبرق، إذ يبتدي، يحده المقتل»، كما عبر الشاعر سليم بركات عن نفسه، وكما شهدت هذا أنا شخصياً في ابتسامته الآسرة اللطيفة المخيفة بسحرها وبساطتها وسخريتها في آن. وربما تجاوزتْ إشارة المقدم هذا المرور المربك الملتبس رغم جهوده في البحث والتدقيق، إلى أن تكون جزءاً منه، فتخطئ في التوثيق، حيث أن الشاعر تعرف على السيدة سمر المير (س) كما تقول هي نفسها، في أمسية ضمت العديد من المثقفين في بيت الناقد نبيل سليمان في حلب، عام 1977، عندما كانت تدرس الهندسة في حلب؛ وليس «في عام 1974، عندما قام بعملية ثانية في بلغاريا، للتخفيف من عواقب العملية الأولى»، كما جاء في التقديم.
وفي أعماله الكاملة، التي ضمت أربع شهادات طويلة لعبد الكريم كاصد، فرج بيرقدار، هاشم شفيق، وعماد نجار؛ يكتشف القارئ الكثير من سيرة حياة هذا الشاعر اللطيف المبهر وموته، عشقه وخيباته، لمعانه وخفوته. هذا إضافة إلى ما تعرض له من تنكيل مخابرات حافظ الأسد به، كما يشير الشاعر فرج بيرقدار، نتيجة مشاركته في تحرير نشرة «الكراس الأدبي»، حيث لم يكن الحسين، الشاعر المنحاز إلى الحرية والكرامة والمساواة رغم صداقته للجميع كما أعلم، حيادياً على الإطلاق، وكان شجاعاً في الإبقاء على صلته التي تصل حد الارتباط بأصدقائه في «الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي»، إثر تعرضهم لهجمة اعتقال شرسة من قبل مخابرات النظام أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، وكذلك بأصدقائه في «رابطة العمل الشيوعي» الذين تعرضوا لذات الهجمة، مع توازي استمراره في كتابة قصيدته التي تنز دماء وشهقات للحرية في كل كلمة. ويبدو أن مواقفه تلك كانت إحدى أهم أسباب تعرضه لخذلان المسؤولين في الحكومة له خلال معاناة مرضه بالفشل الكلوي.
وفي أعماله الكاملة، يجد القارئ الكثير من التعاطف والحب والكشف لسيرة الشاعر المنقوصة التي تفتح أبوابها لشغف معرفة المزيد، لكن الأهم الذي يجده هو شعر الحسين، المبهر المضيء الطازج أبداً، في دواوينه الأربعة: «خراب الدورة الدموية»، 1979؛ «أساطير يومية»، 1980؛ «بسيط كالماء.. واضح كطلقة مسدس»، 1982؛ و«وعل في الغابة»، الذي صدر عام 1983 بعد وفاته بعام، مختتماً بجملة: «لقد اعتدت أن أنتظرك أيتها الثورة».
وما يدهش في هذه الدواوين، هو وحدة الأسلوب الخاص، حيث أشار النقاد محقين إلى أن الحسين أنجزه في الثالثة والعشرين ومنذ قصائده الأولى المنشورة عام 1977، والذي تميز بخصوصية وتفرد ملفتين، رغم تأثيرات أسلوب محمد الماغوط في القصائد الأولى. وما كرس هذه الفرادة وأغناها ربما هو استمرار رؤية الحسين للعالم بعين الطفل المندهشة المدهشة بالتقاطها، تعبيراتها، خوفها، كوابيسها، وشغفها الذي لا يرتوي للحياة، مع ألمها الممض من المرض على المستوى الخاص، ويأسها مما تشهد من سكاكين وقنابل وطائرات وأجساد منثورة في الهباب على الصعيد العام، ومحاولاتها الجسورة من خلال الكتابة العذبة والصورة الصادمة، والتركيب الذي يجد أساسه في العمق الداخلي وفي الأحلام، وفي لملمة شظايا الجثث، وترميم انكسارات العالم:
«تعالوا إليّ جميعاً
تعالوا إليّ بدون استثناء
ــ أيتها المرأة تعالي لأضمك
ــ أيها الطفل تعال لأقص عليك حكاية الذئب والأرنب
ــ أيها العاري تعال لأكسوك بالقبلات
ــ أيتها الحقول الجافة تعالي لأهبك خضرة دمي
ــ أيتها الشمس لماذا ترتعشين من البرد
وحطب قلبي مهيأ للاشتعال؟»
والأكثر من ذلك، في هذه الخصوصية، هي لغة الحسين التي هي روحه نفسها، المتفتحة «طيوراً بيضاء»، في قصيدة النثر كما في التفعيلة، طازجةً أبداً ومدهشة مثل «اكتشاف الطفل أصابعه وعينيه»، ومثل «أساطير يومية»، تنساب كما يستلقي شاعرها: «بسيطة كالماء.. واضحة كطلقة مسدس». إنها تصيبك قسراً بعدوى الشعر، ومرض الحيرة في انتقاء أي مقطع من القصائد للاستشهاد به، حيث تقف متحدية لك أن تملك القدرة على التمييز في حب أجزائها، ناظرة إليك بمواربة، ومتألقةً أمامك مثل مبدعها، «كنجمة في السماء»، وحرةً «كوعل ٍ في الغابة»:
«إنني أفتح عيني كنبع صغير
وأتحرك برشاقة الرعاة
فلقد بدأت أعلم
ــ وربما متأخراً قليلاً ــ
أن آلاف الحروب وملايين الجرائم
لم تستطع منع القطة من المواء عندما تجوع
والوردة من أن تتفتح
والمطر من أن ينهمر بغزارة».
في أعماله الكاملة، وفي مناسبة رحيله التي مرت ذكراها الخامسة والثلاثون قبل أيام، بتاريخ 20 ــ 11 ــ 2017، في هذا الخريف الأحمر المرقش بألوان فان غوخ، شبيهه في معاناة الألم، ومقاومة الموت بزخم الإنتاج، لا يسعني سوى إضافة إشارة إلى نقص في سيرة الحسين. تلك كانت، وكما شهدتُها صديقاً، جرأته النادرة على مقاومة الألم، وعلى مواجهة موته، الذي كان ينصب له فخاخ الكوابيس لإسقاطه. كذلك أشير إلى صداقته العميقة، في حلب، مع القاص الراحل هيثم الخوجة، السجين السياسي وصاحب مجموعة قصصية وحيدة متميزة بعنوان «القحط»، صدرت في بيروت سنة 1981 وهو في السجن. ظلّ الخوجة يتابع أحوال صديقه الحسين على الدوام، وكان هو الذي نقل آسفاً خبر وفاته إلى الآنسة (س) عند زيارتها له في سجنه، ثمّ ما لبث أن لحق به بعد سنوات قليلة إلى عالم غيابهما البهي، بزهر أبدِ الحضور.
رياض الصالح الحسين: «الأعمال الكاملة»
منشورات المتوسط، ميلانو 2016
308 صفحة.

بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس
الْأعمال الكاملة للشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين:
المثنى الشيخ عطية
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left