بعد إعلان النصر: عوائل «داعش» والملفات العالقة

صادق الطائي

Dec 13, 2017

من أمام وزارة الدفاع العراقية، خلف منصة وضعت للمناسبة، زف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، وهو يقف أمام مجاميع تمثل مختلف صنوف القوات المسلحة، زف بشرى النصر للشعب العراقي والعالم أجمع يوم السبت التاسع من ديسمبر، النصرعلى التنظيمات الإرهابية وتحرير كامل التراب العراقي.
ومع حرصنا على عدم إفساد فرحة النصر، لكن يجب أن ننبه إلى بعض القضايا الخطيرة العالقة، التي ربما يقف في مقدمتها الموقف الرسمي والمجتمعي، مما بات يعرف بـ «عوائل الدواعش» وهم عوائل مقاتلي التنظيم الإرهابي، الذين سلموا انفسهم للقوات الحكومية وقوات البيشمركة الكردية، ونقلوا إلى معسكرات ايواء مؤقتة لحين التحقيق معهم والبت قضائيا في احتمال تورطهم بعمليات ارهابية او براءتهم من ذلك.
ملف شائك ومعقد يختلط فيه القانوني بالانساني بالوصم الاجتماعي، وتتداخل فيه عوامل محلية وعشائرية وإقليمية ودولية، وللوصول لحلول إنسانية لهذا الملف، لابد من تعاون العديد من الجهات والمنظمات الإنسانية العراقية والإقليمية والدولية. ومتابعو هذا الملف يقسمون المشكلة الى قسمين رئيسيين، الاول هو عوائل مقاتلي «داعش» من العراقيين. اما القسم الثاني فهم عوائل مقاتلي «داعش» من العرب والأجانب .
في ما يتعلق بعوائل مقاتلي «داعش» المحليين نجد بعض الإجراءات الاجتماعية المحلية قد اتخذت بحقهم، حيث أن العديد من القبائل والحكومات المحلية اتخذت اجراءات بدت صارمة وعنيفة تجاه عوائل مقاتلي «داعش» من العراقيين بعد تحرير مدن شمال وغرب العراق من سيطرة التنظيم الإرهابي، فقد تم إجلاء العديد من العوائل وتهجيرهم إلى مدن أو محافظات اخرى، لأنهم باتوا غير مرغوب بهم في مناطقهم الاصلية، وخوفا من وقوع جرائم ثأر بين قبائلهم وقبائل من قتلوا من ضحايا الإرهاب، لكن منظّمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان كانت قد أكدت في أحد تقاريرها الذي تناول الظاهرة، حيث ذكرت أن مليشيات مسلحة هجّرت قسرًا 125 عائلة على الأقل في محافظة صلاح الدين، بزعم وجود صلة قرابة بينهم وبين عناصر من تنظيم «داعش»، لافتة إلى أن مجموعات الحشد العشائري السني، التابعة للحشد الشعبي أجبروا عشرات العائلات على مغادرة منازلهم والتوجّه إلى مخيم وصفته بـ»السجن في الهواء الطلق»، قرب تكريت، في ما دمّرت منازلهم في المنطقة.
من جانبه أّكد رئيس مجلس محافظة صلاح الدين، أحمد الكريم، ما جاء في تقرير منظّمة «هيومن رايتس ووتش» حول ترحيل عائلات عناصر «داعش» من المحافظة، مشيرًا إلى أن تلك الإجراءات تمّت بموافقة كافة الأجهزة والقوى الأمنية في المحافظة، وأضاف أن عددًا من عائلات التنظيم المتطرّف تم طردهم من قضاء الشرقاط، وإسكانهم في مخيمات خاصة بعيدًا عن مناطق سكناهم، بعد خروقات أمنية عدّة، وتبيّن في ما بعد ومن خلال التحقيق والمتابعة أن تلك العائلات ساعدت المتطرّفين من خلال التخفي في منازلهم، والتواصل معهم وتزويدهم بالمعلومات عن الواقع في المحافظة، فهم بالنتيجة حواضن لعناصر «داعش».
وردّ النائب في البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين، مشعان الجبوري، أنّ «هذا القرار جائر ومنذ اليوم الأول نحن نسعى إلى إلغائه عبر الأطر الرسمية، لأنه يخالف الدستور العراقي والقوانين النافذة، ولا يمتلك أية حجة قانونية، بل هو ينطوي على ظلم كبير وحيف وقع على أهالي قضاء الشرقاط فقط، دون بقية الأقضية»، مضيفًا أنّ «هؤلاء الاشخاص أبرياء ولا صلة لهم بتنظيم «داعش»، وإن هذا القرار اتخذ بدوافع شخصية من قبل قائد عمليات صلاح الدين بسبب خصومات بينه وبين أهالي المدينة.
إن ما تم في مدينة الشرقاط، أو محافظة صلاح الدين عموما، يمثل نموذجا متكررا في أغلب المحافظات والمدن التي كان التنظيم الإرهابي يسيطر عليها، حيث تتهم جهات بالتنكيل بعوائل انتمى ابناؤها للتنظيم الإرهابي عبر عزلهم في مخيمات، يقول المراسلون الصحافيون ممن غطوا معيشة العوائل المعزولة فيها، إنها تفتقر إلى المستوى اللائق من الخدمات. ومن جانبها تؤكد العديد من الجهات الرسمية ذلك، حيث ذكرت نائبة في البرلمان العراقي في لقاء تلفزيوني عندما سئلت عن حالة معسكر ايواء عوائل ارهابيي «داعش» جنوب الموصل قرب حمام العليل، أجابت «نحن نضع هذا الأمر في آخر سلم اولوياتنا، فنحن نهتم أولا بعوائل الشهداء والجرحى والمفقودين، ومن ثم نحاول التركيز على العمل على إعادة إعمار مدننا التي دمرها الإرهابيون»، واضافت «نحن نعتبر وجود عوائل الإرهابيين في معسكرات إيواء، حالهم مثل حال بقية المهجرين بسبب الحرب، نعتبر ذلك تعاملا إنسانيا ولا يمت لروح الانتقام بشيء، وإن سوء الأحوال هو نتيجة طبيعية لقلة الإمكانات المتوفرة».
ومعسكر حمام العليل ينقلنا الى الجزء الثاني من المشكلة، وهو عوائل الإرهابيين الاجانب المحتجزين في معسكرات ايواء، وحسبما اوردته وكالة رويترز نقلا عن مسؤولين أمنيين وموظفي إغاثة، حين ذكرت أن السلطات العراقية تحتجز 1400 «زوجة أجنبية وطفل» ممن يشتبه بأنهم أعضاء في تنظيم «داعش»، بعدما طردت القوات العراقية التنظيم من أحد آخر معاقله في العراق. وأن هؤلاء النساء والأطفال وصلوا الى معسكر الإيواء جنوب الموصل منذ 30 أغسطس الماضي عندما طردت القوات العراقية «داعش» من الموصل.
وتنحدر زوجات مقاتلي «داعش» من جنسيات مختلفة، النسبة الاكبر بينهن من جمهوريات آسيا الوسطى، ومن بعض الدول الاوروبية كفرنسا والمانيا وبريطانيا، وقد ذكر العقيد أحمد الطائي من قيادة عمليات محافظة نينوى في لقاء صحافي «نحتجز عائلات داعش في ظل إجراءات أمنية مشددة، وننتظر أوامر الحكومة بشأن كيفية التعامل معها». وقد ألقيت على عاتق وزارة الخارجية العراقية مسؤولية التحرك نحو بلدان الإرهابيين وعوائلهم المحتجزين في السجون او معسكرات الإيواء، لتنظيم آلية نقلهم الى بلدانهم، لكن حتى هذا الامر تواجهه عدة عقبات، حيث يتخوف المسؤولون الاوروبيون من عودة الإرهابيين الى بلدانهم الاصلية. فقد ذكر وزير الدفاع البريطاني الجديد غافين ويليامسون أنه يتوجب ملاحقة وقتل البريطانيين الذين ينضمون لتنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وفي حديث لصحيفة «ديلي ميل» الواسعة الانتشار، نشر الأربعاء السابع من ديسمبر، قال الوزير البريطاني: «رأيي ببساطة أن إرهابيا ميتا لا يمكنه أن يشكل ضررا على بريطانيا». من جانبه صرح وزير الداخلية الفرنسي جيرار كولوم، في مقابلة صحافية مع صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» بأن 271 مقاتلاً جهادياً، من بينهم 54 قاصراً، عادوا من سوريا والعراق وأن التحقيقات جارية معهم، مشيراً إلى أن خطر شن متشددين هجمات في اوروبا «كبير جداً». وتشير التقديرات التي أشار لها الوزير إلى وجود نحو 700 فرنسي كانوا يقاتلون في صفوف «داعش».
بينما صرح هانزغيورغ ماسن رئيس هيئة (الاستخبارات الداخلية) الألمانية بأن «موظفي هيئته يرصدون بقلق عودة زوجات وأطفال مقاتلي داعش من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم في سوريا والعراق بعد الخسائر الفادحة للتنظيم هناك». واضاف «إن هناك أطفالا خضعوا لغسيل دماغ في مدارس تابعة للتنظيم، ويعتبرون راديكاليين إلى حد كبير». وتابع قائلا «بالنسبة لنا يعد ذلك مشكلة؛ لأن هؤلاء الأطفال والشباب يمكن أن يكونوا خطرا في بعض الأحيان»، لافتا إلى أن «النساء أيضا يمكن أن يمثلن تهديدا جزئيا». وأضاف ان «النساء اللائي عشن في مناطق داعش خلال السنوات الأخيرة، يكن غالبا راديكاليات إلى حد كبير، ويتوافقن مع أيديولوجية داعش بشكل كبير لدرجة أنه يمكن توصيفهن بشكل مبرر تماما بأنهن جهاديات أيضا».
رغم حديث رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي عندما تناول في حديث تلفزيوني في 14 فبراير2017 عائلات الدواعش، التي لم ترتكب أي أعمال جنائية أو إرهابية، وذكر أن البريء لا يؤخذ بجريرة الجاني، مهما كان حجم الفعل الإجرامي أو الجنائي المرتكب من شخص في العائلة، إلا أن التعقيدات والتخوف من تحول معسكرات الإيواء، التي جمعت فيها مئات العوائل إلى مفاقس جديدة للإرهاب، وان عدم حسم موضوع عوائل الارهابيين عبر إعادة الأجانب منهم الى دولهم، وإعادة تأهيل العراقيين، سيبقى الموضوع يمثل قنابل موقوتة تهدد بالانفجار وتنغص على العراقيين فرحة النصر.
كاتب عراقي

بعد إعلان النصر: عوائل «داعش» والملفات العالقة

صادق الطائي

- -

2 تعليقات

  1. صدقاً ، ليس هناك نصر !
    و هل هناك نصر في صراع قابيل و هابيل ؟
    و بما أن الكراهية و الحقد و أخذ الثأر ما يقود في العادة زمامامنا ، فدائرة العنف مع شديد الأسف لن تتوقف و لسنوات كثيرة قادمة .
    و أيضا ، و هذا ما يرفضه مروجي المشروع الأمريكي ، آباء هذا النصر المزعوم، و ليس هناك نصر يأتي بعد تدمير المدن على ساكنيها و لا تزال جثث الضحايا مدفونة تحت الدمار ، أباء هذا النصر ، محليين و أجانب ، ليس لديهم ذرةًً من شرعية أخلاقية ….أو ليسوا هم من دعوا و برروا و هللوا لدبابات الغزاة المحتلين .
    من جاء بهذا الإرهاب الأسود الى العراق ؟
    مع ذلك أقول أن خطاب العبادي كرئيس وزراء معتدل ، و لكن هل بالخطاب وحده يفرى الليل عن صُبحه ؟
    ما العمل ، لمحاولة كسر دائرة العنف و الدمار هذه ، الدائرة بحماس منذ عشرات السنين ؟
    صدقاً مع تقديري لكل ذوي النوايا الحسنة ، يجب العمل بكل صدق و إخلاص و بسرعة على تفعيل المصالحة الوطنية . تلك المصالحة التي بكل قصر نظر ، إعتقد البعض ممن دخل العراق عقب الغزو الإجرامي ٢٠٠٣ ، أن لا حاجة” للمنتصرين “إليها !
    بكل صراحة، حكمة المرجع مطلوبة الآن ، إذ مثلما أفتى بتشكيل الحشد ، مطلوبة الآن بالإفتاء بإنتفاء الحاجة إليها . و من أطاعه بالأمر الأول ، يفترض أن يطيعه بالثاني ، و بغير ذلك ، الأمر يعني أن الفتوة الأولى مركباً ركبوه لحاجة في نفس يعقوب .
    الأمر الثاني يجب ترسيخ أسس الدولة المدنية ، دولة القانون و المواطنة .
    من خلال ذلك يتم معالجة عوائل الجهاديين و ما يدعى “الحواضن”….و القاعدة واضحة: و لا تزر وازرة وزر أخرى .

  2. ” إلا أن التعقيدات والتخوف من تحول معسكرات الإيواء، التي جمعت فيها مئات العوائل إلى مفاقس جديدة للإرهاب،” إهـ
    تقرير شفاف لموضوع معقد
    داعش لن تنتهي ما دام هناك ظلم على أهل السُنة والجماعه
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left