«شادية» … من (حارة المعجزات) إلى (السيدة نفيسة)

محمد عبد الرحيم

Dec 02, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: كريمة، حميدة، نور، زهرة، وفؤادة .. اسماء ستظل في ذاكرة المصريين والعرب، شخصيات لنساء مختلفات، ومتباينات تماماً حياة وروحاً، وأن تستطيع ممثلة أن تقدم مثل هذه الشخصيات وأن تتماهى معها بالحالة نفسها والقدرة على تجسيدها سينمائياً، فهو أمراً غير معتاد على ممثلات المصادفات، أو الأداء الواحد رغم تباين الشخصيات. كل هؤلاء يجتمعن في امرأة مصرية الملامح والروح اسمها «شادية». ورغم تذكّر شادية من حين لآخر عند عرض أحد أفلامها ــ الهام والمؤثر منها ــ أو أغنية وطنية في المناسبات المحسوبة، كل يتغنى بها حسب هواه ومعتقده، فـ «يا حبيبتي يا مصر» كانت من الآغنيات التي كانت تُتلى وتُرتل ليل نهار وقت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، دونما أي اغتراب من أجيال جديدة مع كلمات وصوت مغنيتها. ورغم اختفاء شادية لعقود، ونسيانها أحياناً من قِبل البعض، وتذكّرها في أحيان أُخر، خاصة عند الحديث عن حالتها الصحية وإشاعات رحيلها التي تكررت على مدار العديد من السنوات، لكن في النهاية يطمئن الجميع بأنها على قيد الحياة، وأنها مجرد إشاعات سخيفة، حتى لحظة رحيلها بالفعل، لنكتشف أثر ووقع ذلك على الكثيرين من المصريين، وكأنهم فقدوا عزيزاً ينتمون إليه وينتمي إليهم، ليس مجرد رحيل فنانة يتبارى الإعلام في سرد وحكي محاسن موتانا ــ نحن شعب طيب ــ ولكن الحزن كان على مستوى الناس العادية، في الشارع والبيوت، المقاهي ووسائل المواصلات، الجميع يتأسى ويدعو لها بالرحمة، وهو أمر ليس بالمعتاد. ودون أية مُماحكات هل لنا عقد مقارنة بين أثر رحيل كل من (سعاد حسني) أو (فاتن حمامة) و(شادية) على وجدان الشعب المصري؟ يبدو أن الأمر في صالح شادية، المرأة التي لم يشعر الناس معها باغتراب، فقد أدّت أدواراً تتمثله في العديد من لحظاته الحياتية ــ اجتماعياً وسياسياً ــ قد يرفض بعضها أحياناً لكنه يصدقها ويتيقن وجودها بينه وبين نفسه، كما غنّت أغنيات لامست وجدانه، فتغنى بها وعاش من خلالها، وبابتعادها عن النزق أو التعالي شعر الناس بأنهم فقدوا فرداً من أسرتهم، فخيّم الحزن على أغلبية المصريين يوم رحيلها، رغم أنهم يعيشون الحزن والكآبة عدة سنوات.

حميدة ورفيقاتها

سنحاول بما يتناسب مع مقال استعراض بعض الشخصيات الهامة التي أجادت شادية تجسيدها على شاشة السينما، خاصة شخصيات (نجيب محفوظ)، وهي شخصيات لا سبيل مُمَهد إلى تجسيدها، وكيف يمكن ملاحظة التباين في سلوك وأهداف كل من .. (حميدة) في زقاق المدق، أو (كريمة) في الطريق، وأخيراً (نور) في اللص والكلاب، وإن كانت شخصية سعيد مهران هي المسيطرة، لكن تطلع حميدة إلى مستقبل مغاير، الفتاة التي لا تثق إلا في جسدها، وتريد بأي ثمن مغادرة الزقاق ــ حارة المعجزات كما وردت في ترجمة الرواية إلى الإنجليزية ــ حميدة التي تركت الفتى التي يحبها واختارت حياة الليل، لتصبح في النهاة إحدى فتياته الشهيرات. من ناحية أخرى تأتي كريمة، وهي اختبار الرغبة بالنسبة إلى صابر، دائماً هناك المقارنة ما بين الرغبة والحب، ما بين كريمة وإلهام، هنا تصبح كريمة هي سبيل الجريمة التي سيدفع صابر حياته ثمناً لها، ولولا خريطة الإغواء/جسدها، لما استكمل صابر طريقه المحتوم، وهو الباحث عن ظِل أبيه في الأرض، ولا يخفى الرمز الذي كان يبحث عنه بطل محفوظ. أما نور فهي نموذج آخر لفتيات الليل، لكنها تحب، وفي سبيل ذلك تضحي بكل شيء، لم تكن نور صورة نمطية من صور فتيات الليل، لكنها في الأول والأخير امرأة تعشق، وتعرف جيداً كيف تدافع عن حبها المستحيل ــ إصرار سعيد على الانتقام ــ فكريمة التي تدفع صابر لارتكاب الجريمة الأولى في تاريخ البشرية/القتل، تنفيها نور في حالة سعيد مهران، وإن كانت شخصية كريمة هي شخصية رمزية بالدرجة الأولى، فشخصية نور تبدو أقرب للانتقاد الاجتماعي، ولفترة سياسية تعرفها مصر جيداً.

زهرة وفؤادة

وعلى النغمة نفسها ــ انقلاب يوليو 1952 ــ جسدت شادية أهم شخصيتين في السينما، وإن كانت بعض من المباشرة في فيلم «شيء من الخوف» ــ القصة لثروت أباظة، والسيناريو لصبري عزت وعبد الرحمن الأبنودي، وإخراج حسين كمال ــ رغم أن هذا لا ينفي وعي صانعيه، وجماليات العمل السينمائي، لتأتي الصرخة التي لم تزل تتردد حتى الآن بأن «جواز عتريس من فؤادة باطل» والرمز كان واضحاً تماماً وقتها، ويتم استخدامه الآن في كل علاقة غير شرعية/دستورية بين الحاكم والمحكوم، فالأمر أشبه باغتصاب للسلطة. وتأتي شخصية الفتاة القوية، الآتية من القرية، لعالم مدينة كانت تتنفس جواً ومناخاً كوزموبوليتانيا، وأصبحت تتجسد في بنسيون يضم عدة شخصيات متباينة، تمثل فئات الشعب المصري وقتها، زهرة التي لا تحب من النزلاء سوى سرحان البحيري، موظف القطاع العام، والمسؤول والمشغول دوماً بلجانه النقابية، والذي آمن بالثورة مع الثورة، لا قبلها ولا بعدها، هذا الانتهازي استهواه قلب زهرة، لكنها في النهاية عند اكتشاف خيانته، لا تجد السبيل سوى في مواصلة التعليم، والتعلم مما حاق بها من ثلة الأفاقين، لنجد ملامح وأداء زهرة التي تتغير وتتطور كأداء متباين ما بين وصولها إلى المكان ــ بنسيون ميرامار ــ وتطور وعيها، وآثار التجربة على هذا الوعي والسلوك بالتبعية. وبالنظر إلى هذه الشخصيات على تنوعها، نجد شادية المختلفة تماماً في كل دور تقوم بتأديته ــ هناك بعض الهنّات بالطبع صاحبت أداء بعض من هذه الشخصيات، كالمبالغة في تنغيم الكلمات في دور نور على سبيل المثال ــ هذه بعض من ملامح الفنانة الراحلة، والتي أدّت أشكالاً متنوعة من الدراما السينمائية، كالكوميديا الاجتماعية كما في أفلام .. مراتي مدير عام، أو الاستعراض الغنائي كما في فيلم أضواء المدينة، ونجت شادية من مأزق الأفلام الدينية والتاريخية، والتي يتم تنفيذها في مصر بشكل للكاريكاتير أقرب. من ناحية أخرى نجدها عملت مع أهم مخرجي السينما المصرية، كصلاح أبو سيف، يوسف شاهين، كمال الشيخ، وحسين كمال، ذلك على سبيل المثال لا الحصر. رحلت شادية يوم 28 نوفمبر، وصلى عليها المصريون بمسجد السيدة نفيسة، وهو المكان الذي له كبير الأثر في نفوسهم.

بيبلوغرافيا

فاطمة أحمد كمال «شادية» ( 8فبراير 1931 ــ 28 نوفمبر 2017) بدأت مسيرتها الفنية عام 1947 حتى عام 1984، قدمت من خلالها عدد كبير من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والأعمال الإذاعية .. حوالي 112 فيلم و10 مسلسلات إذاعية ومسرحية واحدة هي (ريا وسكينة). أول أفلامها كان (العقل في أجازة) من إخراج حلمي رفلة عام 1947، وآخرها كان (لا تسألني مَن أنا) إخراج حسين كمال عام 1984.
من أفلامها الهامة ..  ليلة العيد 1949، معلش يا زهر 1950، الستات مايعرفوش يكدبوا 1954، لحن الوفاء 1955، شباب امرأة 1956، دليلة 1956، أنت حبيبي 1957، المرأة المجهولة 1959، لوعة الحب 1960، التلميذة 1961، الزوجة الـ 13 عام 1962، اللص والكلاب 1962، زقاق المدق 1963، الطريق 1964، أغلى من حياتي 1965، مراتي مدير عام 1966، كرامة زوجتي 1967، معبودة الجماهير 1967، عفريت مراتي 1968، شيء من الخوف 1969، ميرامار 1969، نحن لا نزرع الشوك 1970، أضواء المدينة 1972، الشك يا حبيبي 1979، لا تسألني من أنا 1984. كذلك عدة مسلسلات إذاعية منها .. صابرين، سنة أولى حب، نحن لا نزرع الشوك، والشك يا حبيبي. إضافة إلى أغنياتها العاطفية وأغنيات الأفلام، كانت أغنياتها الوطنية الشهيرة .. مصر اليوم في عيد، ادخلوها آمنين، ويا حبيبتي يا مصر.

«شادية» … من (حارة المعجزات) إلى (السيدة نفيسة)

محمد عبد الرحيم

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left