القدس في مواجهة الجميع

عبير ياسين

Dec 12, 2017

يصدق الجميع في البدء بمقولات تؤكد على أهمية القدس ومحوريتها، سواء في ما يتعلق بالشأن الفلسطيني المباشر، أو بالشأن العربي ودوائر الاهتمام الأكثر اتساعا من مدخل ديني (إسلامي- مسيحي) أو حقوقي (التسوية والدولة الفلسطينية في مواجهة فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر).
ولكن نقطة الصدق تلك لا تعني الاتفاق في الأجندات المرتبطة بالقضية، ولا تعني أن تصور الحل العادل والتسوية المستدامة تعبر عن الشيء نفسه لدى جميع الأطراف. كما لا تعني الاتفاق على الأساليب التي يمكن اعتمادها للوصول إلى الدولة الفلسطينية (أيا كان تصورها) وعاصمتها القدس (التسويه في مواجهة المقاومة، والتسوية مع المقاومة، المقاومة بوصفها الخيار الوحيد).
كل تلك الأمور تبدو شديدة الوضوح في مواجهة القنبلة التي أطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب في وجه الجميع في 6 ديسمبر 2017 بقراره الموافقة على نقل سفارة بلاده إلى القدس، بوصفها عاصمة إسرائيل. هي قنبلة لأن تأثيرها أكبر بمراحل من فكرة إلقاء الحجر في البحيرة، كما أنها في وجه الجميع لأنها تضع الجميع في مواجهة تحديات اللحظة العلنية والسرية، الواضحة والمسكوت عنها.
هي قنبلة كاشفة أيضا لأنها في جزء كبير منها معروفة سلفا، كما في خطاب ترامب ووعوده الانتخابية، وهو الأمر الذي اتضح في التعامل مع القرار من جهة الإدارة الأمريكية وبعض المتحدثين باسمها، بالتأكيد على أن الخطوة شأن داخلي يتعلق بالتزام الرئيس بتنفيذ وعوده الانتخابية. وهي شأن داخلي من جهة محاولة ترامب الخروج من مأزق المشكلات الداخلية التي يواجهها، سواء في ما يتعلق بالدور الروسي في الانتخابات، وعلاقة حملته الانتخابية بجهات روسية والتنسيق معها من عدمه، وغيرها. ولكن تحديات الداخل تلك لم يكن من الممكن أن تتحول إلى واقع بعد أشهر قليلة من تولي ترامب للسلطة، ما لم يكن مدركا لعنصر شديد الأهمية، وهو غياب الرد الحاسم من قبل الأنظمة العربية. في غياب المخاطرة المتمثلة في قطع العلاقات، أو سحب السفراء أو تجميد الاستثمارات أو حتى التلويح بها أو بغيرها من الردود الحاسمة، يصبح الشرق الأوسط وقضاياه مجرد «كبش فداء» وفرصة للحصول على مكاسب سهلة لترامب وغيره على حساب الحقوق العربية.
هي قنبلة معروفة سلفا أيضا، لأن أسلوب اتخاذ القرار من قبل الرئيس حول نقل السفارة إلى القدس أمر يتكرر بشكل دوري، وكان من المعروف أن الملف مطروح، والأكثر أهمية كانت الأخبار المعلنة في الوقت السابق على اتخاذ القرار تؤكد على توجه ترامب إلى توقيع القرار بنقل السفارة تلك المرة، وعدم اللجوء إلى تأجيله، كما كانت العادة خلال السنوات التالية على قرار الكونغرس الصادر عام 1995 بهذا الصدد، الذي ينص على «وجوب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل» وضرورة نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس.
هو معروف أيضا في ظل سياسة ترامب، التي تتشابه مع بعض حكام المنطقة، والذي يرى نفسه الوحيد القادر على اتخاذ قرارات صعبة لم يستطع من سبقه اتخاذها، والوحيد القادر على إعلان سياسات ومواقف واضحة - من وجهه نظره- لم يستطع غيره الإعلان عنها. صورة ترامب الفيلسوف الذي يتآمر الإعلام ضده، ويحاول أن يقلل من إنجازاته، تتداخل مع ترامب رجل المال الذي يسعى إلى عقد صفقات وتحقيق مكاسب، وترامب رجل الشاشة الراغب في الحصول على الإعجاب من متابعيه. مع كل تلك المعرفة كان الترحيب بترامب من قبل بعض المسؤولين العرب أكبر من الترحيب به من دوائر أمريكية وأوروبية، رأت فيه تهديدا أو احتمال تهديد مباشر للسياسات والالتزامات الأمريكية، وتناقضا مع أفكار العالم الحر القائمة على حماية الحقوق والحريات والبيئة وغيرها. بالمقابل لم يجد ترامب من العرب إلا الترحيب والرقص ومحاولات اكتساب القبول، ودفع ثمن هذا القبول من أموال الشعوب العربية، وكأن الإهانة توجه بالترحيب والدفع.
خاطب الموقف العربي الرسمي ترامب رجل الشاشة بحفاوه الاستقبال المادي والمعنوي، وخاطبه كرجل أعمال بصفقات تجارية وعسكرية تضيف لرصيده لدى الناخب الذي اختاره، وتؤكد على أن سياسة العداء التي أعلنها تجاه البعض، سواء من العرب أو المسلمين، وحتى بخصوص القدس وغيرها من الحقوق، لم تحقق خسائر بل ساعدت على دفع الجميع إلى تقديم المزيد من الفوائد لترامب.
يبدأ دور ترامب وينتهي في تعامله مع شأن بضخامة القضية الفلسطينية وحجم القدس بوصفها شأنا داخليا، ووعدا انتخابيا متجاوزا عن متطلبات عالم السياسة والدبلوماسية، وحتى مع الدور الأمريكي الذي قبلته الأطراف المعنية منذ سنوات، بعض النظر عن تقييم هذا الدور ومدى تحيزه للطرف الإسرائيلي من عدمه. تجاوز ترامب عن قيمة ومكانة القضية، حتى للولايات المتحدة من أجل لحظه انتصار داخلية، مدركا أن الأمور ستمر مادامت مواقفه السابقة وعداوته الواضحة لم تنتج خسائر، ومادامت العواصف العربية تنتهي بتصريحات وإدانات وربما ترتفع إلى درجة الشجب.
أخطا ترامب في قراءة قيمة القضية، وأحسن قراءة واقع السياسة في المنطقة. وهنا يبدأ الجزء الذي يخصنا عربيا، ويجعل قذيفة ترامب تنطلق لتواجه الجميع بدرجات مختلفة. يوجه البعض اللوم إلى ترامب، ويصل البعض إلى درجه إهانة الشعوب وتحميلها المسؤولية، وكلها طرق غير مباشرة للتجاوز، عن أن الإدانة الحقيقية لا بد أن توجه إلى بعض المسؤولين العرب أنفسهم. فإلى جانب الترحيب بترامب، رغم العداء المعلن، لم تتخذ مواقف عربية قوية قبل الوصول القرار إلى لحظة توقيع القرار في ديسمبر 2017، وهي المواقف التي كان يمكن أن تقنعه بمخاطر اتخاذ مثل تلك الخطوة، وعلى العكس، أكدت تصريحات إسرائيلية متعددة على أن قرار ترامب تم بالتنسيق مع بعض تلك الشخصيات التي تواصل معها قبل اتخاذ قراره، وأشادت بعض التصريحات الإسرائيلية بالمواقف الرسمية العربية ودورها في كبح ردود الفعل الغاضبة.
ورغم أن البعض يمكن أن يشكك في ما تعلنه إسرائيل من باب عدم الثقة، فإن إعلان أمور بتلك الخطورة يستوجب ردودا رسمية على أعلى مستوى تنفي - إن كان بإمكانها النفي- وتطرح القصة الحقيقية - إن وجدت- وتطرح مواقف أكثر قوة في مواجهة خطورة القضية.
أدرك ترامب أن الشعوب يتم قمعها، وأن الغضب ستتم السيطرة عليه من نظم تقمع الشعوب عندما تطالب بأرضها وحقها في الحياة الكريمة، وهو ما يعني بالنسبه له وللطرف الإسرائيلي أن اتخاذ القرار، رغم أنه سيؤدي إلى حالة غضب، فإن طبيعة السياسات القائمة في المنطقة توفر فرصة تاريخية لتمرير قرارات صعبة ومريرة على حساب الأرض والشعب. ولهذا كان من الطبيعي أن يتم إلقاء القبض على بعض المتظاهرين في مصر في ما سمي «معتقلو القدس» مادام قد سبقهم إلقاء القبض على»معتقلي تيران وصنافير» وغيرهم ممن قال إن الجزر مصرية.
ورغم أن تيران وصنافير كانت الخطوة المعلنة الأولى والمخيفة لترتيبات تظهر في صورة تسريبات وتصريحات من أطراف متعددة، حول تصورات حل القضية الفلسطينية، وإعادت ترتيب علاقات القوة الإستراتيجية، فإن القدس تبدو الحلقة الأولى من الترتيبات الإقليمية، التي إن مرت ستكون رسالة على قدرة ترامب وبعض الحكام العرب على إعادة تشكيل الأوضاع، بما يضمن البقاء على الكراسي، والحفاظ على المصالح الضيقة على حساب الأرض والبشر.
تأتي القدس لتثير مخاوف الثور الأبيض، ومن يأتي بعده في مواجهة القدرة على الوقوف أمام القرار، وتأكيد أن الشعوب العربية قادرة على حماية حدودها وحقها في أرضها وسيادتها. يعاتب البعض خطوات تمت في اللحظات الأولى على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تغيير صور الحسابات الشخصية ووضع صور القدس وغيرها من صور التعبير عن الغضب والتضامن، بالإضافة لرسائل أخرى سعت إلى تقنين القبول بالأمر الواقع، فما دام القرار اتخذ فلا مجال لتغييره، وما دامت القدس محتلة فلا جديد في القرار. 
رسائل شديدة الخطورة لأنها تطالب بالقبول بالأمر الواقع كمبدأ، وترسخ فكرة عدم قدرة الشعوب على التغيير، وعدم أهميه التعبير السلمي عن الرأي. تتجاوز تلك الكلمات، التي يتم تسريبها في تلك الرسائل، وبشكل متعمد عن حقيقة أن ثورة بدأت بكلمة وبصورة وصفحة فيسبوك، وإن أبسط وأسرع وسيلة لتأكيد الرفض تكون عبر الصور، حتى إن اختلفت اللغة وغابت الكلمة، يضاف لهذا أن الحديث عن أن القدس محتلة والقرار لا يغير من الواقع، وبعيدا عن أنه تبسيط مخل بالحدث وقيمته، وأنه إهانة لحق المقدسيين والشعب الفلسطيني في التمسك بالقدس، فإنه يعمد إلى تقليل قيمة الأرض بشكل عام، وتعظيم السلطة وقرارتها، وكأنها قدر على الجميع القبول به والرضوخ له وعدم التعبير عن الرفض، وبالضرورة عدم السعي للتغيير لأنه غير ممكن.
تتجاوز القدس في اللحظة قيمتها التي نعرفها إلى كونها علامة فارقة في ما يحدث، وما يمكن أن يحدث، في تمرير القمع أو الوقوف ضده، في تمرير صفقه القرن وما يدور حولها من جدل ومخاوف، أو الوقوف ضدها، في إعادة تشكيل الجغرافيا والحدود والسيادة، من أجل مصالح البعض في مقابل الدفاع عن حق الدول والشعوب العربية في حمايه سيادتها وأراضيها وإعلاء الأوطان على الحكام.
القدس لحظة حقيقة ولحظة مكاشفة ولحظة مواجهة لمخاوف تتراكم حول أوضاع المنطقة التي تتشكل في الاجتماعات السرية والغرف المغلقة. والدفاع عن القدس في اللحظة يضع المنطقة ومستقبلها على المحك قبل أن يكون حالنا البكاء على ما لم نستطع أن ندافع عنه كالرجال.
يقول تميم البرغوثي متحدثا عن الدهر: «كلما هم أن يقول لهم، بأنهم مهزومون ما اقتنعوا»، تلك القناعة والإصرار على البقاء والمقاومة لا تدافع عن القدس فقط، ولا عن الدولة الفلسطينية فقط، بقدر ما تدافع عن عالم أكثر عدالة يحمي حقوق الأوطان والشعوب العربية، التي لا تدافع عنها النظم الحاكمة، وهي تفعل ما يمكن من أجل الحفاظ على السلطة وحماية مصالحها.
كاتبة مصرية

القدس في مواجهة الجميع

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left