مخاوف أمريكية من تحويل مؤتمر جنيف إلى لعبة لانتقال سياسي وهمي في سوريا

رائد صالحة

Dec 02, 2017

واشنطن ـ «القدس العربي»: تمكنت روسيا من تعطيل الجهود الأمريكية لتغيير النظام السوري وهي تستعرض أحدث أسلحتها، وأعادت تشكيل نفسها كلاعب في الشرق الأوسط مع استمرار هزائم تنظيم «الدولة الإسلامية» في حين تراجع موقع الولايات المتحدة إلى مقاعد المتفرجين. ونتيجة لدعم واشنطن للقوات الديمقراطية السورية التي يسيطر عليها الأكراد، تعرض البيت الأبيض لهزيمة غير متوقعة من الكرملين تمثلت في توسيع الخلافات بين تركيا، العضو في مجلس حلف الأطلسي والولايات المتحدة. وفي غضون أقل من عامين، ذهبت روسيا من مرحلة علاج تداعيات إسقاط طائرة من قبل تركيا إلى بيعها في نهاية المطاف نظاما للدفاع الجوي.
ونجحت موسكو، من خلال القصف المستمر للمدنيين في سوريا وخلق موجات جديدة من اللاجئين إلى أوروبا في تأجيج رد فعل وطني أوروبي ضد المهاجرين، وهو هدف استراتيجي واضح لبوتين، وقد منحه هذا النجاح الفرصة لإعلان تحقيق أهداف الحملة العسكرية والسياسية في سوريا قبل بدء الحملة الرئاسية الروسية عام 2018.
ومن المتوقع ان تنسحب معظم القوات النظامية الروسية من سوريا ولكنها ستترك وراءها قوة لمكافحة التمرد وطائرات في مطار حميميم ووجود بحري في ميناء طرطوس، ومن المرجح ان تنتقل معظم القوات الروسية إلى مقاولين من القطاع الخاص من مجموعة واغنر، وهي شركة شبه عسكرية يمولها أحد شركاء بوتين منذ فترة طويلة، وهذا يعني انه سيتعين على دول مثل تركيا والأردن والسعودية والعراق إضافة إلى الكيان الصهيوني ان تلجأ إلى موسكو للتأثير على الأحداث في سوريا أو القيام بمحاولات للحد من قوة إيران المتزايدة.
وتتعامل روسيا مع إيران كمحور لاستراتيجيتها في المنطقة، حيث يتم التنسيق والتدخل العسكري مع طهران على أعلى المستويات اضافة إلى التنسيق على المستوى التكتيكي والتنفيذي كما حدث عندما عملت موسكو بشكل وثيق مع قوة القدس الإيرانية في عملية استعادة حلب. ووفقا لاستنتاجات معروفة للخبراء، فقوة إيران المتزايدة تمنح موسكو قوة مع دول أخرى في المنطقة لانها الوحيدة التي تملك موقعا على الأرض، كما تريد موسكو الحصول على الموارد الطبيعية في سوريا مما يفسر حرصها على تحقيق نفوذ في المنطقة الغنية بالنفط في جنوب سوريا، حول دير الزور والقدرة على العمل كحارس بوابة جيوسياسية على طول الممر الشيعي من إيران إلى لبنان لأن هذا يعزز مكانتها.
الخطوة الرئيسية التالية لروسيا، وفقا للمحلل مايكل كاربنتر من مركز بايدن للدبلوماسية في جامعة بنسلفانيا، هي السيطرة على اتجاه المفاوضات بشأن مستقبل سوريا السياسي، وروسيا واضحة في انها لن تدعو الأسد إلى الاستقالة، ولكن الكرملين يتظاهر بإجراء مفاوضات حول الانتقال السياسي كوسيلة للتعاون مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد سعت القمة الأخيرة بين بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي إلى وضع إطار مشترك لمستقبل سوريا السياسي يمكن مناقشته مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
وبالنسبة إلى العديد من محللي السياسات الخارجية في الولايات المتحدة فان الرؤية السابقة لتطور الأحداث هي أفضل وسيلة لفهم وادراك التحركات السياسية أو الإطارات الدولية لتحقيق التعايش والسلام وحل القضايا الشائكة مثل مفاوضات جنيف، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشجع هذه المفاوضات في محاولة لوضع ترامب ضمن دائرة نجاحاته الدبلوماسية وحتى يتمكن من تغيير السرد في الولايات المتحدة حيث ينظر إلى روسيا على انها قوة غزت اوكرانيا ودمرت حلب وتدخلت في الانتخابات اضافة إلى تغيير رؤية العالم لروسيا إلى طرف مهم صانع للسلام في الشرق الأوسط وحليف للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب.
المحللون الأمريكيون ينظرون إلى روسيا كشريك (فظيع) لمكافحة الإرهاب في سوريا أو في أي مكان آخر، وهم يلفتون النظر دائما إلى حقيقة ان المصالح الأمريكية تتعارض تماما مع المصالح الروسية وان على الإدارة الأمريكية ان تقوم بإجراءات جادة لمقاومة محاولة بوتين لإعادة صياغة دور موسكو، وهذا لا يعنى بالنسبة إلى المحللين، بمن فيهم كاربنتر، ان الولايات المتحدة يجب ان تتوقف عن الحديث مع المبعوثين الروس حول سوريا، ولكنه يعني ان المسؤولين الأمريكيين يجب عليهم مقاومة لعبة موسكو في البحث عن انتقال سياسي وهمي، ووفقا لما أكده أكثر من محلل أمريكي، فان موسكو ماهرة تماما في ركل «العلبة» إلى أسفل الطريق حتى لا يكون هناك آمال في تغيير نظام الأسد.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وشك الوقوع في خطأ فادح، وفقا لقراءات مراكز الأبحاث الأمريكية، فقد كانت سوريا على رأس جدول الأعمال في حديث ترامب الأخير مع بوتين بعد يوم واحد من لقاء الرئيس الروسي مع الأسد في مدينة سوتشي، والبيت الأبيض أصدر بيانا أكد فيه على استقرار سوريا موحدة وسط محاولات واضحة من بوتين لاقناع ترامب واجبار المعارضة السورية على قبول الأسد في السلطة، وهذه نتيجة تضر بالولايات المتحدة.
واحتفل بوتين والأسد معا بنجاح المهمة التي تم انجازها، وبالنسبة للكرملين فقد حان الوقت لتثبيت الوضع في محادثات السلام، وقد التفت رموز المعارضة السورية لهذا التحول بسرعة، إذ استقال رئيس الهيئة التفاوضية الرئيسية للمعارضة إلى جانب تسعة من أعضاء اللجنة في حركة احتجاجية على «انتهاك إرادة السوريين» ووقوف روسيا وراء تمزيق المعارضة لصالح الأسد وخلق مطالب جديدة من شأنها تحويل محادثات جنيف إلى استعراض ضاحك، إذ يمكن لمطلب موسكو لإجبار المعارضة على قبول «منصة موسكو» وهي هيئة سياسية ذات توجهات واضحة مؤيدة للأسد ولروسيا في وفدها التفاوضي المقبل، ان يمزق تماما نسيج المعارضة الحقيقية.
وبصرف النظر عن العار الأخلاقي لإضفاء الشرعية على ديكتاتور وصفه الرئيس الأمريكي ذات يوم بالحيوان، وفقا لما قاله العديد من محللي المجلس السوري في واشنطن، فإن قرارات إدارة ترامب المقبلة بشأن سوريا، بما في ذلك تلك التي ستظهر في مؤتمر جنيف، قد تعرض المصالح الأمريكية إلى الخطر.
في نهاية المطاف، قال المحللون الأمريكيون ان بيان البيت الأبيض حول استقرار سوريا الموحدة يعني ان ترامب قد قبل بحكم الأسد، ولكن الكونغرس يجب ان يتحرك بسرعة ضد البادرة الدبلوماسية المزورة لروسيا وضمان ان لا تسمح محادثات جنيف المقبلة بتراجع المعارضة السورية الحقيقية والمطالبة بتنفيذ بيان جنيف الثاني الذي أقرته الولايات المتحدة الداعي إلى مغادرة الأسد.

مخاوف أمريكية من تحويل مؤتمر جنيف إلى لعبة لانتقال سياسي وهمي في سوريا

رائد صالحة

- -

3 تعليقات

  1. كما جرى بعد إتفاقية أوسلو قبل ربع قرن مع الفلسطينيين سيجري الحال كذلك مع السوريين
    الفرق هو بإستبدال الصهاينة بالروس والصفويين!!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ان سياسة ترامب الجاهل بالسياسة الخارجية ستضعف الدور الامريكي في العالم لصالح صعود الدور الروسي البوتيني وهذا سيصعد من الصراع في الشرق الاوسط بعدم توافق الرؤية الاسرائيلية معها و سيولد الكثير من النزاعات مستقبلا

  3. هل بالإمكان استبدال كلمة “صفويين” ب “الايرانيين”، و هذا هو الصحيح.
    .
    هكذا لا نوجه ضربة للامة الاسلامية تفرق اكثر … مما هي عليه …

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left