الجزائر: ماضيها نفخر به وحاضرها يدعو للحيرة

نورالدين خبابة

Dec 07, 2017

لا أعتقد أن جزائريًا عاقلاً أمينًا لا يستطيع التفريق بين المراحل الثلاثة التي مرت بها الجزائر، أعني الماضي والحاضر والمستقبل. وأنت تقرأ أو تسمع بعض المدعين لمعرفة تاريخ الجزائر من نواح عدة وهم يضللون شبابا تائها «وأنا هنا لا أعني البتة المؤرخين ولا العارفين بالتاريخ»، بل أعني فئة من المدعين لمعرفة التاريخ تصل إلى قناعة بأن هؤلاء المرضى وكأنهم يعيشون في كوكب آخر. كيف وهم يجهلون الحاضر الذي يراه العقلاء في رابعة النهار تحت شمس حارقة، ويعيشونه بآلامه ومراراته المختلفة، ويتجرعون فيه الأسى والحسرة كل يوم. يسوقون هؤلاء في خطاباتهم وفي تحليلاتهم وفي مواعظهم الأوهام التي تتحطم كل يوم بالوقائع، ويريدون أن يأمنهم الناس على معرفة الماضي؟
صحيح أن الجزائر لها تاريخ عريق لابد أن تعرفه الأجيال المتعاقبة وأن تفتخر به، ويجب أن تحافظ عليه وأن تدوّنه بوسائل العصر، فلدينا علماء ولدينا أبطال ولدينا مؤرخون ولدينا آثار ومناظر خلابة. وصحيح لابد من التطرق لمواضيع تتعلق بالتاريخ قصد تنقيته من الشوائب والشبهات ولكن التاريخ النظيف الذي نطمح إليه لا يُكتب بالنزوات ولا وفق الرغبات ولا بالحقد والضغينة وتصفية الحسابات، ومن يكتبونه يجب أن تتوفر فيهم شروط المؤرخ باختصار.
أي منطق هذا الذي يبقينا نعيش مع الماضي دون أن نلتفت إلى حاضرنا ومستقبلنا؟ صحيح أنه لا حاضر دون ماض، ولكن: أيعقل أن نعيش المستقبل دون أن نعيش حاضرنا؟ صحيح أن الجزائر منذ العصور الأولى تعرضت إلى غزو لعوامل كثيرة، وصحيح أن الشعب الجزائري رفض الغزو وقدم تضحيات جسام ربما لم تقدمها شعوب أخرى، وصحيح أن الجزائر تعرضت إلى فتن ومؤامرات وإلى كوارث ووقف رجال مخلصون ومصلحون وقاوموا الغزو بكل ما أوتوا من قوة حتى غيروا المعادلة.
ولكن: ألم تتعرض بلدان أخرى للغزو والفتن والمؤامرات وحققت النهضة، فها هي فرنسا، ألمانيا، اسبانيا، ودولة جنوب افريقيا، وفي آسيا، بل دول عربية في الخليج لم يكن لها تأثير ولا أثر في الستينيات ولا حتى السبعينيات ها هي تقفز قفزات وتصبح قطبا في السياحة والإعلام والعمران. فأين هم الآن وأين نحن؟ هل هم يعيشون حاضرهم أم ماضيهم؟ وماذا فعلنا بتاريـخنا؟
ما قيمة هذا التاريخ إذا كان الحاضر تعيسا والمستقبل مجهولا؟ ما قيمة هذه البطولات إذا كان من يقود الجزائر مشلولا نسمع أخباره عن طريق الإعلام الأجنبي؟ ما قيمة هذا التاريخ إذا كان مفجر الثورة يُغتال أمام أعين الناس، وابن الشهيد يُذبح ويختطف، وابن الفدائي يُسجن ويهان، وحفيده في مستشفى الأمراض العقلية، أو مصاب بأمراض مزمنة أو لاجئ في أوطان الناس؟ وإذا ما أراد الناس معرفة الحقيقة أتهموا بأبشع الأوصاف.! ما قيمة هذه الثروات التي حبا الله بها الجزائر إذا كان الجزائري يموت في أعماق البحار بحثا عن أمل، وتعيده الأمواج إلى الشاطئ فيما يصل المرجان واللؤلؤ والزيتون والعنب والرمان والغاز إلى الأمريكان والفرنسيين والانكليز والألمان والطليان بلوحة التحكم وهم في قصورهم؟ ما قيمة الثروات السياحية إذا كان الجزائري يجهل مواقعها السياحية أو محروما منها فيما يذهب إلى بلدان أخرى كتركيا أو الإمارات أو تونس أو ماليزيا ويجد فيها من يرحب به ويستقبله؟
كما يجب أن نفتخر بماضينا وندرسه بعد تنقيته كما أسلفت من قبل، علينا أن نقر بأن حاضرنا يدعو للحيرة والحسرة، في ظل التناقضات الموجودة والمفارقات العجيبة. نحن مدعوون إلى أن نخوض أشواطا في رفع درجة الوعي بوسائل العصر وغرس روح التضحية، وأن نعمل على الإصلاح العميق، وأن نغير واقعنا من الرتابة القاتلة، وأن نتطلع إلى مستقبل زاهر ومشرق .

كاتب جزائري

الجزائر: ماضيها نفخر به وحاضرها يدعو للحيرة

نورالدين خبابة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left