السياسات الراكدة في مقابل العداء الاختزالي

 

لطفي العبيدي

Dec 08, 2017

كثيرا ما ردد الغرب فكرة أن المجتمعات العربية غير ناضجة وليست مؤهلة للديمقراطية، وهي أحكام معيارية وليدة إمبريالية سياسية وثقافية مُشبعة بالعداء والكراهية والصدام الحضاري.
وهناك عمل مقصود لإلغاء الوعي المنهجي، وجعل المواطن العربي لا يطرح سؤال: لماذا هذا التأخر والجمود الفكري والسياسي؟ بل تركه يُتابع بوعي الغرور والصلف السياسي لمدعي الاستقامة والكمال الخُلقي. أولئك الذين يبحثون عن الاطراء والمديح لأجل غير مسمى.
وما يحدث في الساحة السياسية العربية ردود أفعال تستجيب لمعطى المصالح المتضاربة، وتُمرر تحت بند الوصفة السحرية «محاربة الفساد»، وهي البضاعة الرائجة في زمن السياسات الراكدة، وانعدام الأفق والمنهج ضمن أطر الحكم والقيادة. تلك هي السنن التقليدية المتوارثة في ما يبدو، وهدفها الأول تصفية خصوم السياسة والمناصب واِبعادهم، والمواطن في كل ذلك هامشي في أوقات الأزمة أو في غيرها. والنقد ليس جريئا بل جبانا يتوسل أصحابه لغة متحذلقة مُزخرفة، وفي معظمها تقريظ ومديح وإطراء. أما «النقاش» فما زال أيديولوجيا أو يُراد له أن يكون أيديولوجيا، حين يتعلق الأمر بالأمور الجدية. وفي الأثناء، نَنْظُر، فنجدُ الأغلبية الصامتة وكأنها عاجزة بخمودها تنسجم مع ذاتها في إفلاس تفسيري.
ليس ذلك بالأمر المستغرب، خاصة عندما تشتغل إرادة الهيمنة في عصرنا وفق منهج جرى فيه قصف وعي الفرد، وتتالت محاولات تدميره تماما من خلال كميات هائلة من المعلومات، التي تهدف أساسا إلى توليد نوع من القبول وتغييب المساءلة، وخلق سلبية جمعية تعمقها استراتيجية الإلهاء التي تشتغل في اتجاهات متعددة. فالقوى الغربية وكأننا بها ما زالت تُدير الحكم في المستعمرات بالنظر إلى حجم نهبها وتفقيرها للبلدان من ثرواتها وجميع خيراتها، التي لا ينتفع بها مواطنوها، في الوقت الذي تتزايد فيه أشكال الصراع حول المصالح الجيوسياسية وتتداخل شرقا وغربا، والكل يعمل على خلق لوبيات ضاغطة في مراكز القرار الاقتصادي والسياسي، خدمة لمآربه وتفعيلا لأجنداته ضمن معطى براغماتي ساهم في تعميق حالة التبعية للغرب، باحتواء مباشر للدول العربية والإسلامية، مع تفاقم ظاهرة العولمة وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة التي عمقت بدورها التفاوت بين دول الشمال والجنوب وأنتجت أزمات اقتصادية متلاحقة. ومثل هذا التعامل ضمن علاقات السياسات الدولية يدعمُ حقيقة زيف القيم الديمقراطية التي تدعيها أمريكا ومتذيليها، ويجعلها مكشوفة أمام العالم، فعقيدة الدولة المارقة ما زالت سارية المفعول، سواء تولى الديمقراطيون الحكم أو عاد الجمهوريون إلى البيت الأبيض، وما المأساة التي تعانيها الشعوب العربية، إلا نتيجة لدعم أمريكا لحكام المنطقة ضد تطلعات شعوبهم. فالأنظمة الديكتاتورية العربية تلقت الدعم التام من قبل أمريكا، وهم وُكلاء للغرب عموما وتلامذة نُجباء وفروا تكلفة الاستعمار المباشر وخدموا أسيادهم بتفانٍ وإتقان.
في غياب مبادئ التعاون الإنساني والمساواة الحقيقية ومصادرة السيادة لصالح الشركات الربحية يُطمس مفهوم حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، وما الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة منذ القرن الماضي إلى حدود هذين العقدين من الألفية الثالثة في كل العالم من آسيا إلى أمريكا إلى إفريقيا إلى أوروبا إلا دليل على هشاشة وضعف النظام النيوليبرالي الذي ولّد مثل هذه الأزمات وهو أمر يشي بردود أفعال احتجاجية ربما تكون أكثر حدة مما حدث سابقا، رفضا لمثل هذه السياسات التي عمقت التفاوت بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وجعلت فئات واسعة من الشعوب تدفع فاتورة خيارات رأسمالية معادية للنظام الإنساني وللعدالة الاجتماعية، ومُغيبة للحل الديمقراطي والإنساني، ويبدو أن كثيرا من الدول العربية تستسلم اقتصاديا وثقافيا لهذا النظام المتردي ما يجعلنا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى طاقة ثورية تنهل من دوافع النزعات الديمقراطية المطلوبة لتكريس نظام اجتماعي مغاير يكون أكثر إنسانية وعدالة وديمقراطية.
كاتب تونسي

السياسات الراكدة في مقابل العداء الاختزالي
 
لطفي العبيدي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left