ليبيا تدعو القوى الدولية لمساعدتها في وقف تدفق اللاجئين عبر حدودها الجنوبية

ترى انها ضحية الهجرة غير النظامية وليست مصدرا لها

رشيد خشانة

Dec 02, 2017

 التقرير الذي بثته قناة «سي أن أن» أخيرا، كاشفة النقاب عن وجود سوق نخاسة في ليبيا، أعاد إلى مائدة البحث والجدل أوضاع ذوي البشرة السمراء في البلدان العربية. وعادة ما تُنعتُ هذه المنطقة بكونها حمَالة خطاب عنصري ومُبررة للاستعباد، الذي تُعبر عنه كلمات الشاعر أبي الطيب المتنبي في معرض هجائه لكافور الإخشيدي:

 لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ

غير أن الذين يقفون هذا الموقف ينسون أو يتناسون أن أحد البلدان الرائدة في العالم في حظر سوق النخاسة وإلغاء الرق هو البلد العربي والإسلامي الصغير تونس، الذي فك أغلال العبيد وحظر الاسترقاق منذ سنة 1846. ومن المفارقات أن بعض الدول الغربية التي استهجنت استمرار الرق في ليبيا اليوم، لم تكن قد حررت عبيدها في 1846.
خارجون على الدولة

لا يعني هذا تبرير عودة الاسترقاق في القرن الحادي والعشرين، لكن علينا أن نضع الظاهرة في سياقها، وهو سياق فريد لكون ليبيا هي البلد الوحيد حاليا الذي تفككت فيه مؤسسات الدولة، وحلت محلها قوى خارجة عن كل قانون ومنفلتة من أي ضوابط أخلاقية أو دينية أو أيديولوجية. إنها ببساطة عصابات مجرمين يدَعون بالثورة صلة، وهم يُتاجرون باسمها. وطالما أن الافارقة يتدفقون على ليبيا من مناطق غرب افريقيا (دول الساحل) وشرقها (الصومال وأرتريا أساسا) لأنها معبر نحو سواحل أوروبا الجنوبية، فإن شبكات الإجرام «تستقبلهم» في الجنوب الليبي، وتبذل كل الجهود لابتزازهم قبل الزج بهم في معازل ومراكز احتجاز تنتفي منها أبسط شروط الحياة الكريمة. وصدرت في السنتين الأخيرتين سلسلة من التقارير عن منظمات دولية، رفعت الستار عن حقيقة الممارسات المُهينة والمنافية للمعاهدات والمواثيق الدولية التي تسلطها الميليشيات المُسيطرة على مراكز تجميع المهاجرين الافارقة في ليبيا. من هنا يُفهمُ حرج الحكومة الليبية المُعترف بها دوليا (مقرُها في طرابلس) من التقرير الذي بثتهُ قناة «سي إن إن»، ومحاولتها تدارك الأمر بتشكيل لجنة تحقيق، مع توعُد وزير الداخلية في هذه الحكومة عارف خوجة، المسؤولين عن تلك الأعمال بـ«اقتيادهم إلى ساحة القضاء لنيل جزائهم» على ما قال. وبناء على ذلك، حضت السلطات الليبية الجهات المحلية والدولية على التعاون مع مكتب الادعاء العام لإخطاره بأي معلومات «قد تساهم في كشف الحقيقة». ويُصرُ الليبيون على أنهم ضحية الهجرة غير النظامية وليسوا مصدرا لها، وعلى هذا الأساس دعوا القوى الدولية للمساعدة في وقف تدفق اللاجئين عبر حدودهم الجنوبية، من البلدان الافريقية الطاردة لهم.

مقايضة ايطالية

لعب الايطاليون دورا كبيرا لكنه خفيٌ، في انتشار الممارسات المُهينة للافارقة على الأراضي الليبية، إذ عقدوا صفقات مع أمراء شبكات التهريب، الذين تعهدوا بمراقبة السواحل الليبية، لإحباط عمليات الهجرة غير النظامية، في مقابل الحصول على مكافآت مالية مُجزية. وانكشفت خيوط هذه المقايضة، مع مطاردة أشهر تاجر بشر في مناطق غرب ليبيا، ويُدعى أحمد دباشي، وكنيتهُ «العمُو، وإخراجه مع أنصاره من مدينة صبراتة، التي تشكل سواحلها إحدى نقاط العبور الرئيسية نحو الجزر الايطالية. غير أن القوة التي اعتمدت عليها حكومة الوفاق للمحافظة على الأمن في صبراتة، في أعقاب طرد دباشي والعناصر الموالية له، هي ميليشيا أخرى، ما يجعل شبح عودة هؤلاء إلى تلك المعاملات المُهينة للافارقة قائما. ولن يزول إلا مع دولة مركزية قوية، لديها من وسائل الردع وأدوات العقاب ما يُضعف من قبضة الميليشيات على المجتمع.
غير بعيد عن مدينة مصراتة تنتشر مدن الجنوب التونسي التي أبصرت تحريرا تدريجيا للعبيد السابقين الآتين من افريقيا جنوب الصحراء، وهو مسار استغرق وقتا طويلا، فبين سن القانون في 1846 وتطبيقه في الواقع مسافة زمنية لا مفرَ منها. سن ملك تونس المشير أحمد باشا باي في 1846 مرسوما ألغى بموجبه الرق، أي قبل سنتين من صدور الإعلان العالمي لإلغاء الرق الصادر في بريطانيا سنة 1848. ويعزو المؤرخون مبادرة المشير إلى اتخاذ هذا القرار بميله إلى التحديث، والذي ظهر من خلال زيارته لفرنسا، وإعجابه بالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي شاهده هناك، وكذلك من خلال الإصلاحات التي أدخلها على المجتمع والتعليم، ومنها إنشاء المدرسة الحربية، أسوة بمدرسة الهندسة «البوليتكنيك» الفرنسية، والتي تخرج فيها قادة الإصلاح في تونس، وكانت تُدرِس العلوم الحديثة واللغات.

الإلغاء التدريجي

ويقول المؤرخ خليفة شاطر إن أحمد باي سلك طريقا تدريجية في إلغاء أسواق النخاسة، وتجاوب مع مطالب بريطانيا التي تزعمت حملة منع الرق، وسعت لمنع نقل العبيد عبر القوافل التي كانت تسلك الطريق الصحراوية إلى السواحل المتوسطية، فكانت الإجراءات الأولى التي اتخذها الملك التونسي منذ سنتي 1841 و1842 هي وقف «تصدير» العبيد من تونس، ثم هدم المكان الذي كان يُتخذ سوقا للنخاسة. وقام برفع الضرائب على قوافل الرقيق، ثم حظر أسواق بيع العبيد في كامل مناطق البلد. وانتقل بعد ذلك إلى منع استيراد العبيد، ثم قرر اعتبار كل عبد يضع أقدامه في تونس حُراً طليقا. وأتت الخطوة الأخرى بعد خمسة أشهر فقط، وكانت مُكملة للإجراءات السابقة، وتمثلت في اعتبار ذرية العبيد الذين يولدون بعد تاريخ صدور المرسوم أحرارا، تجاوبا مع قولة الخليفة عمر بن الخطاب «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟».
وأضاف الدكتور شاطر أن أحمد باي تريث بعد ذلك لمدة سنتين، ربما لتفادي إثارة غضب الأرستقراطيين، الذين كانوا يملكون عددا كبيرا من العبيد والخدم. إلا أنه ظل حازما في إنفاذ مشروعه بوضع حد للاسترقاق، وأصدر بالفعل في 26 يناير (كانون الثاني) 1846 مرسوما قضى بحظر الاسترقاق نهائيا. وأسبغ المشير أحمد باي على مشروعه للقضاء على الاستعباد لباسا شرعيا، إذ طلب من سكرتيره أحمد بن أبي الضياف (وهو أحد قادة الاصلاح) أن يصوغ فتوى تُبررُ عتق العبيد شرعا. واعتمد ابن أبي الضياف على الروح التحررية للإسلام وخاصة ما سماه «التشوُف للحرية». إلا أنه شدد على أن قلة من المسلمين يخضعون لمبادئ الإسلام السامية في تعاملهم مع العبيد، وهو ما يُبررُ، حسب ابن أبي الضياف، اللجوء لمراسيم مدنية للقضاء تدريجا على الاسترقاق.

سياق دولي

ونُلاحظ أن السياق الدولي لم يكن غائبا عن الحيثيات التي لجأ إليها ابن أبي الضياف، إذ أقرَ أن «المصلحة السياسية» اقتضت أيضا اتخاذ تلك الخطوة الاصلاحية الكبيرة، في إشارة إلى ضغوط مارستها البعثات الدبلوماسية الأجنبية على الباي، مثلما كانت تمارسها البعثات الغربية المعتمدة لدى الباب العالي على السلطان العثماني في اسطنبول. مع ذلك اعتبر مؤرخون كُثرٌ من العرب والغربيين، أن الخطوة التونسية شكلت سابقة في العالم الإسلامي، وأعطت دفعة لمسار شمل جميع البلدان العربية الواحد بعد الآخر، وكانت آخرها السعودية في ستينات القرن الماضي. إلا أن العبودية ما زالت موجودة في موريتانيا إلى اليوم، على الرغم من بعض الإجراءات المتخذة تدريجيا للحد منها.
واستطاع دونان أن يؤلف كتابا بالفرنسية انطلاقا من مشاهداته في تونس عنوانه Notice sur la régence de Tunis (وصفُ مملكة تونس) الصادر في جنيف في 1857. ولم يتردد صادق باي، ملك تونس آنذاك، في منح دونان «وسام الافتخار» مكافأة له على تأليف الكتاب، الذي صدرت منه لاحقا عدة طبعات في جنيف وتونس. ويُعتبر الكتاب إحدى الوثائق التاريخية عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية في تونس في القرن التاسع عشر، بما فيها صورة المجتمع الذي بدأ يتخلص من أسواق النخاسة وتجارة البشر.
الطريف في السابقة التونسية أنها شدت اهتمام مثقف أوروبي معروف، هو مؤسس الصليب الأحمر الدولي هنري دونان، الذي حلَ في تونس آتيا من الجزائر، وأقام فيها ستة أشهر بين 1856 و1857. وأعجب السويسري دونان، الذي سيُصبح أول من يحصل على جائزة نوبل للسلام في 1901، بانفتاح تونس، التي كانت تتعايش في مدنها الساحلية أقليات عرقية ودينية آتية من الحوض المتوسطي، مثل الطليان والمالطيين والأندلسيين، مسلمين ويهودا، المطرودين من اسبانيا. إلا أن ما أثار إعجابه بتونس أكثر من سواه، هو مرسوم إلغاء الرق، إذ أشاد بأحمد باي، واصفا إياه بمُحرِر العبيد لأنه سبق أمريكا وفرنسا إلى إلغاء الرق. لا بل إن دونان كتب إلى الرئيس أبراهام لينكولن يحُثه على إلغاء الرق وتحرير العبيد، أسوة بتونس.

من الجاهلية إلى الحضارة

ويُعتبر موقف دونان من الإسلام مُتميزا ومُتقدما قياسا على المواقف الدونية المنتشرة في الغرب اليوم، فنظرته بعيدة عن العداء والازدراء، إذ هو يرى فيه مستوى من الروحانية أعلى مما في المسيحية. ويقول إن العودة إلى الأوضاع التي كانت سائدة في الجاهلية تُبيِنُ أن الإسلام جاء مُخلصا من تلك المصائب، وهو دين يعترف بالرسل وبالدين المسيحي. كما اعتبر أن وضع العبيد في بلاد الإسلام، وخاصة تونس وتركيا والمغرب، قبل إلغاء الرق كان أفضل بكثير من وضعهم المُهين في أمريكا، وعزا الاختلاف في المعاملة إلى سماحة الإسلام، واستدل بأقوال بعض العلماء في وجوب حسن معاملة العبيد. وقد استحسن تأييد علماء المالكية والحنفية في تونس، ومن بينهم الشيخ ابراهيم الرياحي، لقرار عتق العبيد. 
ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى تأثير فيلسوف الأنوار جان جاك روسو المقيم في جنيف وجان جاك ميسلون الذي أسس أول جمعية تدعو للسلام وإلغاء الرق، على تفكير هنري دونان، وكذلك تأثير عمه ديفيد دونان، وهو صاحب مكتبة، وكــــان يؤكـــد على مسؤولية المؤمن إزاء مجتمعه، مما يجعل الرفق بالإنسان، بمن في ذلك العبيد، واجبا أخلاقيا ودينيا.

ليبيا تدعو القوى الدولية لمساعدتها في وقف تدفق اللاجئين عبر حدودها الجنوبية
ترى انها ضحية الهجرة غير النظامية وليست مصدرا لها
رشيد خشانة
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left