سيناريو «أفضل الممكن»: المعادلة التي قد تدفع تركيا إلى التسليم لروسيا وإيران ببقاء الأسد

Dec 02, 2017

إسطنبول –«القدس العربي» إسماعيل جمال: عقب أكثر من 7 سنوات من الأزمة في سوريا التي كلفت تركيا الكثير من المتاعب السياسية والأمنية والاقتصادية، يرى صناع القرار في أنقرة أن التحولات والتطورات في السنوات الأخيرة لا سيما تبدل التحالفات وتقلبات موازين القوى على الأرض قد تدفعهم إلى اتخاذ قرارات صعبة ليس أقلها التسليم لروسيا وإيران ببقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة.
هذا التحول الكبير الذي ألمح إليه عدد من كبار المسؤولين الأتراك ومنهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ليس خياراً مثالياً لأنقرة التي دعمت الثورة السورية منذ بداياتها وتعتبر من أهم وأبرز اللاعبين الدوليين المطالبين بإسقاط الأسد ونظامه وإزاحتهم عن السلطة بشكل كامل.
لكن وعقب سنوات طويلة من الحرب وتفوق نظام الأسد بدعم روسي إيراني على المعارضة المشتتة، وتصاعد قوة الجماعات الكردية على طول الحدود السورية مع تركيا شمالاً حصل تغيير كبير على أولويات تركيا في سوريا، بحيث بات الخطر الأكبر على الأمن القومي التركي هو احتمال قيام دولة كردية في شمالي سوريا، حسب إجماع السياسيين الأتراك.
ومن هذا المنطلق، بات المعيار الأول للسياسة التركية في سوريا يتعلق بكيفية وقف توسع وحدات حماية الشعب الكردية التي تمكنت خلال سنوات الأزمة في سوريا من التمدد بشكل غير مسبوق لتتمكن اليوم من السيطرة على أكثر من ثلثي الحدود السورية مع تركيا التي تمتد على طول 930 كيلو مترا ووصلت إلى منبج وعفرين والرقة غربي نهر الفرات وهو ما كانت تعتبره أنقرة خطاً أحمر وخطراً كبيراً على أمنها القومي.
كل هذا لم يكن ليحدث لولا الدعم الهائل الذي تلقته الوحدات الكردية من الإدارة الأمريكية التي وحسب الإحصائيات التركية أرسلت أكثر من 3 آلاف شاحنة أسلحة إليها في السنوات الأخيرة تحت بند الحرب على تنظيم «الدولة» ما مكنها من التوسع، وجعل من مجموعة من الميليشيات الكردية الصغيرة ما يمكن اعتباره جيشاً منظماً يمتلك دبابات ومدرعات وأسلحة متطورة.
ومع إصرار إدارتي أوباما السابقة وترامب الحالية على مواصلة إرسال الأسلحة إلى وحدات حماية الشعب التي تعتبرها أنقرة تنظيما إرهابيا رغم المطالب والمحاولات والدعوات التركية المتكررة، يقول الأتراك إنهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التعاون مع روسيا وإيران لحماية أمنهم القومي والضغط على الإدارة الأمريكية ويرون أن هذا التقارب ساعدهم في طرد تنظيم «الدولة» من الحدود والقيام بعملية «درع الفرات» التي مكنت الجيش التركي إلى جانب طرد تنظيم «الدولة» من جرابلس ودابق والباب، مكنته من منع تقدم الوحدات الكردية إلى هذه المناطق ولا سيما ربط مناطق سيطرتهم شرقي وغربي نهر الفرات.
وعقب ذلك مكنت التوافقات التي توصلت إليها تركيا مع روسيا وإيران ضمن مباحثات أستانة من إقامة منطقة «تخفيض توتر» في مدينة إدلب السورية وهو يعني لأنقرة التحصين من إمكانية لجوء واشنطن إلى الدفع بالوحدات الكردية للسيطرة عليها بحجة الحرب على الإرهاب وتنظيم جبهة النصرة، لكن الهدف الأبرز المقبل الذي يسعى إليه الجيش التركي هو أن تؤمن له هذه التوافقات التوسع نحو عفرين وطرد الوحدات الكردية منها ما يعني إضعاف مخطط إقامة كيان كردي موسع يصل مناطق السيطرة على ضفتي نهر الفرات.
وخلال الأيام الأخيرة تزايدت المؤشرات على احتمال قيام الجيش التركي بعملية عسكرية في عفرين، فبينما أكد مجلس الأمن القومي التركي على أنه بحث توسيع انتشار الجيش التركي من إدلب إلى عفرين، رد وزير الدفاع التركي نور الدين جانكلي على موعد العملية بالقول: «ربما غداً أو قبله»، فيما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إن الجيش التركي لن يتردد في دخول عفرين إذا لاح في الأفق أي تهديد، كل ذلك جاء بالتزامن مع مواصلة الجيش التركي إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة لحدود المدينة.
هذا التقارب غير المسبوق بين أنقرة وموسكو في سوريا والذي يرى مراقبون أنه ساهم في «تحجيم» النفوذ الأمريكي هناك، دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام وبشكل مفاجئ إلى المبادرة بالاتصال بأردوغان وإبلاغه بوقف إمداد الوحدات الكردية في سوريا، ولكن لم تمض ساعات قبل أن يعود التناقض إلى التصريحات الأمريكية عبر تأكيد البيت الأبيض والبنتاغون استمرار التحالف والتعاون مع وحدات حماية الشعب مع إمكانية حصول تعديلات على سياسة الإمداد بالأسلحة.
لكن وعود ترامب لم تتمكن من طمأنة المسؤولين الأتراك، وعلى ما يبدو يُجمع مراقبون على أنها لن تؤثر على استمرار تركيا في المسار الذي بدأته مع روسيا وإيران، بل على العكس يمكن أن تدفع أردوغان لتسريع وتوسيع تنسيقه مع موسكو وطهران وإن اضطره ذلك لتقديم تنازلات جديدة تتعلق بمصير الأسد سواء القبول ببقائه في الفترة الانتقالية التي يجري التفاوض عليها في جنيف أو حتى استمراره في الحكم تحت بند «الشعب السوري يقرر مصيره بنفسه» وذلك في حال يضمن ذلك لتركيا تعاوناً روسياً إيرانياً في تحجيم النفوذ الكردي ومنع إقامة كيان مستقل على حدودها، وبالتالي تحجيم نفوذ الوحدات الكردية ما يعني لأنقرة توجيه «تحول انتقامي» من السياسات الأمريكية تجاه الوحدات وتركيا.
ويرى محللون أتراك أن المسؤولين في تركيا توصلوا إلى قناعة أن واشنطن لن تقدم أي دعم حقيقي لإسقاط الأسد وأن ما تطلقه مجرد تصريحات وتستخدم قضية الأسد كوسيلة من أجل استمرار الأزمة في سوريا وتأخير الحل لتنفيذ أجندتها واستخدامها كوسيلة ضغط ضد العديد من الجهات أبرزها تركيا، وبالتالي فإنها ترى اليوم أن أي حل للأزمة السورية يضمن وحدة أراضيها حتى مع بقاء الأسد بمثابة مكسب للسياسة التركية أو «تقليلاً للخسائر»، بالحد الأدنى.
ويقول الكاتب التركي فخر الدين ألتون في مقال في صحيفة «ديلي صباح»: «النقاشات التركية الروسية الإيرانية تهدف إلى إيجاد حل للحرب الأهلية السورية في سوتشي، وهذا قد يزعج أولئك الذين تهدف سياساتهم فقط إلى تعميق الأزمة».
وعقب قمة سوتشي الأخيرة بين روسيا وإيران وتركيا، شدد أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك على ضرورة عدم إشراك الوحدات الكردية في مؤتمر شعوب سوريا والحل السياسي، وفي الوقت نفسه أطلقوا عدة تصريحات تؤشر إلى إمكانية التسليم ببقاء الأسد.
وعلى الرغم من أن أنقرة لا تعتقد أبداً أن روسيا سوف تتخلى تماماً عن دعم الوحدات الكردية في سوريا إلا أنها تأمل أن تتوافق مصالح تركيا وروسيا في الضغط على واشنطن من خلال حلفائهم في سوريا وتحجيم النفوذ الأمريكي وهو ما يهم موسكو، بالتالي تحجيم نفوذ الوحدات الكردية وهو ما يهم أنقرة بدرجة أكبر، مقابل تسليم تركيا ببقاء الأسد بتعهد الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وهو سيناريو «أفضل الممكن» الذي تسعى له تركيا حالياً.

سيناريو «أفضل الممكن»: المعادلة التي قد تدفع تركيا إلى التسليم لروسيا وإيران ببقاء الأسد

- -

1 COMMENT

  1. المشكلة هي البي كا كا
    الذي اختطف الكرد
    كما اختطف بشار وأبيه سوريا
    والملالي لايران
    والمالكي وقبله صدام للعراق
    والسيسي لمصر والقذافي لليبيا وهكذا
    والنتيجة في الحرائق المتنقلة في المنطقة :(

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left