وسط رفض يوناني… أردوغان يطالب بتعديل اتفاقية لوزان في أول زيارة لرئيس تركي إلى أثينا منذ 65 عاماً

عداء وخلافات تاريخية وحديثة كبيرة بين تركيا واليونان

Dec 08, 2017

إسطنبول – «القدس العربي» من إسماعيل جمال: استهل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارته التاريخية إلى اليونان والتي تعد أول زيارة لرئيس تركي إلى اثينا منذ 65 عاماً بتوجيه انتقادات لاذعة لاتفاقية لوزان التي رسمت حدود تركيا الحديثة وحدودها مع اليونان، وطالب بتعديلها، وهو ما رفضته أثينا بشكل عاجل.
وعلى الرغم من أن أردوغان يهدف من خلال زيارته التي لاقت اهتماماً عالمياً واسعاً إلى تحسين العلاقات التاريخية والحديثة المتوترة مع اليونان، إلا أنه طرح النقاط الخلافية بقوة ومنها اتفاقية لوزان ومسألة قبرص والجزر المتنازع عليها والسيادة على بحر إيجه وقضية مسلمي تراقيا الذي اتهم اثينا بالتمييز ضدهم.
وخلال مؤتمر صحافي مع الرئيس اليوناني «بروكوبيس بافلوبولوس»، قال أردوغان إن معاهدة «لوزان»، الموقعة بعد الحرب العالمية الأولى تنصّ على تفاصيل دقيقة ما تزال غير مفهومة حتى الوقت الراهن، مشيرًا إلى ضرورة تحديثها بالقول: «لست أستاذًا في علم القانون، لكنني أعرف قانون السياسة جيدًا، ففيه شرط يقضي بوجوب تحديث الاتفاقيات، ونحن قادرون على تحديث ما أُبرم بيننا من اتفاقات، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك».
وتساءل: «كيف نقول بأنّ معاهدة لوزان (بين تركيا وعدة دول بينها اليونان) يتم تطبيقها وإلى الآن لم يتم انتخاب مفتي عام لمسـلمي غـربي تراقيـا (اليونانية ذات الأقـلية التركــية)»، واتهم أثينا بالتمييز ضدهم قائلاً: «الدخل القومي للفرد في اليونان حوالي 18 ألف دولار، لكن معدل الدخل القومي للفرد بالنسبة لشعب تراقيا الغربية لا يتجاوز الـ2200 دولار».
وبينما اعتبر أن هذا الأمر يدل على وجود تمييز وعدم تقديم الدعم اللازم لشعب تراقيا فيما يتعلق بالاستثمارات والخطوات الواجب اتخاذها لصالح الأقلية التركية في تراقيا الغربية، قال إنه «لا يمكنكم رصد أي تمييز ضد مواطنينا الروم في تركيا، حتى في قضية معابدهم، أمّا في تراقيا الغربية فإنه من غير المقبول حتى كتابة كلمة «تركي».
وركز أردوغان على أوضاع الأقلية المسلمة التي تتواجد في شمال شرقي اليونان والتي من المقرر أن يزورها في جولته التي تستمر اليوم الجمعة أيضاً، وتعترف اليونان بمسلمي تراقيا على أنهم أقلية دينية لا أكثر حددتها معاهدة لوزان، في حين تعتبرهم تركيا أقلية تـركية، وتطـالب بتحـسين ظروفـهم.
ورأى أنه «ينبغي أن ننظر إلى النصف المملوء من الكأس ولا ننشغل بنصفه الفارغ، علينا أن نعزز علاقاتنا، آمل من خلال زيارتي وضع السنوات الـ65 الماضية جانبًا وأن ننظر إلى المستقبل»، معتبراً أن الهدف «أن نجد حلًا دائمًا وعادلاً للأزمة القبرصية، وكذلك بالنسبة لبحر إيجة».
ومعاهدة لوزان التي وقعت في 24 يوليو/ تموز 1923، حددت الوضع القانوني للجزر في بحر إيجة. وفي هذه المعاهدة، تم تحديد سيادة تركيا على بعض الجزر، إلى جانب نقل وتثبيت ملكية جزر لليونان وإيطاليا. وحسب المادة 16 من المعاهدة، فإن تركيا تنازلت عن كافة حقوقها القانونية من الجزر المذكورة في الاتفاقية، لكنها تمتلك حق المشاركة في تحديد مصير تلك الجزر.
وقبل وصوله لليونان قال أردوغان أيضاً في تصريحات لمحكة «سكاي» اليونانية: «في الحقيقة.. كل الاتفاقيات(المعاهدات) في العالم ينبغي تحديثها مع مرور الزمن.. لوزان أيضا.. أمام كل تلك التطورات.. بحاجة لتحديث.. هذا التحديث سيكون مفيدا ليس لتركيا فحسب، بل لليونان أيضا».

مخاوف يونانية

قال الناطق الحكومي اليوناني ديميتريس تساناكوبولوس في بيان إن تعليقاته «تثير مخاوف وتساؤلات. الحكومة اليونانية ورئيس الوزراء يرغبان في أن يكون سبب زيارته بناء جسور، وليس تشييد جدران»، وأضاف أن احترام المعاهدة «هو الأساس الحصري غير القابل للتفاوض الذي يمكن أن يقوم عليه التعاون الصادق بين البلدين. التعليقات الخاصة بمراجعة المعاهدة لا تسهم في الأجواء التي نحاول خلقها في علاقتنا وفي المنطقة».
وعلى الفور، قال الرئيس اليوناني إنّ «معاهدة لوزان»، تشكّل حجر الأساس في العلاقات القائمة بين بلاده وتركيا، وأنها غير قابلة للنقاش أو إعادة النظر، معتبراً أن «معاهدة لوزان أوضحت الحدود الجغرافية لكلا البلدين، وأنه من غير الممكن تعديلها أو تحديثها».
من جهة أخرى، وصف بافلوبولوس، زيارة أردوغان إلى أثينا بـ»الحدث التاريخي»، داعياً إلى تعزيز العلاقات بين الجانبين، مجدداً دعم بلاده لانضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، معرباً عن اعتقاده بأنّ زيارة أردوغان إلى أثينا تستحوذ على أهمية كبيرة بهذا الخصوص.

تاريخ من العداء

وتعاني تركيا واليونان من تاريخ طويل وحافل يمتد لمئات السنوات من العداء والكراهية تضاف إليه خلافات سياسية وجغرافية كبيرة، فمن بدايات طرد العثمانيين للبيزنطيين من إسطنبول (القسطنطينية) إلى احتلال تركيا لأراض يونانية وثم احتلال اليونان وحلفائها لإزمير التركية ومحيطها وصولاً لحرب الاستقلال التركية وطرد اليونانيين من أراضي الجمهورية التركية وما رافق هذه الحقبة من قتل وتدمير واتهامات بارتكاب مجازر متبادلة.
وحديثاً تواصلت الخلافات من أزمة جزيرة قبرص المقسمة إلى صراع النفوذ على الجزر الأخرى والمجال الجوي والبحري في بحرة ايجه، والصراع على النفط والغاز بالمنطقة، مروراً باتهام تركيا لأثينا بدعم العمال الكردستاني، ولاحقاً جماعة فتح الله غولن، وغيرها الكثير من الخلافات المتجددة.
وتعتبر جزيرة قبرص أبرز تجليات الأزمة والخلاف الحديث بين تركيا واليونان، حيث يسعى البلدين من أجل الحفاظ على نفوذهم على الجزيرة المنقسمة بين القبارصة اليونانيين والذين يسيطرون على قرابة 75% من مسحة الجزيرة، والقبارصة الأتراك الذين يسيطرون على الـ25% المتبقية.
وعقب سنوات من التجاذبات والخلافات، حاولت اليونان فرض سيطرتها الكاملة على الجزيرة من خلال انقلاب عسكري أطاح بالرئيس الموالي لتركيا لكن الجيش التركي تحرك عسكرياً عام 1974 لحماية القبارصة الأتراك وهو ما نتج عنه تقسيم الجزيرة، حيث لا يزال عشرات آلاف الجنود الأتراك يرابطون فيما يعرف الآن «جمهورية قبرص التركية» التي لم تحظى باعتراف دولي حتى اليوم.
ومنذ سنوات طويلة يحاول البلدين التوصل إلى اتفاق نهائي لتوحيد شقي الجزيرة أو تقاسم الأرض والثروات برعاية دولية وأممية ودعم أوروبي إلا أنهما فشلا في إحراز أي تقدم حقيقي ينبئ باحتمال إنهاء القضية التي تعتبر من أبرز الملفات التي تعيق انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
ولا تنحصر الخلافات بين تركيا واليونان على جزيرة قبرص، وإنما تمتد إلى العديد من الجزر في بحر إيجه بالإضافة إلى الصراع على النفوذ في البحري الإستراتيجي وحدود المجال البحري والجوي وتقاسم الثروات للبلدين في البحر الذي بات يوصف بأنه «كتلة لهب».
وعلى الدوام تتصـاعد أصوات تركية تنـادي بأحقية أنقرة بأراضي أخرى اضطـرت الإدارة التـركية الضـعيفة سـياسياً آنذاك التنازل عنها بموجب اتفاقيات باتت توصف بـ»الظالمة والمجحفة»، كان آخرها من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي طالب ولأول مرة العام الماضي بمراجعة اتفاقية لوزان، الموقعة عام 1923، والتي تم على إثرها تسوية حدود تركيا الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى.

أردوغان: الخصوم أرغمونا على التوقيع

وقال أردوغان إن «خصوم تركيا أجبروها على توقيع معاهدة سيفر عـام 1920، وتـوقيـع معاهدة لوزان عـام 1923، وبسبب ذلـك تـخلت تـركيا لليـونان عـن جزر في بحر إيجه، على الرغم من أن الصرخة من هناك تسمع على الشواطئ التركية»، في إشارة إلى قرب الجزر التي تسيطر عليها اليونان من السواحل التركية وإيمان شريحة واسعة من الشعب التركي بأنها تعود إليهم.
وحديثاً، تصاعد الخلاف بين البلدين حول تقاسم الثروات في بحري إيجه ومحيط جزيرة قبرص واستنفرت تركيا قواتها البحرية لمواجهة محاولات يونانية للبدء بالتنقيب عن الغاز في محيط الجزيرة.
وفي سياق آخر، تتهم أنقرة أثينا بإيواء ناشطين أكراد متهمين بالانتماء لتنظيم العمال الكردستاني وتنفيذ هجمات دموية ضد الجيش والمدنيين الأتراك ووصفت تركيا اليونان بأنها مأوى لتنظيم بي كا كا الذي يعتبر تنظيما إرهابياً في تركيا وأوروبا وأمريكا.
وحديثاً تصاعدت الخلافات بين البلدين على خلفية رفض أثينا تسليم العشرات من الضباط الأتراك المتهمين بالمشاركة في محاولة الانقلاب على أردوغان والتي جرت منتصف العام الماضي وهو ما زاد من غضب أردوغان الذي هاجم اليونان بشكل غير مسبوق واتهمها بإيواء «الخونة والإرهابيين والانقلابيين».

 

وسط رفض يوناني… أردوغان يطالب بتعديل اتفاقية لوزان في أول زيارة لرئيس تركي إلى أثينا منذ 65 عاماً
عداء وخلافات تاريخية وحديثة كبيرة بين تركيا واليونان

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left