القدس مدينة مقدسة حرة برغم القرار الامريكي

د. سعيد الشهابي

Dec 11, 2017

لم يكن قرار الرئيس الامريكي الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للكيان الاسرائيلي مفاجئا، فقد كرر عزمه على ذلك منذ الايام التي خاض فيها حملته الانتخابية. وبرغم ما يقال عن دونالد ترامب، فانه كان واضحا ازاء العديد من القضايا، ولم يجد نفسه مضطرا للتراجع عن تلك الوعود لأنه لم يواجه معارضة حقيقية خصوصا من الجهات التي تملك وسائل ضغط سياسية او اقتصادية. فلم تكن هناك مقاومة جادة لاطروحاته، بل كانت الدبلوماسية هي التي تؤطر مواقف دول العالم، وهي دبلوماسية تتحاشى التصادم المباشر مع رئيس اكبر دولة. ولكي يكون الاعتراض على سياساته مؤثرا، يفترض ان يشعر المواطن الامريكي ان وجود هذا الرئيس يمثل خطرا على هويته ومصالحه. فمثلا لو رفض الحكام العرب استقباله ولم يستقبلوه في الرياض وكأنه قائد مظفر، ولو أفشلوا رغبته في استحصال مئات المليارات من الدولارات التي قال انه سيستخدمها لتوظيف الامريكيين العاطلين عن العمل، لربما اضعفوا وجوده السياسي لان شعاراته الانتخابية ستكون قد تبخرت.
لو ان الشعوب العربية والاسلامية فعلت كما فعل بعض الشعوب الغربية التي اجبرت حكوماتها على رفض زيارته بلدانها كما حدث في بريطانيا لكان ذلك ضغطا عليه لاعادة النظر في سياساته. الغريب في الامر انه حتى بعد اصدار قراره المشؤوم الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي، لم تصدر الدعوات لقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية، وكأن تلك العلاقات امر مقدس لا يمكن المساس به. ألم تكن علاقات كوبا بامريكا مقطوعة خمسين عاما؟ أليست العلاقات بين طهران وواشنطن مقطوعة منذ قرابة الاربعين عاما؟ لقد كانت سياسات اوباما المختلفة تماما عن سياسات ترامب هي التي مدت الجسور مع كوبا وبدأت تواصلا محدودا مع ايران.
ثمة حقائق متصلة بظاهرة ترامب يجدر ذكرها لاستشراف بعض ملامح المستقبل المنظور لتوازن القوى بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والاسلامي. اولها ان الادارة الامريكية في عهد ترامب تحمل اجندة عنصرية صهيونية مكشوفة وانها تصر على تنفيذها. الثانية: انه بالرغم من ان ترامب هو الذي يتصدر المشهد السياسي الا ان المؤسسة الامريكية لم تعوق تلك الاطروحات. فادارته تنفذ اوامره، وحزبه الجمهوري الذي لم يرتبط به الا عندما قرر خوض معركة الرئاسة الامريكية، لم يتمرد عليه، وان الشعب الامريكي بعمومه فشل في اظهار اعتراضات حقيقية على سياساته. ثالثا: ان من اهم العوامل التي شجعته على مواصلة مشروعه في الشرق الاوسط تهافت بعض الزعماء لكسب وده والاستقواء به على مناوئيهم. وعندما اعلن قراره الاخير لم يجرؤ احد منهم على اعلان موقف عملي رادع، اما التصريحات التي صدرت عن العواصم العربية والاسلامية فكانت استجابة متواضعة للغضب الذي انتاب الجماهير، وكانت بروتوكولية فحسب وتفتقد الجدية والحزم، كما لم تصل مستوى التهديد بقطع العلاقات او تجميد بعض جوانبها على الاقل خصوصا الاقتصادية. فلو صدر عن الجامعة العربية مثلا قرار يمهل واشنطن اسبوعا لالغاء القرار قبل اعادة النظر في العلاقات، لكان ذلك ضغطا حقيقيا لن تستطيع امريكا تجاهله.
اما بيان وزراء الخارجية العرب يوم امس بادانة القرار واعتباره «باطلا وخرقا خطيرا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة» فلا يبعث رسالة قوية لواشنطن. ولو ان القرار شمل ايضا اشارة لاستخدام النفط سلاحا في المناكفة لكان لذلك اثره. ومن المؤكد ان تحركات الشعوب واحتجاجاتها سيكون له اثره فيما لو تواصلت وتصاعدت. رابعا: لو ان الدول العربية والاسلامية اعلنت تجميد خلافاتها والالتقاء على طريق التصدي للمشروع الامريكي الصهيوني لكان ذلك رسالة بليغة للادارة الامريكية. فمثلا لو اعلنت السعودية وحليفاتها وقف عدوانها على اليمن وتجميد خلافاتها مع قطر لكان لذلك صدى كبير لدى الشعوب وفي واشنطن والعواصم العالمية.
ولكن برغم غياب ردة الفعل المناسبة من الانظمة العربية فقد كانت الشعوب الاسلامية اكثر حضورا في ميدان التصدي للاعلان الامريكي الذي كان بمثابة اعلان حرب عليها نظرا لما تمثله القدس من اهمية في الوجدان الاسلامي والانساني. والملاحظ ان ردة فعل الجماهير في العالم العربي برغم حجمها، الا انها لم تكن بمستوى الحدث. وما عدا الشعب الفلسطيني الذي استشهد عدد من ابنائه في المواجهات والقصف الصهيوني، لم يكن هناك احتجاجات ميدانية الا في بلدان محدودة مثل تونس ومصر والبحرين ولبنان واليمن. وشهد شرق العالم الاسلامي حضورا ميدانيا واسعا ابتداء من ايران الى باكستان والهند وماليزيا واندونيسيا. وتصدى علماء الدين بمواقف تستحق التقدير، ضد القرار الامريكي. فاعلن شيخ الازهر دعمه للدعوات التي صدرت لانتفاضة فلسطينية جديدة، ورفض مقابلة مبعوث ترامب، واصدر المرجع الاعلى في العراق، السيد علي السيستاني، استنكارا شديدا ودعا لحضور شعبي رافض للقرار. كما اصدرت الزعامات الدينية والسياسية في اغلب البلدان العربية والاسلامية مواقف مشابهة. ماذا يعني ذلك؟ وما دلالات وحدة مواقف العرب والمسلمين، برغم ضعفها النسبي؟ وكيف يمكن الحفاظ على هذه الروح العربية والاسلامية التي تعالت على عوامل التشتت والتصدع، والتفت جميعا حول قضية فلسطين؟
عندما صدر القرار الامريكي كان مؤتمر الوحدة الاسلامية منعقدا في طهران، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف. هذه المرة كان الحضور متنوعا وشمل بعض وزراء الخارجية السابقين من العرب والمسلمين. احدث القرار صدمة كبيرة للمؤتمرين، فما استطاع احد من المتحدثين تجاوزها، بل القت بظلالها على جدول اعمال المؤتمر،. بدأ ذلك بالكلمة الافتتاحية للرئيس الايراني، حسن روحاني، الذي تحدث بلغة غاضبة ودعا لتوحيد الجهود لتحرير فلسطين. وكانت نبرة السيد علي خامنئي، مرشد الجمهورية الاسلامية، أشد غضبا ازاء المشروع الامريكي الصهيوني في المنطقة، وأكد ضرورة التصدي له بدعم الفلسطينيين ونهضة الشعوب الاسلامية لاستعادة هويتها وتركيز جهودها باتجاه فلسطين. اما الحاضرون فقد كانت احاديثهم الاساسية والجانبية مشدودة الى هذه القضية نظرا لما تمثله من تحد مكشوف لامة اكد السيد جواد العناني، نائب رئيس الوزراء الاردني ان عددها يبلغ 1،9 مليار انسان. ويمكن الادعاء بان القضية هيمنت على المؤتمر الذي خاض في نقاشات عميقة حول عنوانه الاساس: «الوحدة ومستلزمات الحضارة». ولم يغب عن اذهان الحاضرين العلاقة بين المفردتين، وان الحضارة لا تقوم الا في ظل وحدة الامة ووعيها في مناخات من الحرية والاستقرار. وترددت في كلمات المشاركين قضية فلسطين وكأنها عنوان المؤتمر. ولذلك اكد البيان الختامي عليها بشكل واضح مطالبا بالتصدي للخطط الامريكية والاسرائيلية الهادفة لكسر شوكة شعبها من اجل ضمان استمرار احتلالها. ومن الامور التي تكررت في مداولات المؤتمر ما يلي: اولا: ان العدو يتربص بهذه الامة ويستغل شتاتها وتصدع جبهاتها للاجهاز عليها. ثانيا: ان فلسطين ستظل القضية الجوهرية التي تجمع هذا الشتات ماضيا وحاضرا. ثالثا: ان اعلان الادارة الامريكية الاخير باعتبار القدس عاصمة للكيان الاسرائيلي يجب ان يكون دافعا لنهضة فلسطينية وعربية واسلامية ترتكز على الايمان والوحدة والحق والحرية ورفض الاحتلال والهيمنة. رابعا: ان المسلمين مطالبون باعادة بناء حضارتهم، وهذا لن يتحقق الا بوحدتهم من جهة وتفعيل دور العقل في حياتهم، ونبذ الصراعات المفتعلة في ما بينهم.

كاتب بحريني

القدس مدينة مقدسة حرة برغم القرار الامريكي

د. سعيد الشهابي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left