الانقلاب الشيوعي في روسيا وتداعياته على العالم

زيد خلدون جميل

Dec 05, 2017

قد لا يعرف الجيل الجديد في مختلف أنحاء العالم شيئا عن طريقة استيلاء الحزب الشيوعي على السلطة في روسيا عام 1917، وهو حدث غير التاريخ العالمي كانت له تداعيات في جميع أرجاء المعمورة طوال القرن العشرين ولا تزال تؤثر على مسار العالم حتى الآن.
كانت روسيا في القرن التاسع عشر دولة عظمى مترامية الأطراف وخاصة في آسيا حيث أخذت تضايق الوجود البريطاني هناك. وحدثت مواجهات غير حاسمة بينهما في القرن التاسع عشر مما جعل احتدام الصراع بينهما أكثر احتمالا، كما أصبح واضحا أن لروسيا أطماعا توسعية في آسيا وأوروبا الشرقية على حساب الدولة العثمانية التي كانت تزداد ضعفا تدريجيا. ومع ذلك فإن روسيا كانت الدولة العظمى الأكثر تخلفا من الناحيتين الزراعية والصناعية، فموجة التصنيع التي ميزت منافساتها لم تدخل روسيا فعليا إلا في نهاية القرن التاسع عشر.
حاولت روسيا أيجاد حلول لأسباب تخلفها النسبي وكانت البداية إلغاء نظام عبيد الأرض عام 1861 وتحرر الفلاحون من القيود القديمة، ولكن الدولة لم تحاول تحسين أداء الجهاز الحكومي فيما يخص تنفيذ القانون وفرض الأمن. وأخذ الفلاحون يكونون تنظيمات تطالب بجعل الأراضي ملكا لمن يعمل بها وتوزيعها بينهم وتأسيس نوع من الملكية المشتركة لها. ومع بداية ظهور الاقتصاد الصناعي بدأ الفلاحون بالهجرة إلى المدن الرئيسية سعيا للعمل في المصانع، وتضاعف عدد سكان المدن الرئيسية في روسيا بين 1890 و1910. وصاحب هذا تفاقم هائل في سوء أحوال المعيشة فيها حيث كان معدل عدد قاطني الشقة الواحدة في المناطق العمالية ستة عشر شخصا مع الأخذ بنظر الاعتبار سوء الرعاية الصحية ومياه الشرب والصرف الصحي. وعلى الرغم من أن التطور الصناعي والاقتصادي في روسيا كان يتسارع حتى أنه أصبح الأسرع في العالم قبيل الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) فإن ثمار هذا التطور كانت ستأخذ وقتا طويلا كي يستفيد منها الجميع، كما أنها لم تكن قد وصلت بعد إلى مستوى الدول الأبرز آنذاك مثل بريطانيا وألمانيا وأمريكا. إن انتشار الأفكار الفوضوية في المدن الروسية بشكل واسع وعدم كفاءة الأجهزة الأمنية في فرض النظام جعل الموقف في روسيا مختلفا. وكان مصدر هذه الأفكار بشكل عام بعض شباب الطبقة المتعلمة في المدن الذين دعوا إلى إحداث تغييرات في البلاد بالقوة وتدمير هيكلة الدولة. واعتقد هؤلاء أنهم يستطيعون إسقاط النظام بالقوة لأن الحكام الروس في رأيهم لم يكونوا سوى مجموعة من الجهلة.
في عام 1905 اندلعت الحرب اليابانية – الروسية والتي كانت كارثة بالنسبة لروسيا. وظهر فجأة للعيان أن الدولة الروسية ليست بتلك القوة الماحقة التي كان يتخيلها الجميع، فبدأت المظاهرات والإضرابات والاشتباكات في المدن الروسية الرئيسية. واكتشف الثوار أن الدولة لم تكن بذلك الضعف بعد أن نجحت في قمع الاحتجاجات بالقوة. هذه الحركة ترسخت في ذاكرة المناوئين للدولة لأنهم أدركوا أن الثورة ممكنة في ظل عدم كفاءة القيصر وضعفه وعدم اختياره أفضل الناس للعمل معه. لذلك ازدادت التنظيمات السرية المناهضة واستعملت أحيانا أناسا تفرغوا للعمل السري مما تطلب تمويلا مجهول المصدر. وكانت قوى الأمن الروسية تنجح أحيانا في القبض على العديد منهم إلا أن بعضهم كان يهرب إلى الدول الغربية.
بدأت بوادر الحرب العالمية الأولى بالظهور في السنوات القليلة التي سبقت عام 1914 ووقفت فيها روسيا إلى جانب الحلفاء. ولم تتضح الأسباب التي دفعت القيصر لاتخاذ هذا القرار، فهناك من يعتقد أنه كان طامعا بشمال إيران والعراق وأجزاء من تركيا الحالية ومنها إسطنبول، وأنه أراد أن يمحو من الذاكرة الخسارة المهينة أمام اليابان، وأن خلق عدو خارجي سوف يوقف المعارضة الداخلية تحت ذريعة الشعور الوطني. ومما زاد من احتمال الدخول في الحرب اغتيال رئيس الوزراء الروسي آنذاك الذي كان معارضا للحرب. ولم يدرك القيصر ومن معه من القيادة الروسية أن الجيش الروسي كان في حالة سيئة جدا من ناحية التسليح والتدريب والعناية الطبية والتزود بالمواد الغذائية. وكان العدو الرئيسي لروسيا في هذه الحرب هو الجيش الالماني الذي كان متفوقا على نظيره الروسي في كل المجالات. غير أن الاندفاع الروسي نحو الحرب لم يكن بسبب رغبة القيصر فقط، بل بسبب رغبة المسؤولين المحيطين به أيضا. ومع ذلك فقد كان هناك استثناء إذ حذر أحد كبار وزراء القيصر من مغبة هذه المغامرة التي قد تودي بالبلد إلى الهلاك لكن صوته غرق في بحر الاندفاع نحو الحرب. أعلنت روسيا التعبئة العامة، وجندت الكثير من الفلاحين والعمال الذين لم يدينوا أصلا بالولاء للحكومة، بل امتلأت عقولهم بالمشاعر المعادية لها، واعتبروها مصدر جميع مشاكلهم. وما أن بدأت الحرب عام 1914 حتى منعت الدولة العثمانية (التي كانت إلى جانب ألمانيا والنمسا) السفن الروسية من المرور في مضيق البوسفور مما أدى إلى انقطاع خط تجاري أساسي لروسيا وكان هذا ضربة اقتصادية لها.
كانت بداية الحرب كارثة بالنسبة للروس فقد توالت هزائمهم. ارتفعت الأسعار ورافقها نقص حاد في المواد الغذائية وخاصة الخبز. وأخذت بعض المحلات التجارية تقفل أبوابها لعدم وجود شيء للبيع. والغريب في هذا الأمر أن الإنتاج الزراعي لم يتأثر كثيرا بالحرب فقد تكدست الحبوب في المزارع عوضا عن نقلها إلى المدن لأسباب غير واضحة. وفي هذه الأثناء ازدادت الظروف المعيشية سوءاً وتفاقم الفساد الإداري فانتشر التذمر ونشطت الدعاية المضادة للدولة من اعتصامات ونشرات وإضرابات، وشعر الجميع بالضعف المتزايد لأجهزة الأمن والجيش في العاصمة سانت بيترسبورغ في ظل الخسائر العسكرية الهائلة لروسيا إذ بلغت حتى شهر تشرين الأول / أكتوبر 1916 خمسة ملايين بين قتيل وجريح وأسير ومفقود.
في السابع من آذار / مارس 1917 (كان الروس آنذاك يستعملون التقويم الأوروبي القديم فكان التاريخ حسب تقويمهم هو الثاني والعشرين من شباط / فبراير ولذلك فإن هذه الثورة تسمى «ثورة فبراير» في التاريخ الروسي) حصلت بعض الاعتصامات والإضرابات في العاصمة سانت بستراسبورغ. وفي اليوم التالي، الذي صادف يوم المرأة العالمي، خرجت آلاف النسوة في مظاهرة كبيرة مطالبات بالخبز والحريات العامة وقمن بالمرور بأماكن الاعتصامات والإضرابات حيث انضم القائمون بها إليهن لتتحول المظاهرة إلى حركة هائلة ضد الدولة التي فقدت السيطرة سريعا على الموقف. وكان رد فعل السلطات إرسال ما يمكن إرساله من الجنود لإيقاف الاضطرابات والسيطرة على الموقف. وكان هؤلاء من المجندين الجدد الذين انضموا إلى المتظاهرين. وبدأت الفوضى حيث هاجم المتظاهرون المباني الحكومية وأحرقوها، كما هاجموا مراكز الشرطة وقتلوا من فيها برميهم من أعلى أسطح المباني. وهنا اجتمع بعض أعضاء البرلمان (الدوما) وكان أغلبهم من الأرستقراطيين وكبار رجال الأعمال وقرروا تشكيل حكومة مؤقتة للسيطرة على الموقف ثم أقنعوا القيصر بالتنحي عن العرش. تنحى القيصر وتأسست لجان محلية في جميع أرجاء روسيا تسمى لجان «السوفييت» مكونة من عمال وجنود أخذت تتصرف وكأنها حكومات محلية. وأصبح ألكساندر كيرينسكي (أحد قادة لجنة السوفييت للعاصمة سانت بستراسبورغ) وزيرا للعدل في الحكومة المؤقتة ومن ثم رئيسا للحكومة المؤقتة التي سمحت للنقابات والأحزاب بالتشكل وعمت الفوضى البلاد. ولم تختلف سياسة الحكومة المؤقتة عن سياسة القيصر فقد استمر حماسها لاستمرار الحرب على الرغم من معرفتها مدى كراهية الشعب لها.
في هذه الأثناء ظهرت على السطح قوة شيوعية صغيرة تدعى البلاشفة تكونت من أعضاء من الفوضويين ورجال العصابات وآخرين مشبوهين. وكان زعيمهم يدعى فلاديمير لينين وكان في سويسرا آنذاك. كان والد كيرينسكي مدرس لينين وتربط عائلتيهما صداقة قوية. توصل لينين إلى اتفاق مع الحكومة الألمانية أن تزوده بالمال اللازم وتوصله إلى روسيا وتدعم نشاطه السياسي هناك مقابل أن يقوم بوقف الحرب بأية وسيلة. كان هذا مناسبا له لأن الوصول إلى دفة الحكم كان فوق كل اعتبار. قام الألمان بإيصاله إلى روسيا في القطار المغلق الشهير. والغريب في الأمر ان البلاشفة كانت لهم زعامة محلية قبل مجيء لينين ولكنه بقي الزعيم الأكبر لسبب ما على الرغم من وجوده خارج روسيا لسنوات طويلة وكذلك علاقته بأعداء روسيا التي كان الجميع على علم بها. وما إن وصل لينين إلى العاصمة حتى التف البلاشفة حوله واستولوا على قصر فخم وحولوه إلى مركز قيادة لهم. وازداد عدد أعضاء البلاشفة ستة أضعاف بسرعة، ولكنهم مع ذلك لم يصبحوا قوة كبيرة إلا أنهم كانوا الأكثر طموحا وجرأة وتنظيما، كما أن لينين لم يخف نواياه طوال الوقت للسيطرة على البلاد وإقصاء الآخرين مهما كان الثمن ومع ذلك لم تحدث أي محاولة جدية لمقاومته أو مقاومة البلاشفة. في هذه الأثناء طالب القائد العام للقوات الروسية بالتدخل لإعادة الانضباط إلا أنه اعتقل من قبل اللجنة المحلية (السوفييت)، وقام كيرينسكي بعمل مفاجئ هو تزويد مجموعات العمال في العاصمة بالسلاح الذين انضموا إلى البلاشفة ليكونوا ميليشيا البلاشفة.
وفي السابع من تشرين الثاني / نوفمبر 1917 (المصادف الخامس والعشرين من تشرين الأول / أكتوبر 1917 حسب التقويم الروسي آنذاك) هجم البلاشفة على مقر الحكومة المؤقتة واستولوا عليه بسهولة بالغة مطيحين بذلك بالحكومة وأصبح لينين زعيم روسيا.
كانت تلك اللحظات حاسمة في تاريخ العالم، فقد تأسست وللمرة الأولى حكومة شيوعية وقامت بتحول جذري في جميع الميادين في روسيا. تنازل لينين عن مناطق شاسعة للألمان مقابل إيقاف الحرب وأمر بإعدام وزراء القيصر السابقين والكثير من المعارضين والقيصر نفسه وكامل عائلته وتأميم كل شيء، وأسس جهازا أمنيا أثار الرعب في البلاد. وتولى الحكم أشخاص لا خبرة لهم في أي شيء. عاش لينين في قصر فخم كان يملكه أغنى أغنياء موسكو (نقل لينين العاصمة من سانت بطرسبرغ إلى موسكو) ويستعمل في تنقلاته سيارة رولزرويس صنعت خصيصا له في بريطانيا. وقد أسمينا استيلاء البلاشفة الشيوعيون على السلطة «انقلاب» لأنه كان كذلك ولأن أجهزة الأعلام الشيوعية الروسية نفسها بقيت تسميه بهذا الاسم حتى ثلاثينيات القرن الماضي.
بعد أربعة وسبعين عاما سقطت الحكومة الشيوعية في الخامس والعشرين من كانون الأول / ديسمبر 1991 على يد بوريس يلتسن. والغريب في الأمر أن الحكومة الروسية الحالية احتفلت بمرور مئة عام على الثورة الشيوعية بطريقة فريدة من نوعها، فعلى الرغم من غياب احتفالات رسمية مهيبة إلا أن وسائل الأعلام الحكومية غصت بتمجيد لينين و«الثورة» البلشفية و «منجزاتها». وكانت هناك محاولات خجولة من قبلها لتبرئة لينين من تهمة العمالة وكأن الأموال التي ثبت تسلمها كانت قد أعطيت له كتبرع خيري دون الالتزام بتقديم خدمات مقابلها تقع تحت طائلة تهمة الخيانة العظمى.
ولا تزال تماثيل لينين في الساحات العامة ومحطات قطار الأنفاق في روسيا. والغريب جدا أن نجد النظام الروسي الحالي يفتخر بالتاريخ القيصري لروسيا أيضا ويتبنى رموزا قيصرية.

كاتب عراقي

الانقلاب الشيوعي في روسيا وتداعياته على العالم

زيد خلدون جميل

- -

2 تعليقات

  1. زدنا يا أستاذ زيد من التأريخ زادك الله علماً ونورا
    كانت معلوماتي بأن لينين طيب وستالين شرير
    إتضح لي الآن بأن الإثنان كانا من الأشرار
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. شكراً للسيد الكاتب على المقال
    بإعتقادي القول ” كل يومٍ هو في شأن ” يحتوي كيف تتبدل الأيام و تنقلب الأدوار . و غريب كيف أن ” حقاًئق ” قد تنسى ، و أكاذيب أو أساطير قد تترسخ .
    في هذا العمر و منذ حوالي عشرين سنة أصبحت أتسائل كيف كان يمكن لأفكار طوباوية أن تسيرْ شأن عشرات الملايين من الناس !
    غير أن صفحات الحياة بدت لي هي حياة الأفراد و تفاعلهم مع ضروفها في وقتها ، و أمراً طبيعياً أن نلجأ لتوصيف أفعالنا حسب ما يبدو لنا في عقولنا من صورٍ ذهنية . و صدق من قال ، الإنسان يعيش داخل عقله ، و ليس في هذا العالم .
    إستطراداً لما ذكرته في مقالتك ، كلما قرأت عن تاريخ بلادنا العراق بعد تأسيس تلك الدولة النبيلة عام ١٩٢٠ /١٩٢١ و كيف ، كما يبدو لي ، إجتاحت الأفكار اليسارية قطاعات كبيرة من الناس و الصراع بينها و التيارات الأخرى و صولاً الى ذلك الْيَوْمَ الدامي ١٤ تموز ١٩٥٨ ، و تبعه من دماء وصولاً الى يومنا ، و ما يبدو لي ، أن ذلك الصراع لم يكن إلاّ شكلاً من أشكال الحرب الأهلية ، أشعر بالألم الشديد للفرص الضائعة، و دمار حياة الملايين من البشر ….و لكن تلك هي الأيام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left