الأردن ولحظة الحقيقة

بسام البدارين

Dec 13, 2017

مهتم جدا بالسؤال التالي اليوم: كيف سنرتب كأردنيين أوراقنا بعد الاصطدام العنيف مع «لحظة الحقيقة»؟
قبل الاسترسال أو الاستعراض في الخطابة والتحليل، لا بد من تعريف «الحقيقة» التي نتحدث عنها هنا على الأقل.
البند الأول في جدول أعمال الحقيقة التي أجزم اليوم أنها تَشغل أذهان الأردنيين جميعهم من القمة إلى القاعدة، هو تحطم تلك الأسطورة التي أسس الدكتور عبد السلام المجالي نظريته عليها، عندما وقّع اتفاقية وادي عربة، منتحلًا شخصية عالم الرياضيات الشهير، وهو يردّد مفردة «يوريكا» حيث صرخ المجالي بوجوه المشككين بعملية السلام جميعهم مع العدو الإسرائيلي قائلًا «اليوم فقط، تم دفن الوطن البديل».
أعرف شخصيًا، مِن شهود عيان أن الدكتور المجالي نفسه يُقرّ بأن عبارته كانت بمثابة «خطأ جسيم» ولا تعكس الحقائق والوقائع اليوم.
الحقيقة اليوم ساطعة تقول إن نظرية التوسع الإسرائيلي لا تعترف بحدود مع المملكة الأردنية الهاشمية، حيث الاحتلال متعدد الأوجه، والمساس بالوصاية الهاشمية على نحو موسمي منهجي «انقلاب مبرمج» حيث لا ضمانات من أي نوع اليوم، تقول للأردنيين إن إسرائيل لن تسعى قريبا لتحريك سكان الضفة الغربية قسرًا نحو «لجوء جديد» باتجاه شرق نهر الأردن، خصوصًا تلك «الإسرائيل» التي يُصرّح مفاوضان من حجم المجالي ومروان المعشر أنها «ليست تلك التي وقّعنا معها اتفاقية سلام».
هل تغيّرت وتبدّلت إسرائيل أم أننا نحاول هنا تبرير «الأخطاء التأريخية» التي ارتكبت عند تركيب تلك النظرية البائسة التي تقول إن «الشراكة مع إسرائيل هي الضمان الوحيد لدور ووظيفة في الإقليم»؟.
الحقيقة تقول إن الخوف الأكبر لدى السياسيين والمسؤولين الأردنيين، يتعلق بالثقة بقدرة المستوى الأمني الإسرائيلي على «العبث» وبأية لحظة بالداخل الأردني.. وهنا يدخل السؤال في دائرة الاستحقاق مجددًا.. أيُّ وهْمٍ عشناه كأردنيين إذا كانت أذرع العدو الأمنية تستطيع العبث بالساحة الأردنية، وما هو دور «وادي عربة» هنا ؟.
وأين هم أولئك الذين باعوا شعبنا كل هذا الوهْم، وكيف بنيت العقيدة الأمنية الأردنية المحترفة، فيما لا يزال المستوى السياسي يشكك بأن دولة الكيان تمتلك القدرة على «الاختراق»؟.
الواقع اليوم يقول إن اليمين الإسرائيلي تحالف مع نظام مجنون في واشنطن وأخرج الأردن بكل بساطة من «ملف القدس» وهي المدينة التي استشهد على أسوارها مئات النشامى من العسكر الأردنيين، وخسرتها الدولة عسكريًا بعدما تركها العرب تقاتل وحدها.
والوقائع تقول إن المساعدات الأمريكية ما هي إلّا أداة «ابتزاز» من الصديق الحليف الأمريكي الذي يسيطر أيضا على مساعدات الأشقاء للأردنيين وأن واشنطن مثل تل أبيب «تستخف» بالأردنيين ولا تحسب حسابهم وتعتبرهم في «الجيبة دائما» بحكم مساعدات مالية وسلسلة اتفاقيات تجارية واقتصادية وقعها مغامرون في غفلة في الوقت الذي يؤكد مسؤولون كبار بأن الأمريكي يلتهم أصلا ثلثي المساعدات ويتاجر بالثلث الأخير مع الحكومة في عمّان.
إسرائيل تقيم أسوارا إلكترونية على طول حدودها مع الأردن والحلفاء العرب للأردن يتصلون بها مباشرة ولا يحتاجون لقنوات جغرافية.
ولا يوجد أي سبب يدفع أصغر أردني للاعتقاد بأن إسرائيل التي تحظى بصداقات ورهانات في عمّان تحت عنوان «شراكة عميقة» لن تتخذ سلسلة إجراءات إدارية تدفع أهل الضفة الغربية قسرا للمغادرة نحو الأردن ما دامت «الخبرة» الأردنية في ملاعبة الإسرائيلي ومشاغلته وفهمه معطلة بذريعة ميزان القوى، وعقدة البقاء مع أن التجارب تثبت اليوم أن الخيار الأفضل والأكثر امنا للدولة الأردنية هو خيارها وعمقها الشعبي خصوصًا وهي دولة تعبر سياسيًا عن هُوية شعبها وتجاوزت أسئلة الشرعية وتعيش بسبب أزمة الأدوات ونخبتها المراهقة في حالة غامضة قوامها شعب يريد الدولة ويتمسك بها مقابل حكومة لا ترغب بعلاقات مع شعبها.
لا يستطيع أي سياسي اليوم من نخبة القرار الدفاع عن تلك الخيارات التي ظهر اليوم أنها سقيمة، لا بل في بعضها ابتزازية وتآمرية على المملكة مقابل سيل الإخفاقات التي شهدها المناخ الإقليمي، حيث ارتهان في ملف الطاقة والغاز لإسرائيل وتنظير لمصلحة دولة «رعوية» أحبطت الإنتاج وانتهازيون في الإدارة أسهموا في تعطيل الحلقات الوسيطة وعرقلوا العلاقة بين الشعب وقيادته وسحبوا بالكثير من الأحيان من رصيد النظام والمؤسسة عند الناس.
في عمق عقل المواطن الأردني الحديث عن شراكة عميقة مع إسرائيل أصبح «كذبة كبيرة» والاسترسال في لغة التحالف مع نظام الاعتدال العربي أسطوانة مضجرة لا معنى لها، والبقاء في الفلك الأمريكي «تهديد» مباشر لمصالح الدولة والنظام والسهر في أقرب حفلة إلى جانب التحالف المصري السعودي الإماراتي «مضيعة للوقت».
الظَّهر الأردني مكشوف تمامًا اليوم، والاعتبارات كلها التي سوقت وروجت اتفاقية وادي عربة، سقطت شعبيًا، والمؤسسة تجد صعوبة واضحة اليوم في توفير سياسيين ونخب يدافعون أو يبررون «أخطاء رهانات الماضي».
لا تزال الدولة الأردنية عميقة وخبيرة، وفيها إمكانات كبيرة وكامنة، ولديها تجربة مرعبة من الشرعية، وشعب تواق للتفاعل وتحمل مسؤولية المواقف الوطنية.
لا خيار أمام المواطن الأردني في هذه المرحلة الصعبة، إلّا الالتفاف حول دولته وحمايتها، والتمسك بثقة بالمؤسسات وافتراض حسن النوايا.
لكن، في مواجهة الواقع اليوم ولحظة الحقيقة لا خيار أمام الدولة بالمقابل إلا خوض المواجهة وفقًا لقواعد لعب نظيفة هذه المرة حيث التفاتة أكبر للسلاح الأهم وهو «الشعب» بكل مكوناته وحيث مراجعة شاملة للذات ومعالجة جريئة بمستوى التحديات لأزمة الأدوات.
المرحلة تستوجب اليوم وجود «طاقم سياسي» حقيقي ومطبخ عميق وطني يقود المشهد بدلًا من الاصرار على التمسك بتصعيد التكنوقراط و«التنفيذيين» ورموز «السكرتاريا»… من هنا قد نبدأ.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن ولحظة الحقيقة

بسام البدارين

- -

4 تعليقات

  1. جميل ما تم ذكره لكن لا اعتقد انه سيتم اتخاذ خطوات جادة على ارض الواقع. السبب ان الاختراق عميق و متجذر ومقاومته تتطلب وقتا ليس متوفرا ضمن التغيرات الدولية المتسارعة وتتطلب جراءة سياسية ووضعية اممية اعتقد انها فقدت منذ زمن.

  2. الاْردن الكبير على الأبواب جمهورية كما لبنان رئيس جمهورية في صلاحيات محدودة اردني الاصل رئيس وزراء فلسطيني ونصف الحقائب فلسطينية والحقائب السيادية اردنيييون مجلس النواب مناصفة قائد الجيش اردني … كم حدرنا غدر الصهيانة من ايام الرسول لا يوجد لهم عهود

  3. (التمسك بثقة بالمؤسسات وافتراض حسن النوايا) لا يوجد حسن نية ابدا، اخ بسام ارجع الى بعض مقالتك السابقة عن التعليم والتوظيف في الاردن، مربط الفرس التعليم والتوظيف اخر 20 عام كانت قاعدة لافشال كل جيد وتوظيف كل فاشل، فكيف ستنقذ الموقف بعد هدم دام 20 عام؟؟؟ لقد وضع النظام نفسة في موقع لا يحسد علية.

  4. الاردن يتعرض لمؤامرة امريكيه إسرائيلية منذ توقيع وادي عربيه وجميع عرابي هذه المؤامرة معروفين للاردنيين

    بدأت الحكايه بإيقاع الاردن منذ ١٧ عاما فريسه النهب والفساد وإضعاف مقوماته حتى لا يكون له القدره حتى على الاعتراض

    الامريكان استباحو البلد ومن خلال تغلغلهم في معظم اجهزه الدوله ومن خلال برنامج المساعدات والآن فقد أصبح الوضع معقد

    التاريخ يقول أن لا صاحب ولا صديق الامريكان سوا مصلحتهم فهل يتعض بعض الناس ويستفيقوا من سباتهم ويتداركو الخطر القادم

    أخشى من الغد ان نبكي كالنساء على وطن لم نحافظ عليه كارجال

    كلني ثقه بالله و جلاله الملك لحمايه البلاد من ما هو قادم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left