الأدب الثوري ضرورة لاحداث صدمة في وعي المجتمع: اليمني وجدي الأهدل: وظيفة الروائي فضح بذور الكراهية وإتلافها

Dec 08, 2017

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: وجدي الأهدل قاص وروائي يمني من مواليد 1973، حاصل على بكالوريوس آداب من جامعة صنعاء. يُجمع قُرّاء كتاباته على كونه أحدَ أصفى الأقلام السردية العربية وأشدّها اشتباكًا مع واقعها. نشر كتبًا عديدةً في القصة والرواية، كما كتب المسرحية والسيناريو السينمائي. من أشهر رواياته «قوارب جبلية» التي عاش بسببها محنةَ التهديد بالقتل من قبل بعض المشايخ، و»بلاد بلا سماء»، و»حمار بين الأغاني». ومن مجموعاته القصصية نذكر «صورة البطال» و»حرب لم يعلم بوقوعها أحد» و»وادي الضجوج». ترجمت روايته «حمار بين الأغاني» إلى الإيطالية ونشرتها دار نشر (Poiesis)، ونشرت دار (bachari) في باريس ترجمة روايته «قوارب جبلية»، وصدرت الترجمة الإنكليزية لروايته «بلاد بلا سماء» عن دار (garnet) في لندن. وقد تمّ تكليفه مؤخّرا من قبل مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بإدارة تحرير سلسلة «بواكير السرد اليمني». وبهذه المناسبة ارتأت «القدس العربي» أن تحاوره حول تجربته الكتابية في اتصالها بالواقع اليمني وبالكتابة السردية العربية الجديدة.

كتابةُ الصدمةِ

■ عشتَ تجربةً مُرّةً مع الرقابة الأدبية في اليمن زمن علي عبدالله صالح، بسبب روايتك «قوارب جبلية» وأنقذك منها الروائي غونتر غراس. ما الذي استفدته من هذه التجربة؟
□ لقد استفدتُ خبرة عظيمة، وهو وجوب تضامن المثقفين مع بعضهم بعضا إذا أرادوا العمل فعلاً على تغيير المجتمع وإحداث التنوير المطلوب منهم. إن النهضة التي نأمل تحققها لن تولد من تلقاء نفسها، ولكنها تحتاج إلى جهد يومي دؤوب من حملة راية التنوير. صحيح أن وساطة الروائي الألماني غونتر غراس هي التي أعادتني إلى بلدي، وكفت عني الملاحقة القضائية، ولكن قبلها أنقذني من الموت التضامن الواسع الذي أبداه المثقفون اليمنيون وبشجاعة منقطعة النظير، فألجم تحركهم القوي السلطة وأدى إلى أن تعيد النظر في حساباتها.. وإنني أنتهز الفرصة هنا لأوجه التحية لكل المثقفين اليمنيين الذين أظهروا بطولة نادرة بتضامنهم معي في وجه السلطة. الأمر الآخر الذي استفدته من تلك المحنة، هو أن على الكاتب القبول بالمخاطرة، وأن يعلم أنه يعمل في مهنة محفوفة بالمخاطر العالية.. الكتابة مسؤولية، بمعنى أن على الكاتب أن يقول الحقيقة، ولو كلفه ذلك فقدان أمانه الشخصي، ودخوله في صراع مفتوح مع السلطة بأذرعها الأمنية والحزبية والدينية.. وفي عام 2002 صرح غونتر غراس للأدباء العرب الذين حضروا مؤتمر حوار الحضارات المنعقد في صنعاء قائلاً، إن الكتابة هي عمل خطر، وأن أول من يشعر بخطورتها هي السلطة، وعلى من يتجنب كتابة أشياء خطيرة أن يبحث عن مهنة أخرى.. حتى إنه قال ساخراً: «لماذا لا يعمل حلاقاً؟». وكان قوله هذا تعريضاً بمن قال إن الأدب ينبغي ألا يتجاوز الأعراف والتقاليد، وأن يتوافق مع قيم المجتمع، الخ.
■ ما يُلاحظ في كتابتك هو أنّ نصوصَك الأدبيّة ضاجَّةٌ بما يوجد خارجَها ومتمرِّدة عليه. بمَ تُفسِّرُ هذه الحال الإبداعيّة؟
□ الأدب الثوري المتمرد أراه ضرورة لإحداث «صدمة» في وعي المجتمع. لا يختلف اثنان على أن المجتمعات العربية فشلت في تحقيق مشروع النهضة. وأزعم أن الثقافة التي تعتمد أسلوب المعالجة بـ»الصدمات» قد يمكنها فعل شيء ما لتغيير هذا الواقع المرير. وإذا كنا سنكتب أدباً يُرضي الجميع ويُسلي الجميع ويُصَفَّقُ له في المحافل فهذا الأدب ليس مفيداً، إنه يقوم بوظيفة التسرية عن النفوس، مثل إلقاء النكات. الأدب الجيد ليس نكتة، مع احترامي لفن التنكيت الذي أحبه جداً، ولكنه ـ أي الأدب ـ أداة فعالة للتنوير وزرع المبادئ الإنسانية في الضمير. وأعتقد أن الأديب الذي يتعالى على القارئ واحتياجاته هو إنسان نرجسي.. وعندما يتباهى الكاتب بأنه إنما يكتب لنفسه فقط، فهو ليس كاتباً، بل هو مريض نفسي ويُزاول الكتابة كنوع من العلاج. يُسمى هذا المرض في علم النفس الفصام ـ شيزوفرينيا، أيّ انفصال المرء عن الواقع.. وإن الكتابة المنفصلة عن واقعها هي أيضاً كتابة فُصامية، وليست كتابة إبداعية.
■ انشغلت الرواية اليمنية خلال العقديْن الماضيَيْن بتسريد مسائل الهجرة والحرب، وانتهاك حقوق المرأة، فهل يوجد في اليمن الراهن ما هو أولى بالكتابة من تلك المسائل؟
□ نعم، هناك ظاهرة تعاطي «القات» التي استشرت بصورة متزايدة بين الرجال والنساء، والعدد في ازدياد، ولعل أحداً لا ينتبه أن هذه الشجرة هي العدو رقم واحد لليمنيين. فزراعتها تأتي على حساب أجود الأراضي الزراعية التي تزرع البن اليمني الشهير واللوز والفاكهة وغيرها من الثمار التي كانت تدر دخلاً عالياً على اليمن بالعملات الصعبة. وهذه الشجرة تستنزف كميات هائلة من مخزون المياه الجوفية، حتى أن مدينة صنعاء سوف ينفد مخزونها الجوفي من المياه خلال بضع سنين، وستحتاج إلى تحلية المياه من البحر! ويستنزف متعاطي القات نصف دخله أو أكثر على شراء القات، فهو من عوامل إفقار المواطن اليمني المحدود الدخل. إضافة إلى أضرار القات الصحية الكثيرة. هناك ظاهرة السلطة الفاسدة، وهي ظاهرة مشتركة بين جميع الدول العربية، ولكنها في اليمن محمية بالقبيلة التي تحول دون تطبيق أية عقوبات على الفاسدين. وهناك ظاهرة العنصرية المتخفيّة داخل المجتمع اليمني، وهي ظاهرة تتعلق بالأنساب والأصول القبلية والانتماء المناطقي، وسبب هذه العنصرية الجاهلية هو أن المجتمع اليمني لم يمتزج بعد في مجتمع مدني واحد، فما يزال اليمن شعوباً وقبائل يغلب عليها الفخر والتباهي بالسلاح والاعتداد الشديد بالنفس واحتقار الكثير من المهن اليدوية.

تلقين الكراهية

■ هل باستطاعة الرواية العربية التي تُكتَبُ الآن أن تُنبِّه القارئَ العربيَّ للمخاطر المُحْدِقَة بحاضره ومستقبِله على غرار ما فعلت القصيدة في النصف الثاني من القرن الماضي؟
□ لابد أن يلتفت الروائي إلى هذا الأمر بوصفه روائياً، أيّ أنه يمتلك البصيرة الصحيحة فيأتي بتقدير صائب للمستقبل.. والمعنى أن الروائي ليس عرافاً ولا متنبئاً، ولكنه يرى البذور التي يبذرها المجتمع، فيعلم علم اليقين لا على التخمين ما سوف يحصده. وواجب الروائي اليمني والليبي والعراقي والسوري ونظرائهم في الدول العربية الأخرى فضح بذور الكراهية والتنبيه إلى إتلافها، على أمل أن تنجو أجيال المستقبل من التطرف واستباحة الدماء وازدراء العلم والأدب والفن. إنها مهمة مقدسة، لأن هناك تعبئة اجتماعية خاطئة، وينبغي علينا أن نقر بذلك، ضد الآخر المختلف عنا.. هناك تلقين للكراهية وترسيخ لها، ورفض للتعايش الذي يبدأ أولاً مع الغريب البعيد، ثم ينتقل تدريجياً إلى جارنا القريب، ثم إلى بيتنا نفسه.
■ ملأ الشاعر عبدالعزيز المقالح دنيا اليمن وشغل ناسَه بأشعاره ومواقفه السياسية، فهل يمكن القول بأن شجرة المقالح قد حجبت أسماء إبداعية كان يمكن لها أن تحقّق الإضافة في المشهد الثقافي اليمني (أستحضر هنا الشاعر البردّوني)؟
□ إن للشاعر عبدالعزيز المقالح يداً خضراء على ثلاثة أجيال من المبدعين اليمنيين على الأقل. وبالنسبة لي فإن أول من بذرني في تربة الأدب هو الشاعر عبدالعزيز المقالح. وإنني أتذكر إلى الأبد تاريخ ميلادي الأدبي، وهو يوم الخميس الثلاثين من مارس/آذار عام 1995 حينما نشر لي المقالح قصتين قصيرتين مع تنويه يُبشر بموهبتي في الصفحة الثقافية التي يُشرف عليها. لذلك القول إن نجوميته قد طغت وحجبت الإبداع اليمني فيها الكثير من الظلم والتحامل، فالموهبة الحقيقية لا يقف في طريقها أيّ شيء، ولكن ربما جنى على الإبداع في اليمن الموقع الجغرافي المتطرف، والاضطرابات السياسية التي لم تسمح بحدوث تراكم ثقافي، والنزعة المحافظة المستولية على طبائع اليمنيين فتجعلهم غير ميَّالين لقراءة الأدب الجديد، وبالتالي حرمان الأدباء المعاصرين لهم من التقدير المادي والمعنوي. وأما عن الشاعر عبدالله البردوني، فهو اليوم يكاد يتحول إلى شخصية أسطورية في نظر اليمنيين، إن أشعاره تنشد في كل مكان: في المقاهي وفي المدارس وفي كل تجمع، ولا تخلو صحيفة أو مجلة أو منشور في وسائل التواصل الاجتماعي من الاستشهاد بشعره.. هو اليوم قد ارتقى إلى مرتبة البطل الوطني الذي تتنازعه جميع الأطراف، ويوماً بعد يوم تزداد مكانته وشعبيته.. إنه حالة خاصة جداً، فهو لم يعد شاعراً فقط، ولكنه الآن أيقونة شعبية ورمز لمقاومة الاستبداد.
■ ما مدى وجاهة القول: كلّ ما يوجد في اليمن إنما هو سياسيّ حتى الكتابة؟
□ هذا التعميم خاطئ كلياً، لأن السياسة لم توجد قط في اليمن! وبما أن السياسة هي «فن الممكن» فإن اليمنيين لا يعرفون هذا الفن مع الأسف، إلا إذا كانت الحروب الأهلية والمجازر والاغتيالات والاعتقالات وتنازع القبائل على السلطة والنفوذ شكلاً من أشكال السياسة! نحن يا صاحبي مجتمع قبلي تتوزع فيه السلطة بحسب قوة العشائر والقبائل، أما هذا الشكل المدني من ممارسة السلطة كالدورات الانتخابية والمجالس التشريعية فليس عندنا منه سوى تقليد فج وصورة مزيفة عن «السياسة». ولذلك لا لوم إذا أتت الكتابة مشتبكة مع هذا الواقع بتعقيداته المذهلة، فهناك ترابط عضوي بين جميع مشاكلنا، وإن الكاتب الذي يتجاهل كل هذا وينشغل بالكتابة عن عالمه الداخلي المغلق هو إنسان فقد الإحساس بمعاناة الآخرين، وأقول له أين ضميرك؟ إن الكتابة عن المعاناة البشرية لا يمكن أن تعد كتابة سياسية، إنها كتابة إنسانية بامتياز، ومن العار ألا نقف في صف الضعيف والمضطهد والمسلوب حقه ولو بالكلمة.
■ ما هو جديدك الإبداعي؟
□ صدرت لي قبل أيام مجموعتي القصصية السادسة، وعنوانها «وادي الضجوج» عن الأمانة العامة لجائزة الدولة للشباب. وفي الطريق مجموعة قصصية عنوانها «التعبئة» جميعها تسرد حكايات طريفة عن الحكام الديكتاتوريين، ولعلي أفرج عنها قريباً بعد أن غادر السلطة آخر ديكتاتور كتبت عنه، وهو الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي.

 

الأدب الثوري ضرورة لاحداث صدمة في وعي المجتمع: اليمني وجدي الأهدل: وظيفة الروائي فضح بذور الكراهية وإتلافها
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left