الخطر يُهدد كل الفلسطينيين

محمد عايش

Dec 12, 2017

مخاطر كبيرة ومصيرية واستراتيجية تواجه القضية الفلسطينية برمتها اليوم، وليس فصيلا واحداً أو طرفاً بعينه، والعبث الذي يجري اليوم يمس قضايا ذات إجماع وطني وتاريخي، ولا يختلف عليها فلسطينيان، وفي مقدمة هذه القضايا: القدس واللاجئون، ولذلك فإن كل الفلسطينيين أصبحوا اليوم في مركب واحد، والخطر يواجه الجميع بما في ذلك السلطة الفلسطينية التي تحظى باعتراف دولي.
القرار الأمريكي بنقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، على الرغم من خطورته الشديدة، إلا أنه ليس الخطر الوحيد الذي يواجه الفلسطينيين وقضيتهم اليوم، كما أن أهم ما يميز مخاطر اليوم هي أنها لا تهدد شريحة من الفلسطينيين دون غيرهم أو فصيلا دون آخر، كما كان الحال مثلاً خلال الحروب الثلاث التي استهدفت قطاع غزة عندما كانت تشكل تهديداً للقطاع وسكانه، إضافة إلى كونها تُهدد حركة حماس دون غيرها من الفصائل.
ما يجري اليوم هو أن السلطة الفلسطينية برمتها أصبحت مهددة، على الرغم من أنها نتيجة اتفاق دولي رعته الولايات المتحدة، واعترف به العالم وأودع لدى الأمم المتحدة. كما أن كافة الفصائل مهددة بلا استثناء من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، ويأتي هذا التهديد الوجودي والمصيري للشعب الفلسطيني، متزامناً مع انشغال عربي غير مسبوق، إضافة إلى هرولة خليجية غير مسبوقة أيضاً نحو التطبيع مع إسرائيل والتغزل بها، مع كيل الشتائم للشعب الفلسطيني، الذي لا علاقة له مطلقاً بالأزمة الخليجية الحالية! الحِراك الذي تشهده المنطقة حالياً إزاء القضية الفلسطينية يؤكد أنه يوجد ما يتم الترتيب له على مستوى دولي وإقليمي، والقرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بمدينة القدس عاصمة للاسرائيليين، ليس سوى جزء من هذه الترتيبات، وليس الهدف منها. كما أن ما يجري في سيناء منذ شهور وحتى منذ سنوات، ربما يكون أيضاً على علاقة بهذه الترتيبات التي تفوح رائحتها والتي يصفها الكثيرون بأنها ستكون «صفقة القرن».
المهم في كل هذا هو أن لدى الولايات المتحدة وإسرائيل نوايا لا تقوم على أساس تحريك عملية السلام، ولا التفاوض مع الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني، وإنما تقوم على فرض أمر واقع جديد، يتجاهل اتفاقات أوسلو، ويتجاهل السلطة ومنظمة التحرير والفصائل المختلفة، ولا يتعامل مع الشعب الفلسطيني على أنه طرف في المسألة، وإنما هو «مفعول به» بحكم وجوده على هذه الأرض وفي هذا المكان (هذا إذا ظل موجوداً بالفعل، ولم يحدث أي نوع من أنواع التهجير القسري).
فكرة التعامل مع الشعب الفلسطيني والمنظمة والفصائل على أنهم غير موجودين، وفرض واقع جديد عليهم تعني بالضرورة أن الجميع أصبح مهدداً بما في ذلك الرئيس محمود عباس وحكومته وسلطته، ومنظمة التحرير وحركة فتح، أما حركة حماس فهي مهددة أصلاً قبل ذلك، بحكم عملية إحكام الحصار وإغلاق الأنفاق وتجفيف كل مصادر الدعم وثلاث حروب إسرائيلية استهدفتها.
وقوع كل الشعب الفلسطيني وقضيته وفصائله تحت التهديد يستوجب بالضرورة توحيد الصف الداخلي، وإنهاء الانقسام فوراً على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قاعدة «تغليب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني»، لتبدأ بعد ذلك وعلى الفور عملية مواجهة هذه التهديدات والتصدي لها على المستوى الدولي والإقليمي، إذ لا يجوز أن يتم فرض أي حل ولا أي واقع جديد على الفلسطينيين بدون موافقتهم، وما فشلت الولايات المتحدة في فرضه خلال مؤتمر «كامب ديفيد» سنة 2000 ورفضه الراحل ياسر عرفات يتوجب أن لا يتم تمريره اليوم.
الفلسطينيون اليوم يواجهون الخطر الأكبر منذ 17 عاماً، وتحديداً مدينة القدس المحتلة تواجه مخاطر غير مسبوقة، منذ ما قبل انتفاضة عام ألفين، أما قرار الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة للدولة العبرية، فهذا يعني بالضرورة أن الأمريكيين لديهم مشروع جديد يجري فرضه على المنطقة، مستفيدين من حالة الانشغال العربي، والانكسار الفلسطيني، والهرولة الخليجية نحو التطبيع مع اسرائيل، وهي ظروف لم يسبق أن اجتمعت قبل ذلك.
لا حل ولا أمل ولا أفق للفلسطينيين سوى برصّ صفوفهم وجمع كلمتهم وإنهاء الانقسام فوراً، ثم تشكيل هيئة عليا لإنقاذ الشعب الفلسطيني تشارك فيها كل الفصائل والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات الداخل والخارج من أجل وضع الاستراتيجية اللازمة لتعطيل أي مشروع يتم فرضه فرضاً على الفلسطينيين.
كاتب فلسطيني

الخطر يُهدد كل الفلسطينيين

محمد عايش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left