الإسلاميون والنظام المغربي العدالة والتنمية: أمن الإدماج إلى التذويب؟

المعطي منجب

Dec 08, 2017

هل سيحصل لحزب العدالة والتنمية ما حصل خلال العقود الأخيرة في المغرب للأحزاب الأخرى التي شاركت في الحكم، أي الضعف والتبعية للنظام بعد القوة والاستقلالية عن الحكم؟ لقد رأت فعلا كبريات الأحزاب الوطنية نسيجها الاجتماعي يترهل وشعبيتها تضعف لتخور قواها التنظيمية في الأخير. فماذا كانت النتيجة؟ أصبح زعماؤها يتصارعون على الكراسي الحكومية أكثر مما يقارع بعضُهم البعض بالأفكار والبرامج كما أصبح الأعيان – عوض المناضلين- يشكلون القوة الضاربة أثناء مؤتمراتها الإقليمية ثم الوطنية واجتماعاتها التعبوية ثم التقريرية.
وهنا يتبادر لذهني ماسماه ابن خلدون «بأطوار الدولة» أو ما يمكن أن نعبر عنه، نظرا لموضوع مقالنا، «بالدورة الحزبية». فابن خلدون يشبه حياة السلالات الحاكمة أوالدول بحياة الإنسان الفرد. حيث يمر هذا الأخير من الطفولة وهي توافق مرحلة التأسيس بالنسبة للدولة، ثم يأتي الشباب (القوة والعنفوان والتوسع) ثم الشيخوخة والوهن فالاندثار. والعصبية عند ابن خلدون عامة وخاصة: فلما تحصل الغلبة لعصبية خاصة أي لما تحصل هاته على المُلك وتسيطر على أجهزة القرار فإن العصبيات الخاصة الأخرى تخضع لها على مضض حفاظا على الذات أو تتحالف معها لاقتسام المنافع منتظرة ظروفا أفضل للانتفاض عليها وتعويض مُلكها بمُلك جديد.
وحتى لا نطيل وندخل في تفاصيل المقاربة الخلدونية المتشعبة فإن ما يعنيه المؤرخ المغاربي الكبير بالعصبية العامة هي في سياقنا المغربي الملَكية وامتدادها الاجتماعي والسياسي، أي المخزن والبنية الاقتصادية المرتبطة به. ولنسمي الأحزاب عصبيات خاصة. في المنظار الخلدوني لما تنتقل الرئاسة من عصبية خاصة إلى أخرى يمكن ألا يؤثر ذلك كثيرا في الاستقرار والمصالح العامة أو فلنقل في نوعية اشتغال النظام العام (The Operation of the System).  
وكما يقول محمد عابد الجابري إن المسألة «لا تتعلق بدورة تاريخية اجتماعية كما قد يتبادر لذهن الكثيرين وإنما يتعلق الأمر فقط «بدورة عصبية»، أي بانتقال الحكم والسلطة من عصبية إلى أخرى مماثلة داخل عصبية عامة واحدة [...] أما إذا انتقل الحكم من عصبية عامة كبرى إلى أخرى مماثلة لا تربطها بها أي رابطة عصبية، فحينئذ يكون الخلل الذي يصيب العمران عظيما وكبيرا.» انتهى كلام الجابري.
إن النخبة الحاكمة في المغرب منذ الاستقلال تريد، بوعي أو لا وعي، تطبيق ما يشبه النظرية الخلدونية وذلك عبر الدورات الحزبية عوض «الدورة العصبية». وإذا ما بدا لها أن شباب وعنفوان دورة حزبية قد طال أكثر من اللازم فإنها تتدخل لإنشاء عصبية مضادة وهي في حالتنا هذه، حزب الأصالة والمعاصرة. وتُظهر التجربة التاريخية للمغرب المستقل أن من مميزات العصبية المضادة – المخلوقة خلقا – أن يكون لها محتوى أيديولوجي مناقض. فلمقاومة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خُلق حزب «ليبرالي» هو التجمع الوطني للأحرار (السبعينيات). وللوقوف في وجه حزب الاستقلال الوطني العروبي والحضري، أُنشيء حزب «أمازيغي» وقروي هو الحركة الشعبية. ولإضعاف حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ، بادرت الدولة إلى التشجيع على خلق الأصالة والمعاصرة. والأخير «علماني» إلا فيما يخص إمارة المؤمنين و»تقدمي» إلا فيما يخص فصل السلطات وتوزيعها بين الملك والبرلمان والحكومة، فرأيه أن يبقى القصر متحكما في القرار حتى لا يخرب العمران وحتى تبقى «العصبية العامة» بمنأى عن أي تغيير أو تطوير.
وهل يمكن أن نجيب الآن عن السؤال المركزي الوارد في العنوان، أي هل ستنجح الدولة في المرور بالعدالة والتنمية من مرحلة الإدماج الابتدائي في النظام إلى تذويبه في بنيته أي إلى اندثاره كقوة فاعلة ومستقلة؟ سيكون من المجازفة طبعا الجواب سلبا أو إيجابا بطريقة واضحة ونهائية. إلا أن هناك مؤشرات عديدة أصبحت بادية للعيان، على الأقل منذ 2016 ، تدل على أن هناك شبه اتفاق داخل النخبة المتحكمة في القرار أن الوقت أتى للتخلص من حزب العدالة والتنمية كحزب مستقل. فمن يمثل هذه الاستقلالية الآن هو الأمين العام عبد الإله بنكيران، ولكن ضغط النظام مستمر منذ أكثر من سنة وبكل الأشكال والوسائل «لإقناع» الحزب المشرف على تنظيم مؤتمره الوطني بضرورة دفع بنكيران نحو باب الخروج. إن مسؤولين حزبيين عدة قد صرحوا في اجتماعات داخلية لهيئات الع
دالة والتنمية تسرب ما جرى خلالها إلى الصحافة، بأن الاحتفاظ بعبد الإله بنكيران يعني الصدام لا محالة مع الدولة. كما أن الإعلام الرسمي وكذلك الصحافة القريبة من أجهزة الداخلية تشن منذ مدة طويلة حملة تشويه وتشهير ضد الأمين العام والقياديين الذين يدافعون عنه كعبد العلي حامي الدين وعبد العزيز أفتاتي.

كاتب من المغرب

الإسلاميون والنظام المغربي العدالة والتنمية: أمن الإدماج إلى التذويب؟

المعطي منجب

- -

2 تعليقات

  1. المعادلة واضحة في المسرح السياسي المغربي، أي حزب سياسي لا يحمل مشروع الإنتقال بنظام الحكم في المغرب إلى ملكية برلمانية على شاكلة الملكيات الأوربية ببرنامج واضح المعالم وذلك في حيز زمني لا يتعدى ثلاث إلى أربع سنوات، سيعرف كغيره من الأحزاب الوطنية السابقة ( حزب الإستقلال ثم الحزب الإشتراكي وأخيرا حزب العدالة والتنمية ) نهاية مأساوية تحوله إلى مجرد رقم من الأرقام في الساحة السياسية، لا شك أن نجم العدالة والتنمية قد أفل، من المنتظر أنه سيعرف انتكاسة في الإنتخابات القادمة ليتحول بعدها إلى معارضة باهتة وخافتة الصوت.
    قبيل وفاة الملك الراحل الحسن الثاني، احتاج لتأمين انتقال الملك لوريثه في ظروف سلسة إلى قوة سياسية من المعارضة تتمتع برصيد نضالي وقاعدة شعبية يشركها رمزيا في الحكم، فلم يجد غير الحزب الإشتراكي العتيد بزعامة السيد اليوسفي الذي كان يحظى بتقدير النخب والعوام، لما استقر الحكم ولعب الحزب الإشتراكي الدور الذي خططت له المؤسسة الملكية ما عاد وجوده في الحكومة ضروريا فتم التخلص منه بتدبير محكم. جاءت انتفاضات الخريف العربي ووجدت المؤسسة الملكية نفسها مرة أخرى في مأزق، فكان الخيار المتبقي هو إقحام حزب إسلامي يحظى زعيمه السيد بن كيران بتعاطف شعبي ويتمتع بكاريزما خاصة، فكان حزب العدالة والتنمية بمثابة طوق النجاة للمؤسسة الملكية من رجات انتفاضة شباب حركة ٢٠ شباط ومناصريهم. بعد هدوء العاصفة بدأت المؤسسة الملكية تسترجع نفوذها وتلك المساحات الضيقة التي تركتها خوفا وتوجسا بعد اندلاع الخريف العربي. استتبث الأمور بعدها للبلاط وانتهى دور العدالة والتنمية في المشهد السياسي. التساؤل المطروح اليوم في الأوساط الشعبية ليس هل سيصمد العدالة والتنمية ضد المخطط المعد له أم لا؟ فقد أصبح أفوله من شبه المؤكد وأضحى التكهن الذي يشغل الرأي العام : من ستسخر المؤسسة الملكية هذه المرة ليلعب الدور نفسه في فصول المسرحية السياسية المقبلة؟

  2. ما هو منطقي و حتمي، هو ان اي تركيب “system” كيف ما كان نوعه طبيعيا و فزبائيا و مجردا، لا بد له من التطور،
    مع الزمن و الا فانه سيفنى. هذا قانون الطبيعة، يحكم الخلق و ما اتجه من مادي و مجرد.
    .
    ارى ان ابن خلدون قد قارب القانون نفسه، على تركيبة مجردة، الا و هي “الدولة”.
    ،
    المفكر اوريد، في احدى ندواته، تطرق للامر نفسه من زاوية اخرى، تطبيقا على ما اسماه بالعقلية المخزنية للدولة المغربية،
    و انتهى الى ضرورة التطور الحتميد و الا، و هذا لم يقله، و الا الانذثار كاستنتاج منطقي.
    .
    بالنسبة للملكية في المغرب، المنطق و التفكير العميق يقول ان المغرب بحاجة لاستمرارها، لكن ان تطورت. اولا التطور يضمن
    لها الاستمرار، ثانيا التطور يضمن للبلاد التقدم. و على كل حال، تطور الملكية امر حتمي، و معاكسته سينتهي بعكسه.
    .
    ان قرأنا تجارب الملكيات في العالم، التي زالت و التي ما زالت موجودة، يتبين ان طريق التطور سيفظي بملكية المغرب الى
    ما يشبه الملكيات البرلمانية، و ليس بالضرورة مثلها تماما. هناك خصوصيات مغربية وجب مراعاتها. فامارة المؤمنين مثلا
    لا يمكن لاحد استلامها من شخص الملك، و لا اجد احدا يؤتمن على الجيش احسن من ملك المغرب، و القوة الناعمة للملكية
    في المغرب، كعلاقاتها و نفودها في العالم و خصوصا افريقيا، لا يمكن لاحد معادلتها، و من هذا الباب، ربما حتى الحقل الدبلماسي
    يجب ان تكون للملكية الدور الحاسم فيه.
    .
    هذا التطور الطبيعي لا يمكن ان يتم الا بتدافع بين احزاب مستقلة و القصر لانه هو الفاعل الرئيسي في الساحة. هذا التدافع
    يجب ان يكون بالاحترام المفروض، و الايمان الراسخ بالملكية.
    .
    و هنا تتجلى ضرورة الابقاء على حزب العدالة و التنمية، لانه ياسس الى هذا التطور، في ظل الاستقرار و الملكية.
    .
    بن كيران يجيد التدافع مع القصر بايمانه بالملكية، و القصر يحتاج الى هذا التدافع لكي يتطور.
    .
    بدون هكذا تدافع، سلس، صحي، في ظل الاستقرار، فالقلاقل آتية لا مفر منها.
    .
    حفظ الله المغرب من كل مكروه.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left