التشفي بجثة علي صالح: أليست للجسد كرامة؟… والثراء الفاحش أمام الحاجة القاهرة

مالك العثامنة

Dec 06, 2017

يبقى واقعنا العربي بكل أزماته الدموية المستمرة في عرضها المتواصل، ذخيرة حية تطلقها محطاتنا الإخبارية خبرا عاجلا يصيب الوجدان ويهتكه.
أي فائدة يمكن تحقيقها من كل هذا البث الدموي لنهايات بعض القادة العرب، لقد صرنا نشهد ظاهرة اللذة في رؤية الدم والموت بأبشع صوره، وصار المشاهد العربي يتسمر أمام الشاشة (تلفزيون أو موبايل) ليتتبع خيط الدم وتفاصيل الجثة المعروضة أمامه كأنك في قاعة تشريح مفتوحة للعلن أو عرض سيرك لأخلاقنا.
في مقتل علي عبدالله صالح، تصارعت الفضائيات مع وسائل التواصل الاجتماعي لبث هذا المشهد غير الإنساني في التعامل مع جثة. تصوير المشهد بكاميرا تهتز بحماسة مع مصورها، ومجموعة أخرى تتحلق حول الجثة، وهم يتراقصون حولها كالضباع وطيور القمام، فالجثة الملفوفة ببطانية وسخة لا حول لها ولا قوة لها وتفاصيل البشاعة التي لم نملك إلا أن نتجرعها غصبا ونحن نشاهد أجزاء من رأس في غير محلها.
أي حد من الانحدار وصلنا إليه لنتنافس على إرضاء غرائزنا الدموية بهذا الشكل؟
اتفقنا أم اختلفنا مع هؤلاء الطغاة، أليست للجسد كرامة؟ أليس للموت أدنى حرمة، طيب فلنفترض أنهم طغاة إلى حد إنكار حقهم بالكرامة بعد موتهم، أليس للأحياء من المشاهدين أدنى حق بمشاهدة تليق بإنسانيتهم؟
كم طفلا من المحيط إلى الخليج شاهد المقطع الدموي؟ كم صورة ترسخت في عقل هذا الطفل وسيكبر ليبني عليها قيما جديدة تتناسب وهذا الدم العالق في وجدانه وعقله؟
كان مشهدا مكررا سبقه مشهد الموت المعلن والبشع لمعمر القذافي بإخراج همجي وقبله كذلك شنق صدام حسين وهو المشهد الذي ضاعف وهم الخرافة.
إن ما نراه من بشاعة في المشهد، الذي وللمفارقة نحن من نصوره ونخرجه ونقدمه منتجا جاهزا للفضائيات، التي يثيرها الدم، ليست الأولوية فيه استحقاق القتيل (فهو ميت) لكن الأولوية فيه استحقاق إنسانيتنا كمشاهدين!

دور إيجابي للإعلام

الصحافة اللبنانية كانت دوما حصيلة واقعها اللبناني المجبول على الحرية، رغم كل قساوة الظروف.
طبعا هناك أجندات لكل وسيلة إعلام لبنانية، وتحديدا في المحطات التلفزيونية، حيث يتجلى التفاوت في الأجندات والسياسات والرسائل، لكن على كل هذا التفاوت فإنك لا تملك إلا أن تجد برنامجا مفضلا لديك في كل محطة لبنانية، ومثالها برنامج «للنشر» على قناة «الجديد»، الذي تقدمه ريما كركي بحضور طاغ في الجمال الرائق (هذا ليس غزلا بل توصيف حال) وبديهية مفعمة بالذكاء في إدارة ضيوفها وفقراتها، التي يعدها طاقم إعداد أيضا محترف ويثبت نظرية أن البرنامج الناجح يقف خلفه محترفون لا يظهرون لكن تظهر نتيجة جهودهم في نجاح البرنامج.
حلقة «للنشر» الأخيرة كانت فيها فقرات متنوعة لا رابط بينها، لكن الشطارة كانت في الحضور الذكي، الذي قفز بنا كمشاهدين بين قصة «قاصر» هربت من بيت ذويها إلى الزواج، الذي فشل. ثم حكاية الطفل السوري، الذي التقطه البرنامج من فيديو منتشر على الفيسبوك. لتقفل الحلقة على طفل مصاب بالشلل، ونداء مساعدة يحرك الضمائر والقلوب ويلقي الضوء على معادلة الثراء الفاحش أمام الحاجة القاهرة.
أكثر المنعطفات التي أدارتها كركي باقتدار كانت في فقرة القاصر، التي استضافتها وزوجها الذي انفصلت عنه ووالد زوجها وشيخ دين يفترض أنه موجود لتهدئة النفوس.
الفتاة المسكينة ومكسورة الجناح لا سقف آمن يؤويها وأطفالها في هذا العالم، طلبت بحزم رغم كل جروحها أن تساعدها أي جهة خيرية لا بمعونة مالية أو بمشروع إنتاجي، بل بأن تستمر بتعليمها الذي انقطع، طلب مذهل يكشف حلما جميلا ووعيا بمعنى التعليم كتمكين لها، الطلب لاقى قبولا سريعا لدى الإعلامية وهمهمة احتجاج من الزوج المتجبر، لكن الشيخ قطع الحوار بدعوته للفتاة أن تعود لبيت زوجها فمؤسسة الزواج برأيه أهم من مؤسسة التعليم!! هكذا قرر سماحته مدعما رأيه بنصوص محاولا رفع أنقاض مؤسسة مهدمة غير متكافئة واضح أنها لا تحمل أي مقومات نجاح.
حسنا فعلت ريما كركي أن أنهت الحلقة عند طلب الفتاة، والذي نتمنى أن يجد صداه لدى أي جهة مؤهلة للعون في لبنان، فهذا دور إيجابي للإعلام في النهاية.

«آلة الزمن» و»صاحبة السعادة»

حملتنا السيدة إسعاد يونس عبر برنامجها «صاحبة السعادة» على قناة «سي بي سي»، على «آلة الزمن» لتعيد ذكريات كثيرة في مادة بلا شك كانت مشغولة بعناية، وكما قالت استغرقتها عامين من العمل مع طاقم الإعداد للخروج بالحلقة الأولى التي تابعناها مساء الإثنين بشغف.
الحلقة كانت عن ذكريات أفلام الكرتون الشهيرة، والتي بدأتها السيدة إسعاد من مرحلة الخمسينيات، سواء بإنتاج مصري او بإنتاج اجنبي، واستهلت حلقتها بعزف أوركسترا مذهل بعازفين محترفين مصريين ومايسترو مصري عبقري وموسيقى أفلام «توم وجيري» القط والفأر الشهيرين.
استضافت يونس، وهي صاحبة سعادة فعلا، الفنانين المجهولين خلف ميكروفونات الدوبلاج الصوتي، والذين تحدثوا عن كواليس هذا العالم الترفيهي الجميل، بدءا من أمل حويجة، تلك المسرحية السورية المذهلة، وجهاد الأطرش اللبناني، صاحب الصوت الذكوري الرخيم والوقور، والأهم كان استضافتها لهذا الموسيقار السوري وعائلته الفنية الصغيرة المكونة من ابنتيه وإبنه، وأعني الفنان المذهل طارق العربي طرقان، السوري من أصول جزائرية والذي قدم الموسيقى والأغاني لأكثر من تسعين بالمائة من مجمل الإنتاج العربي في أفلام الكرتون على مدار عقود بدأت من الثمانينات.
كانت حلقة عربية بامتياز، لمسنا فيها مادة إعلامية فنية جميلة ورفيعة المستوى أدارتها السيدة إسعاد يونس باقتدار، ما يجعلني أكرر أنها إعلامية محترفة أضاعت وقتها في التمثيل.
نفتقد لهذا النوع من البرامج في فضائنا العربي كثيرا، والسبب أننا نفتقد لطواقم إعداد جيدة وتعرف مهماتها ودورها.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

التشفي بجثة علي صالح: أليست للجسد كرامة؟… والثراء الفاحش أمام الحاجة القاهرة

مالك العثامنة

- -

1 COMMENT

  1. ” أي فائدة يمكن تحقيقها من كل هذا البث الدموي لنهايات بعض القادة العرب،
    لقد صرنا نشهد ظاهرة اللذة في رؤية الدم والموت بأبشع صوره، ” إهـ
    الفائدة هي بأن يعتبر القادة الآخرون كبشار والسيسي ووووو!
    فالذي جرى للقذافي نسيه هؤلاء القتلة لشعوبهم المسالمة
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left