مواطنو غزة بين المتفائل والمتشائم من تحقيق المصالحة

يأملون في حرية السفر والوظائف وإنهاء الفقر

أشرف الهور

Dec 02, 2017

غزة ـ «القدس العربي»: لا يخفي سكان قطاع غزة المحاصرون، وإن اختلفوا بين «التفاؤل والتشاؤم» حيال إمكانية تحقيق المصالحة الداخلية، وطي صفحة الانقسام إلى غير رجعة، بالاتفاق على الملفات الخلافية بين فتح وحماس، آمالهم في الوصول إلى ذلك اليوم الذي يتمكنون فيه من السفر بشكل حر، مثل سكان الضفة الغربية والمنطقة بشكل عام، والحصول على وظائف جديدة، تضع حدا لحالة الفقر المتزايدة، وتقلل نسب البطالة المرتفعة.
وتتأثر آمال السكان الغزيين، من ناحية «التفاؤل والتشاؤم» بتطورات ملف المصالحة على الأرض، فمثلا زادت حالة «التفاؤل» في الأيام بل الأسابيع الأولى لتوقع اتفاق تطبيق المصالحة الأخير بين فتح وحماس في القاهرة يوم 12 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والذي حمل بنودا من شأنها أن تخفف من حدة معاناة الناس في الفترة الأولى، تمهيدا إلى إنهائها، في حين تراجعت هذه الحالة، ووصلت عند الكثير من السكان حد «التشاؤم» بعد مغادرة فترة «شهر العسل» وعودة الطرفين إلى «التراشق» وتحميل مسؤولية الإخفاق في التنفيذ إلى الطرف الآخر.

تعافي الاقتصاد بحاجة للمصالحة

والمعروف أن قطاع غزة ما زال يعاني من نتائج الانقسام المرير، وما تلاه من حصار إسرائيلي مشدد، والذي منع بشكل كامل كل مقومات التنمية، وأدى إلى ارتفاع نسب البطالة إلى أكثر من 43 في المئة، غالبيتها في صفوف الخريجين الجامعيين، وبالتالي ارتفاع نسب الفقر إلى 65 في المئة، وجعل 80 في المئة من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الخارجية، ودمر الاقتصاد بشكل كبير، وألحق بالتجار خسائر مالية فادحة، دفعت الكثير من أصحاب المصانع إلى إغلاقها وتسريح عمالها، وأدى كذلك إلى انخفاض نسب المبيعات بشكل كبير، خاصة بعد فرض «الإجراءات الحاسمة» من قبل السلطة الفلسطينية قبل أشهر تجاه غزة، والمتمثلة في خصم جزء من رواتب الموظفين الحكوميين، وتقليص كمية الكهرباء الموردة للقطاع.
وكانت عملية تطبيق أولى خطوات المصالحة بتسلم حكومة التوافق المسؤولية عن إدارة وزارات غزة، خلقت حالة من الفرح ودفعت الجميع لانتظار المستقبل المشرق، خاصة بين جموع الخريجين العاطلين عن العمل، والتجار والطلبة الراغبين بالسفر والمرضى كذلك، بإمكانية حل مشاكلهم في وقت قريب. لكن ذلك الأمر تراجع قليلا وبدأ هؤلاء يخشون من تحطم أحلامهم مجددا، والعودة إلى فترة الانقسام السابق، وأكثر مما كان عليه الحال، بعد الخلافات التي برزت بين فتح وحماس.
غير أن ذلك الأمر لم يمنع السكان الذين لا حول لهم ولا قوة، من انتظار ذلك اليوم الذي يعلن فيه بشكل نهائي طي صفحة الانقسام إلى غير رجعة، لتجاوز حقبة المعاناة المريرة المستمرة منذ 11 عاما، خاصة وأن تجاوزها يعني إنهاء الحصار وفتح معبر رفح أمام المسافرين، ووقف «الإجراءات الحاسمة» ما يعني عودة دوران عجلة الاقتصاد، وتوفير الكثير من الوظائف سواء الحكومية أو الخاصة.
وبدا ذلك واضحا من الأمنيات التي عبر عنها سكان غزة، حيال تطبيق المصالحة ومغادرة حالة الانقسام التي فصلت بين شطري الوطن، حيث تركزت تلك الآمال التي عبر عنها السكان على اختلاف شرائحهم وأعمارهم، في فتح المعابر وإتاحة السفر بحرية، وتحسين الوضع الاقتصادي.
والمعروف أن إسرائيل مع بداية الحصار المفروض على غزة، أغلقت المعابر بشكل كامل، وسمحت بتدفق البضائع والسلع من معبر تجاري واحد، وبكميات مقلصة، بعد أن استثنت دخول مئات الأنواع من السلع خاصة المواد الخام، فيما أغلقت مصر معبر رفح، المخصص لسفر الأفراد، ولا تعيد فتحه إلا لأيام معدودة وعلى فترات متباعدة، واشترطت إعادة الفتح الكامل، بوجود السلطة الفلسطينية في غزة.

فرص عمل

ويقول سامح النجار، وهو يملك محلا بيع المواد الغذائية، أنه يتمنى أن تتم المصالحة، لينعم القطاع بتلك الوعود الكبيرة التي قطعها القادة الفلسطينيون، ولتنتهي حقبة مأساة رافقت السكان على مدار السنوات الماضية، والتي وصفها بـ «سنوات عجاف».
ورغم أن الرجل وهو في منتصف الخمسينات، بدا غير متفائل من إمكانية تحقيق المصالحة بين فتح وحماس في «المنظور القريب» مستندا بذلك إلى الخلافات الشديدة التي تصاعدت بينهما مؤخرا، إلا أنه قال ان أكثر ما يرجوه أن ينعم شباب غزة، بوظائف جديدة، بمن فيهم ثلاثة من أبنائه أنهوا مؤخرا تعليمهم الجامعي، ولم يحصلوا بعد على فرص عمل.
ويقول عيسى عياش، وهو يرد على آماله المعقودة على المصالحة، أنه شخص مل من متابعة الأخبار السياسية، بسبب تكرار حالات الفشل السابقة في الحوارات، وقال بلغة أهل غزة «مش متوقع يصير حاجة، وفش (لا) أمل بالمرة يصير أي تقدم».

فتح المعابر

وعبرت سهاد وهي طالبة في الثانوية العامة، عن أملها في زوال «الغيمة السوداء» وتقصد الانقسام السياسي بين فتح وحماس، وإنهاء الوضع المأساوي الذي يعيشه سكان غزة.
وعبرت عن أملها في أن يتم إنهاء الحصار المفروض على غزة فورا، بموجب المصالحة، وتتاح لها حرية السفر دون أي إعاقة لتحقيق حلمها في دراسة الطب في الخارج. وقالت انها متيقنة من أن الطرفين سيتوصلان في النهاية إلى حل للخلاف بينهما.
وقالت رفيقتها أيضا أنها تأمل خيرا من الحوارات والمباحثات الجارية حاليا، وبدت متفائلة كثيرا مما يحدث، من أجل إنهاء مأساة سنوات الحصار، وأضافت أن والدها وأشقاءها الذين يملكون متجرا تأثروا بسبب ضيق الوضع الاقتصادي في غزة.
وفي غزة هناك آلاف الطلبة الحاصلين على منح دراسية في الخارج، ومن المسجلين للدراسة في جامعات عربية وأجنبية، غير قادرين على المغادرة، بسبب الحصار الإسرائيلي، وعدم فتح معبر رفح الفاصل عن مصر، والذي يحتاج فتحه إلى اتمام كامل عملية المصالحة، التي بدأ تطبيقها رويدا بتسلم الحكومة مسؤولية المعابر من حماس.

إنهاء حالة الكساد

وتشهد أسواق غزة كسادا تجاريا كبيرا، لم يكن قائما حتى في سنوات الحصار الأولى، لعدم توفر سيولة مالية في أيدي السكان، خاصة بعد أن أقدمت الحكومة مؤخرا على خصم 30 في المئة من رواتب موظفي غزة، وأحالت للتقاعد آلاف الموظفين، ضمن «خطوات حاسمة» أقرتها للضغط على حركة حماس، ما ساهم في خفض رواتبهم كثيرا، ودفعهم وعوائلهم إلى التقتير، للتأقلم مع الوضع المالي الجديد.
وهنا انتقد أحد التجار الذين يستوردون بضائع من الخارج إلى قطاع غزة، سياسة «الإجراءات الحاسمة» التي طبقتها السلطة في غزة، وقال انه يأمل في ذلك اليوم الذي تنتهي فيه هذه الإجراءات التي كبدته كغيره من التجار خسائر مالية كبيرة، بسبب ضعف امكانية الشراء.
وقال غاضبا «التنظيمات الفلسطينية نسيت القدس والقضية الفلسطينية، ومصلحة الشعب الفلسطيني، واهتمت بتصعيد الخلافات فيما بينها».
وبدا الشاب خالد غزالي، محبطا مما يحصل، رغم وصول وفد أمني إلى غزة لدفع عجلة إنهاء الانقسام وتطبيق بنود المصالحة، مستندا بذلك إلى البيان الأخير الذي أصدرته الفصائل الأسبوع قبل الماضي، في أعقاب اجتماع موسع عقدته في القاهرة، وقال أن البيان «لا يلبي السقف الأدنى لمطالب الشعب» ووصفه بأنه «كان مخجلا» وأظهر أن الجميع لا يشعر بهموم الشعب.
ودعا إلى حلول واقعية يجري تنفيذها على الأرض، من خلال إنهاء إجراءات السلطة تجاه غزة، والتي وصفها كوصف غالبية الفصائل بـ»العقوبات» وإنهاء أزمة انقطاع التيار الكهربائي، وقال هذا الشاب العاطل عن العمل وهو خريج جامعي منذ خمس سنوات «الشعب مش متحمل أكثر من هيك».
ويقول نهاد نشوان، أنه كان يأمل برفع العقوبات عن غزة، لكنه قال ان المواطن لم يشعر بأي تحسن منذ بدء تطبيق المصالحة، وانتقد كذلك بيان المصالحة الأخير في القاهرة وقال أنه «عبارات انشائية».
وشاطرت الطالبة في أحد أقسام الصحافة سجى عليان تلك الآراء التي تؤكد عدم حدوث تقدم في ملف المصالحة، خاصة بعد اجتماع القاهرة الأخير للفصائل، وقالت إن كل التصريحات والبيانات التي تصدر من الفصائل والقياديين فيها «مماطلة ومتاجرة بهموم الشعب الفلسطيني» وأنها «تعبر عن مدى تواطؤهم في عدم انجاز ملف المصالحة وتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطيني».
وتؤكد أن سقف توقعات الطلاب والخريجين والمسافرين والمرضى من المصالحة ضئيل جدا، بسبب قلة حيلة الفصائل الفلسطينية في تحقيق ما يتمنى سكان غزة، مضيفة «ليس هناك ما يبعث فينا الأمل على البقاء في قطاع غزة وممارسة حياتنا بالشكل الطبيعي».

مبادرات شبابية

وأطلقت مجموعات ومجالس شبابية فلسطينية في قطاع غزة، مطلع الأسبوع الماضي، حملة وطنية جديدة لدعم جهود المصالحة الفلسطينية وانهاء الانقسام، من خلال اشراك الشباب بالقرار الفلسطيني.
وعقدت الحملة مؤتمرا صحافيا للإعلان عن انطلاقة أعمالها، وقال منسق الحملة علاء حمودة، إن الشباب الفلسطيني توافق على إطلاق وثيقة تحمل اسم «نداء الشباب للمصالحة» موجهة إلى المجتمع السياسي الفلسطيني بجميع شرائحه، وأكد أنهم سيقومون بخطوات عملية للضغط من أجل مصالحة وطنية تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني وتصون حقوقه وثوابته الوطنية.
وإثر ذلك أطلقت مجموعة من الشباب الفلسطيني والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حملة تحت عنوان «صالح» لدعم جهود المصالحة المجتمعية.
وتهدف الحملة الضغط على جميع الأطراف من أجل تطبيق كامل لبنود المصالحة، وطي صفحة الانقسام المرير، وأكد القائمون عليها أن دور الحملة بارزاً في دعم المصالحة بكافة جوانبها المجتمعية والحياتية والاقتصادية وحتى الانفراجات التي من شأنها التخفيف عن سكان قطاع غزة.

لقاء الأهل

وتقول الصحافية هدية الغول، أن كل فلسطيني في غزة لديه «قصة ومعاناة» جراء الانقسام، وتشير إلى أنها لم تتمكن من رؤية والدها الذي يسكن في الضفة الغربية منذ 11 عاما، لأنها لا تستطيع الحصول على تصريح للسفر إلى هناك.
وتوضح أن أبناءها لا يعرفون جدهم إلا عبر برنامج «سكايب» وتؤكد أن المصالحة باتت «مطلبا شعبيا وجماهيريا» وتمنت تحقيقها قريبا لتتمكن من السفر.
وتقول المواطنة دلال مكي، وهي لبنانية الأصل وموجودة في غزة، أنها عايشت الانقسام وحرمت من رؤية ذويها وأهلها في لبنان منذ ست سنوات، وتشير إلى أن والدتها توفيت هناك دون أن تراها، وتؤكد أنها تتطلع للمصالحة من أجل تسهيل حركة سفرها إلى الخارج.
ويتفق عدنان محيسن مع آراء المتطلعين للمصالحة من أجل تسهيل عمليات السفر ورفع الحصار، لكنه يقول أن 11 عاما من الانقسام والفرقة، تحتاج إلى وقت أطول لتجاوز مرارة هذه السنوات الأليمة، وعبر عن أمنيته أن تنهي حركتا فتح وحماس خلافاتهما، وأن تطوى صفحة الانقسام إلى غير رجعة.
يشار إلى أن سكان غزة تتأثر أحلامهم وأمانيهم كثيرا بحجم الخلافات القائمة بين فتح وحماس، فترى الغالبية يتحدثون عن إمكانية قرب المصالحة، حال سادت «أجواء إيجابية» بين الطرفين، في حين يتوتر المواطنون كثيرا، ويعبرون عن خشيتهم من زوال تلك الآمال، حال تصاعدت الخلافات، وعاد طرفا الخلاف لمربع «التراشق» الذي أفسد سابقا العديد من التفاهمات والاتفاقيات.
وفي خطوة هدفها الحفاظ على منجزات المصالحة التي تحققت مؤخرا، أصدر الرئيس محمود عباس، قرارا بوقف جميع التصريحات التي تتناول المصالحة والمتسببين في عرقلتها فورا، وذلك من أجل المصلحة الوطنية الفلسطينية، وعلاقاتنا مع الأشقاء المصريين، مع التقيد الفوري بالقرار وللضرورة القصوى.
وجاء القرار بعدما تفاقمت خلافات فتح وحــمــاس حـــول عملية تمكين الحكومة من العمل في غزة، وكادت ان تؤدي إلى انهيار المصالحة، والقضاء على أحلام المواطنين.

مواطنو غزة بين المتفائل والمتشائم من تحقيق المصالحة
يأملون في حرية السفر والوظائف وإنهاء الفقر
أشرف الهور
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left