جينفر لورنس بطلة فيلم «أم» تستهجن التآمر على الفيلم لإفشاله رغم أنه يلخص قصة الكون

حسام عاصي

Dec 07, 2017

لوس أنجليس – «القدس العربي» : منذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي في شهر أيلول/سبتمبر هذا العام، أثار فيلم دارين أرونوفسكي «أم» الجدل بين النقاد، فقد وصفه بعضهم بأسوأ فيلم لهذا العام، مما أدّى الى اكتسابه أدنى تدرج على موقع النقد السينمائي «الطماطم الفاسدة»، ولاحقا فشل في شباك التذاكر، رغم الإشادة والمنح، الذي حصل عليها من مخرجين عريقين على غرار مارتين سكورسيزي، الذي وصفه بالتحفة السينمائية، واتهم موقع «الطماطم الفاسدة» بتدمير السينما الأصلية والذكية.
تبدو قصة «أم» بسيطة، تدورُ أحداثُها في منزلٍ كبير ٍومنعزل. تعيشُ فيه زوجةٌ شابة، وهي الأم، تؤدي دورها جينفير لورنس، زوجُها (خافيير بارديم) شاعر مشهور يكبرُها سنا. وبينما تود الأم أن تُنجبَ طفلا، وتجعلَ من المنزلِ فردوسا لعائلتِها، يقضي زوجُها وقتَه في مكتبِهِ يطاردُ الأفكارَ العصيةَ ليعيد مجده الأدبي.
وعندما يأتيهما زائرٌ غريب (ايد هاريس)، يرحبُ به الشاعر، ويطرَبُ لاعجابِه بشعرِه، رغم اعتراضِ الأم وتحفظِها. ثم تحضرُ زوجةُ الغريب (ميشيل فايفر) وسرعان ما يفرضا الغريب وزوجته نفسيهما ويستبيحان المنزل، ويخترقانِ خصوصياتِ الأم ِوزوجِها، مما يثيرُ انزعاجِها منهما.
لكن زوجَها يتجاهلُها ويمنحهما حرية التصرف. ثم يحضر ابنيهما، الذي يتشاجران ويقتل واحد منهما الآخر.
ومن هنا تتوالى سلسلةٌ من الأحداث الغريبة والسيريالية، عندما يدعو الشاعرُ الى المنزلِ أمواجا من معجبيه، الذين يثيرون بمنزله فوضى ويعيثون خرابا، ويتجاهلون الأمَ، التي تتوسلُهم بان يكفوا عن تدميرِ فردوسِها.

الدمار الذي جلبناه للبيئة

لكن في ثنايا هذه القصةِ الكثيرُ من الاستعاراتِ والرموز، التي من خلالهِا أرادَ المخرج، دارين أرونوفسكي، أن يحذرَ من الدمارِ الذي جلبته الانسانيةُ الى البيئة. فالامُ تجسدُ كوكبَ الأرض، والبيتُ يجسدُ الطبيعة. والشاعر هو استعارةٌ عن الخالق، والغريبُ وزوجتُه هما آدمُ وحواء وابناهما هما هابيل وقابيل.
وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم أرونوفسكي القصص التوراتية ليسلط الضوء على دمار البيئة. ففي عام 2013 حذّر من الفيضانات التي تنتج عن الاحتباس الحراري من خلال طرح قصة النبي نوح، الذي بنى قاربا ضخما ليحمي مواليه من الفيضانات التي غمرت كوكب الأرض.
ومن أجل جذبِ اهتمامِ الجمهور، وإثارةِ تعاطفِه مع الأم، اختارِ اورونفسكي أبرزَ نجمةٍ في هوليوود، وهي جينفر لورنس، لتلعبَ دورَها. ومن حسن حظِه أن لورنس هي أيضا ناشطةٌ بيئية، قدمت العامَ الماضي، التعليقَ في الفيلم الوثائقي «كوكبٌ جميل»، الذي كشف عن تأثيرِ تلوثِ البيئةِ على كوكبِ الأرض. وفي حديث معها الشهر الماضي، أكدت لي أنها فهمت الرموز المغروسة في السيناريو عندما قرأته لأول مرة.
«لقد وقّعت حتى قبل أن أقرأ النص»، تقول لورنس: «لدينا وجهات نظر سياسية متشابهة بخصوص البيئة. حكى لي عن رموز أفكاره وأعجبتني الفكرة وأنا أثق به. وعندما قرأت السيناريو اعتقدت أنه تحفة».
ثم تضيف أن المخرج وليس السيناريو العام الأهم في اتخاذ قرار للاشتراك في مشروع ما: «وقعت في الخطأ في السابق عندما أعجبني نص ووافقت على أداء دور البطولة ولكن لم أكن أعرف شيئا عن المخرج، وهذا كان خطأ كبيرا جدا.»
ولكن نفوذ وتأثير النجمة الشابة وصل لدرجة أن بامكانها أن تفصل المخرج وتختار مخرجا آخرا محبذا لها إذا أعجبها سيناريو وقررت الاشتراك في تصويره. وتأكد أنها لم تفعل ذلك بعد ولكن لن تتردد في المستقبل في تغيير مخرج إذا لم تكن واثقة بقدراته المهنية.
عندما تلتزم لورنس بالاشتراك في بطولة فيلم ما، تستثمر فيه كل طاقاتها. وهي معروفةٌ بتحضيرِها المكثفِ لأدوارها. فقبل اسبوعٍ من تصويرِ فيلمِ بطولتِها الأول «وينتر بون» عام الفين وعشرة، الذي لعبت فيه دورَ فتاةٍ أوزاركية، تبحثُ عن والدِها، عاشت مع عائلةِ الفتاةِ، وتدربت على القتالِ وسلخِ السناجبِ وقطعِ الحطب.
وأهّلها الفيلمُ لأولِ ترشيحٍ لجائزةِ الأوسكار، وهي في التاسعةِ عشرة من عمرها. كما اجرت في عامِ الفين واثني عشر تدريباتٍ على اليوغا، ورميِ السهامِ وتسلقِ الجبالِ خلالَ تحضيرِها لتجسيدِ دورِ المقاتلةِ والثورية، كانتيس ايفردين، في سلسلةِ أفلامِ «ألعاب الجوع»، الذي جعلَ منها الأكثرَ دخلا بين ابطالِ افلامِ الحركة في هوليوود. إذ حصدت السلسلةُ ما يقاربُ ثلاثةَ مليارات دولار في شباكِ التذاكر. ولكن كيف يمكن التحضير لاداء دور الأم، الذي يجسد كوكب الأرض؟
«خضنا نقاشات طويلة»، تعلق لورنس: «كانت لدينا ثلاثة أشهر من التدريبات، حيث كان فريق الممثلين الرئيسي يجلسون على منضدة مع منتج ومخرج وكاتب العمل، أرونوفسكي، تحدثنا معه. وكلنا حاولنا اكتشاف الأفكار العميقة واستطعنا أن نكون على الصفحة نفسها عاطفيا.»

أمنا جميعاً

وتكشف أنها لم تسبر ماضي شخصية الأم من أجل تقمصها ولم تفعل ذلك آنفا في أدوارها السابقة. «سيكون من الغريب منطقيا أن يكون هناك ماض للشخصية في هذا الفيلم لأنها الأرض، هي البداية والنهاية وهي لا متناهية. ليس هناك ماض للشخصية. هي هكذا. لقد أحسست عندما دخلت البيت، أنني أنا والبيت عضو واحد. دخول البيت، تلّمس الأرضيات، إرتداء الملابس. كل هذا ساعدني بالوصول إلى هناك وإيجاد الشخصية.»
وتضيف أن الدور هو خليط من الزوجة والأرض: «من ناحية كنت أمرأة متزوجة من رجل تكن له إعجابا كبيرا. هي معسولة اللسان ويتم تجاهلها وشغوفة في بيتها. ومن ناحية أخرى هناك حب عميق جداً للبيت فأنا حين أصعد السلالم أو أنزل السلالم أجد نفسي ألمس الدرابزين من القمة الى الأسفل وبالعكس. أحس بكل زاوية من البيت. إنه حب عميق جدا لهذا الكائن الجماد. في الواقع هو ليس جمادا وإنما كائن حي.»
ست وستون دقيقة من فيلمٍ مدتُه ساعتان، تكون فيها الكاميرا مسلطةً على وجهِ لورنس. وعانت من الارهاق خلال التصوير وكسرت ضلع في صدرها ولكنها لم تشك ولم تخبر المخرج، الذي عبر عن انبهاره بتمثيلها والتزامها بمهمتها. وهذه ليست المرة الأولى التي تحصل فيها الممثلة على إشادات مخرجها. فكل المخرجين الذين عملت معهم على غرار فرانسيس لورنس (العاب الجوع)، ديفيد اورسل (جوي، امريكان هاسل وسيلفر لايننيغ بليبوك)، وجودي فوستر (ذي بيفر) وصفوها بأفضل ممثلة بين ابناء جيلها. كما أنها تلقت المديح من النقاد على ادائها في «أم» رغم ازدرائهم له. من المفارقات أنها لم تدرس التمثيل ولا تستخدم مرشدا لتطوير موهبتها، كما يفعل زملاؤها الممثلون في هوليوود.

الفضل للمخرجين

«المخرجون قاموا بتدريبي»، توضح لورنس: «أنا لا أؤدي المشهد وأنا أعرف تماما ماذا أفعل، وكيف سأفعله. يقوم بتوجيهي مخرجون رائعون. أنا لا استطيع الإدعاء أن الأمر جهد شخصي فقط. أنا أعتقد أن الأمر بشكل أساسي هو حول التعاطف والإيمان بما تفعله. أن تجعل كل شيء يخصك حقيقيا.»
ورشحت مرةً ثانية عام الفين واثني عشر لجائزةِ الأوسكار عن دورِ أرملة وحيدة تعاني من مشاكل نفسية في «سيلفر لاينينغ بليبوك» وفازت بها. ونالت ترشيحا ثالثا عن أدائِها دور زوجة عضو عصابة اختلاس في «امريكان هاسل» في العام التالي، ورابعا عن دورِ ِالبطولة في «جوي» عام الفين وخمسة عشر.
لكن كان نجاحُ سلسلةِ «العابِ الجوع» في شباكِ التذاكرِ العالمية، هو ما جعل منها أشهرَ نجماتِ هوليوود وأكثرَهن نفوذا ودخلا. إذ وصل دخلُها الخاص الى ستةٍ واربعين مليون دولار عام الفين وخمسة عشر، واثنينِ وخمسين مليون دولار عام الفين وستة عشر. كما حصدت أفلامُها خمسةَ مليارات ونصف المليار دولار في شباكِ التذاكر. ومع ذلك، لم تتوقف عن المطالبة بمساواةِ الاجورِ بين الرجالِ والنساء. «عداله وانتصار»، تضحك لورنس: «هذا من حقي. أنا اكتسبت ذلك. عملت بجهد وعشت بشقة مليئة بالجرذان عندما كنت في الرابعة عشر شاركت طعامي مع جرذ. عملت بجهد لكي أصل الى ما وصلت إليه. لذلك أشعر بالفخر حقا.»

حياة لورنس الخاصة

لكن للشهرة ثمنها، إذ تحولت حياةُ لورنس الخاصة الى مسرحٍ عام، أمام الملايين من معجبيها. وفي عام الفين وخمسة عشر اُخترقَ حاسوبُها، وسُرقت صورٌ شخصيةٌ لها، كما حدث في «أم» حيث اخترق الغرباء بيتها وعاثوا به خرابا ولم تنجح في طردهم منه. فهل يعكس الفيلم واقعَ حياتِها؟
«غير صحيح»، تصر لورنس «لأن الموضوع بالنسبة لي أكبر بكثير من ذلك، مثل خلق وتدمير الكون. الأمر الوحيد المشابه بحق نوعا ما مع المشاهير هو أن الناس يشعرون أن لديهم الحق كل الوقت. فهذا موضوع كبير في حياتي وهو احساس الناس بأن لديهم الحق كل الوقت وهم ليس لديهم الحق.»
ولكن الشاعر الشهير يرحب بمعجبيه في بيته ويغذي غروره باعجابهم به واهتمامهم بإبداعه. فعندما تسأله زوجته عن غاية وجودهم في بيته يرد عليها مفتخرا بنفسه: «هم جاءوا الى هنا ليقابلوني». وكأنه كان نبيا جاءوا إليه للموعظة والتبرك به: «بالنسبة لي حين شاهدته، رأيت الناس يتجادلون حول معنى وتعريف الإنجيل مثل «أنا أحس أن هذه الكلمات كتبت من أجلي» أو «أنا أرى الموضوع بهذه الطريقة» أو «كلا، أنا أراه بتلك الطريقة». بالنسبة لي هذه هي بداية دين.»
وفي الوقت نفسه تعترف أنها هي نفسها تمر بتجربة مشابهة منذ أن حققت شهرتها العالمية، إذ أن الناس باتوا يتطلعون لها كقدوة يودون سماع رأيها ويتوقعون منها أن تنهض وتقود في عدة مجالات مثل النضال من أجل حقوق المرأة أو ينظرون اليها للرد على تصرفات هارفي واينستين البذيئة تجاه النساء. «أنت تملك هذا الصوت الذي سيستمع له الجميع، فإما أن تستخدم هذا لمصلحتك وهذا طبيعي. وكما تعلم، الناس ترغب فقط بمشاهدة أفلامي ثم أذهب الى البيت وانتهى الأمر وهذا طبيعي، وهذه كانت فكرتي الأصلية عن مهنتي ولكن هذا لم يحصل. لا أدري، أنت تحس أن لديك هذا الصوت. ماذا ستقول؟ ماذا ستفعل به؟».
النجمة العالمية تستخدم صوتها في تسليط الضوء على قضايا مهمة للعالم والإنسانية من خلال فعالياتها الخيرية والاجتماعية: «أقوم بجذب الاهتمام لأمر يستحق الإهتمام، مثل فرق الاجور بين الجنسين أو لدعم النساء والفتيات ومحاولة منع حدوث أشياء مثل انتهاكات هارفي واينستين. ولكني لا أرغب أن ينسى الناس أنني ممثلة وحسب ولا أملك الخبرة في أمور أخرى.»
بغض النظر عن خبرتها او تمكنها في مجالات أخرى فالممثلة ابنة السابعة والعشرين من العمر هي أكثر نفوذا من المفكرين والسياسيين بفضل شهرتها العالمية، وسيستمر الملايين من معجبيها حول العالم بالنظر لها لترشدهم الى درب الصواب وكأنها كانت تملك قوى فوق بشرية خارقة. فهل أصبح المشاهير أنبياء هذا العصر كما ورد بالفيلم؟

جينفر لورنس بطلة فيلم «أم» تستهجن التآمر على الفيلم لإفشاله رغم أنه يلخص قصة الكون

حسام عاصي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left