شاة دي ميستورا التي تُسلخ

صبحي حديدي

Dec 02, 2017

الناظر إلى وثيقة المبادئ الإثني عشر، التي عرضها الموفد الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا على وفدي المعارضة والنظام، في الجولة الثامنة من مباحثات جنيف؛ يخال للوهلة الأولى أنها تخصّ بلداً آمناً مطمئناً مستقراً، وسيداً حرّاً مستقلاً؛ يحتاج، مع ذلك كله، إلى حفنة إصلاحات، وتأكيدات على ثوابت كبرى، تحفظ الحاضر والمستقبل…
لكنّ الناظر إياه، إذا استذكر أنّ مبادئ دي ميستورا تتعلق ببلد فعلي اسمه سوريا، سوف يرى ما هو أبعد من ذرّ الرماد في العيون؛ إذْ ستكون مسميات مثل التضليل والسفسطة، أو حتى الهرطقة عن سابق قصد وتصميم، هي الجديرة بتوصيف تلك المذكرة. ليس ثمة مفردة واحدة حول الحاضر السوري (مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين، دمار شامل لم يُبق حجراً على حجر في ثلاثة أرباع البلد، وملايين من النازحين والمهجرين داخل سوريا وخارجها، واحتلالات شتى لحكومات وقوى وتنظيمات وميليشيات…)؛ أو الماضي (الذي صنع مأساة الحاضر، جراء نظام استبداد وفساد عائلي وراثي تأنف منه المافيا، يحكم سوريا بالحديد والنار والسلاح الكيميائي والتجييش الطائفي والتمييز والنهب… منذ 47 سنة)؛ أو المستقبل (ما إذا كانت تلك العائلة ستنزاح حقاً عن صدور السوريين، أم أنّ إعادة إنتاجها أو تدويرها شرط مسبق أعلى، إذا وضع المرء جانباً انتفاء مبدأ المحاسبة والعدالة الانتقالية…).
وما دامت المبادئ الـ12 تصف بلداً استيهامياً، أقرب إلى سوريا مشتهاة منها إلى سوريا إراقة الدماء والخراب والاحتلالات، وبالتالي فإنّ ما يُشتهى للبلد هو نقيض ما مارسه آل الأسد منذ سنة 1970؛ فقد كان من الطبيعي أن يصدر أوّل هجوم ضدّ مذكرة دي ميستورا عن رئيس وفد النظام، بشار الجعفري. «لقد تجاوز صلاحياته كوسيط بين الأطراف»، حين قدّم ورقة المبادئ دون التشاور المسبق مع وفد النظام، قال الجعفري؛ بعد أن هدد بمقاطعة الجولة المقبلة، التي ستنعقد خلال أسبوع.
أما وفد «المعارضة» السورية، ورغم أنه لا جديد حقاً في مذكرة المبادئ التي عرضها دي ميستورا وأعادت تكرار بنود قديمة طُرحت في جولات جنيف السابقة، فإنّ روحية لقاء الرياض ـ 2، لجهة الانحناء أمام المتغيرات السعودية ودفن الخطاب الذي يرطن حول المرحلة الانتقالية ومصير بشار الأسد؛ فإنّ موافقتها على سوريا مشتهاة، بنت الاستيهام والأوهام، ليست إلا تحصيل الحاصل وتثبيت الخيار صفر. فما ضرّ شاة «معارضةٍ» مثل هذه، أن تُسلخ بعد ذبح؟
طريف، إلى هذا، أن يحار دي ميستورا بين اسم «سوريا» أو «الجمهورية العربية السورية»، دون أن يقترن الخيار الأول بالصفة الجمهورية؛ وبين عدم تثبيت الصفة العلمانية للدولة المستقبلية، أو الإبقاء على صيغة «دولة غير طائفية»، وكأنّ هذا التوصيف الأخير قابل للترجمة إلى ركائز قانونية وحقوقية ملموسة. وأما الأطرف، والأشدّ مزجاً بين المأساة والمهزلة، فإنه البند 7، الذي يشير إلى «بناء مؤسسات أمنية ومخابرات تحفظ الأمن وتخضع لسيادة القانون وتعمل وفقا للدستور والقانون وتحترم حقوق الإنسان»… في إطار النظام ذاته الذي يُراد إعادة إنتاجه، والذي سلّط الأجهزة الأمنية على المجتمع، واعتقل وعذّب وصفّى مئات الآلاف من أبناء سوريا، وداس على الدستور والقانون والقضاء، ولم يترك للمواطن من حقوق إنسان سوى الركوع أمام رموز السلطة…
وهكذا، بين هرطقة لا تنتهي إلا إلى لعب مضيّع في وقت ضائع، لكنه مضرّج بدماء السوريين وعذاباتهم، وبين مشاريع حلول «سياسية» تتعهدها قوى الاحتلالات أو تنضجها على غرار طبخة الحصى، وحلول عسكرية لا تفرغ من ارتكاب مجزرة بشعة حتى تشرع في أخرى أشدّ بشاعة؛ ثمة جولات آتية، في جنيف وأستانة وسوتشي، وثمة المزيد من ألعاب السلخ!

شاة دي ميستورا التي تُسلخ

صبحي حديدي

- -

8 تعليقات

  1. من يقرأ وثيقة ديمستورا، سيعتقد بأن سوريا ستصبح «سويسرا» الشرق الأوسط. لا تضحك يا صديقي القارئ.
    أنا أكثر من يطالب بدولة مبنية على «محاصصة طائفة و إثنية»، لأنها الطريقة الوحيدة للقضاء على العلوية السياسية التي ابتلت بها سوريا ل ٥٠+ عاماً. سوريا قدمت مليون شهيد و جريح، و هُجِّر فيها ١٤+ مليون غالبيتهم من المدنيين السنّة، و لا يزال العلويون يتهمون السنّة بأنهم طائفيين و قتلة و آكلة لحوم البشر طبعاً.

    • @سامى: تريد نظام يقوم على محاصصة طائفية و اثنية….؟؟؟؟ هل فعلا تعلمتوا الدرس بعد هذه المأساة…؟ فى لبنان محاصصة طائفية فى العراق محاصصة طائفية….ما هى النتائج…يا ترى …؟ ….قوموا بالإصلاح و لو اخذ 200 سنة لكن للوصول إلى دولة المواطنة المدنية العلمانية الحقيقية التى تخفض حقوق الجميع …و الانتماء لسورية و ليس لشيخ من الشيوخ او لأمام من الأيمة …..تحيا تونس تحيا الجمهورية
      ..؟

  2. لا فض فوك يا صديقي صبحي
    لا يمكن أن أعقب على كلامك لأنه سيكون تكرارا سوى ان سلمان طاش بن سلمان نجح في تشكيل وفد معارضة على مزاج سياساته الكارثية بعد استقالة الدكتور رياض حجاب والرافضين لهذه الاملاءات الكارثية. الثورة مستمرة

  3. جميع المعارضات في ما تسمى البلاد العربية هدفها كيفية الحصول على الكرسي دون اعتبار للشعوب.
    نهلت المعارضة مبادئ بنت لها على أساسها أحزابا ثم اشرأبت أعناق قادة الأحزاب نحو سدة الحكم حيث كان الصدام بينها وبين سُلطة الحكم فكان إما التدجين أو الإعتقال أو اللجوء السياسي لقادة الأحزاب التي جرت على الشعوب التي لم تُهيئها للتكون حاضنة للتلك الأحزاب ما جعلها في قبضة الحكام تُوجهها وفق التدجيل.
    باختصار المعارضة التي لم تكن يوما بناءة ولم تحسب حساب لما تريد الشعوب ضاعت وضيعت معها البشر والأطان التي باعها خونة كان ولاؤها للأجنبي.
    كل تغيير ما لم يكن انطلاقا من الشعب فهو خُسران على جميع الأصعدة.

  4. *للأسف (الشعوب العربية )
    المنكوبة في واد وحكامها
    في واد آخر.
    حسبنا الله ونعم الوكيل
    في كل حاكم ظالم مستبد شبيح.
    سلام

  5. الى الاخ صوفي .تحية وبعد. يعني كما يقال .بحصة في الحلق .تهاجمون النظام وانتم الذين كنتم معه.( .حتى العظم ).شاءت الظروف .عام 1982 عندما حصلت حوادث حماه .انني كنت ذاهبا الى سوريا برا .وذلك بهدف سفري للخارح عن طريق مطار دمشق. لان مطار بيروت كان مقفلا بسبب الحرب في لبنان . لو تصدق انني شاهدت الافا مؤلفة من ميليشيا البعث وهم مسلحين من الحدود اللبنانية حتى دمشق العاصمة .الكل يبحث عن (الاخوان ) .تعجبت لهذا المشهد الذي كان يتكرر في لبنان .عندما دخل الجيش السوري اليه .بمهمة قوات الردع العربية . عام 1976 .حيث كانوا يلاحقون من يشكون به انه ((عميلا اخوانيا تابع للعراق )) هذا كان قبل 43 سنة .وعندها كان النظام (بالقصر من مبارح العصر ) شكرا لقدسنا العربي .

  6. كل ما يقال عن الازمة سورية لا يلمس الحقيقة المرة.محور هذا الصراع هو الاسلام.خوف الغرب من انطلاق تغيير سني من هذا البلد.لذلك اي محاولة للانطلاف ستواد في مهدها لانها قضية حياة او موت للغرب هذا هو جوهر الصراع الحقيقي

  7. السبب هو الشعب فحزب البعث الذي حكم في العراق وكما في سوريا لفترة طويلة لم يستطيع التخلص من الامراض الاجتماعية الموجودة في البلدين من طائفية وعنصرية وعشائرية واستطاع افراد معدودين مع ابناءهم واقرباءهم السيطرة على الحزب ثم السيطرة على مقادير البلد والحزب في البلدين لو تم احتساب افراده باقل تقدير فكانوا بالعراق اذا استثنينا كردستان سيكون 90% ولكن كان همهم النفاق والتملق والمناصب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left