المثقف والوظيفة الثقافية

سعيد يقطين

Dec 13, 2017

أعادت أحداث الربيع العربي قضية الثقافة والمثقف إلى الواجهة. وطرحت أسئلة كثيرة حول غياب المثقف العربي ودوره في توجيه هذه الأحداث وصناعتها وتدبير شؤونها. كان المتخيل الذي حكم هذه الرؤية يرتهن إلى ما تشكل عن الثورات والأحداث الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث، والتي لعب فيها المفكرون والفلاسفة والأدباء الدور الطليعي. وكان من تداعيات هذه الرؤية أن تضاربت التصورات حول طبيعة الربيع العربي: هل هو ثورة؟ أو حركة شعبية؟ وظل السؤال عن وظيفة المثقف في تلك الأحداث مطروحا بشدة. لكن هذه المقارنة لا تضع في الاعتبار تبدل الشروط، وتنأى عن تلمس اختلاف السياقات التي تلعب أدوارا مهمة في التحولات الاجتماعية والسياسية.
لعب الشباب دورا مهما في أحداث الربيع العربي. وما كان له أن يتحرك لولا الوعي الذي تشكل لديه من العمل الثقافي الذي تراكم خلال عقود طويلة، والذي لعبت الثقافة في تكوينه وبلورته. غير أن تبدل الشرط التاريخي الذي تدخلت فيه عوامل عديدة ساهم في غياب المثقف، أو عدم لعبه الدور الذي يفترض الاضطلاع به في مثل هذه الأحداث. لكن السؤال الذي نريد طرحه، هو لماذا لم يكن المثقف في طليعة الحدث، ولو على الأقل من حيث الحضور الفكري، أو التأطيري الذي يمكنه أن يعطي الأحداث خلفية معرفية محددة، من جهة، قبل حصولها، أو يبلور الأسئلة التي تعمل على توجيهها إلى غاياتها، من جهة ثانية، بعد وقوعها؟
كان المثقف العربي خلال الفترات الذي كان له حضور في الساحة منخرطا في الواقع السياسي، وكانت ممارسته تتأسس على تصورات أيديولوجية محددة. ولما بدأت الأيديولوجيا تفقد بريقها بسبب تراجع الدور السياسي في الحياة العامة بسبب عوامل كثيرة، وتوجه بؤرة الاهتمام نحو مقاومة الإرهاب والتطرف الديني على المستوى العام، بدأ انسحاب المثقف من الانخراط في السياسة بشكل مباشر، وتبدلت انشغالاته التي لم يبق في صدارتها التفكير في القضايا الكبرى التي كان يلامسها في فترات سابقة. فلم تبق القضية الفلسطينية ولا الديمقراطية، ولا التحول الاجتماعي من صلب انشغالاته.
في هذه الأثناء صار الإعلام يضطلع بدور كبير في تقديم جزء من ممارسة المثقف. فهو يقدم المعلومات، ويحلل الإشكالات التي تطرح على الواقع السياسي. وكان لذلك أثره في تعميم المعلومات التي كان يمتلكها السياسي، ومعه المثقف، في وقت سابق. وحين نتأمل جيدا واقع ممارسة المثقف في الفترات التي أثبت حضوره، نجد دوره الأساس متعلقا بتأجيج العواطف وتوجيه الانفعالات بما يقدمه من معلومات تكشف عن واقع سياسي مهترئ. ويمكننا التمثيل لذلك بجلاء من خلال مواقف السلطات العربية من الكتاب الذي كان يحرم دخوله البلد. كانت السلطات المختلفة (في المطار مثلا) تبحث عن الكتب وتصادرها حين كان يتم تهريب الكتاب، والمجلة، والأغنية الملتزمة واقعا. كما أن مراقبة الصحف اليومية دليل على الدور الذي كانت تقوم به الثقافة في الحياة العامة. وحين نقرن ذلك بمنع أنشطة الجمعيات، وتوقيف بعضها، أو متابعة الندوات الفكرية أو القراءات الشعرية، من لدن المخابرات وكتابة تقارير عنها، وملاحقة الكتاب والمثقفين.. يتبين لنا الهاجس الذي كان يشكله المثقف بالنسبة للسلطات العامة.
غير أنه، ومع تطور وسائل الإعلام، خاصة مع الوسائط المتفاعلة، أصبح الدور الذي كان يقوم به المثقف تضطلع به المؤسسة الإعلامية. وصار التفاعل بين مختلف مكونات المجتمع يتم عبر هذه الوسائط، وليس من خلال الأنشطة التي كان يضطلع بها المثقف: تنظيم الأنشطة الثقافية، نشر الكتاب، تنظيم القراءات الأدبية، فكان أن صارت المعلومات مشتركة بين الجميع. ولما بدأت الأيديولوجيا التي كان يتم التركيز عليها لتأطير المواطنين وتوجيههم إلى العمل السياسي تفقد بريقها، الذي كان في السبعينيات والثمانينيات، لفائدة الإسلام السياسي صارت الأيديولوجيا الدينية تفرض نفسها، مستنسخة التجربة السابقة في التأطير والتوجيه، وتبدلت بذلك صورة المثقف التقليدي، فبرز الداعية والواعظ والمفتي، وكلهم يقدم الصورة نفسها عن المثقف الذي بدأ في التشكل منذ عصر النهضة. وما اندحار «داعش»، وبداية سقوط الأحزاب الإسلامية وتداعيها سوى تعبير عن تبدل الشروط التي يمكن أن تلعب فيها الثقافة دورا مهما في التغيير الاجتماعي.
كان المثقف العربي يقوم بوظيفته، باعتباره فاعلا، أيا كانت الخلفية الثقافية والمعرفية التي ينطلق منها من أجل غاية واحدة: كسب النصير، وتكوين التابع. وما كان لهذه الوظيفة أن تكون في خلفية العمل لولا انطلاقه من ركيزة أساسية تتمثل في اقتناعه بأن التغيير المهم ينطلق من السياسة، إذ بتغيير نظام الحكم يمكن تغيير المجتمع. ولا يمكن أن يتحقق ذلك بدون النصير والتابع الذي يمكن أن يسهم في هذا التغيير، لذلك انصب الاهتمام على السياسي بدل الاجتماعي، فكانت العزلة والغربة عن ممارسة الثقافة في حياة الناس اليومية. ظل المثقف يحلم بالمفترض، فكان «فاعلا» لا «متفاعلا» مع الجمهور. وبانتهاء «الفعل» تنتهي الثقافة.
الجمعيات الثقافية/ الخطية: من المثقف إلى القارئ.
كان هدف الوساطة الثقافية: كسب النصير، وجر الأتباع

٭ كاتب مغربي

المثقف والوظيفة الثقافية

سعيد يقطين

- -

2 تعليقات

  1. لماذا لم يُفلح المثقف في إرساء مجتمع متحضر. السبب بسيط وهو أن المثقف راح يدعم أيديولوجيته بأعمال مقتبسة لمبدعين حيث منبع ومصدر فكره. فراح المثقف يقلد ولا يبتكر ليفرض وجوده على مجتمعه وعلى بقية المجتمعات الأُخرى فيكون منارة للثقافة تحدد نوعية الثقافة التي يريد.

  2. شكراً أخي سعيد يقطين, فالمقال يعرض موضوع في غاية الأهمية. أولاً لابد لي أن أقول أن دور الاعلام الايجابي (غير الرسمي) شيء جيد وساهم في بلورة الربيع العربي أيضاً, لكن الخطأ كبير عندما يكون الاعلام على حساب دور المثقف أو بديلاً عنه. داعماً ومناصراً له وليس على حسابة, هذه مهمة الاعلام ويجب تدارك هذا الخطأ. ومهمة المثقف أن الايسمح بتقذيم أو إضعاف دوره الريادي والأكثر أهمية في المجتمع في التطور. وثانياَ أنا أعتقد أن المثقف العربي هو المسؤول المباشر عن هذا الفشل أي في أن يأخذ دوره المناسب, وما ظهور الداعية والواعظ إلا نتيجة طبيعية لذلك. الهوة كانت موجودة بين المثقف العربي والمجتمع. وهاهو مثال نعرفة جميعاً أدونيس الشاعر المثقف الذي سعى دائماً إلى جائزة نوبل! قال للشباب الثائر الذي يبحث عن حريته, بأن المظاهرات خرجت من الجوامع (السلبية بدلا من رؤية الواقع) وهو الذي يدرك كيف ضرب بشار الاسد بابشع الطرق وحتى بالصواريخ جامعة حلب وطلابها الذين خرجوا طلباً ودعما للشباب والشعب الذي تظاهر في الشارع. إذا باستثناء المثقفين الذين كانوا في الخارج (وغالباً بسبب الصراع مع السلطة) ودعموا الربيع العربي بكل مايستطيعون (وكمثال ابن دمشق الاديب والكاتب رفيق شامي ويعيش في ألمانيا), كان المثقف العربي يعيش في كنف السلطة ويستظل بها ويتعايش معها ضمنياً ولو أنه ظاهريا كان يفاخر بدوره كمثقف! إلا أن المقف العربي سقط في أول امتحان واختبار لحقيقته كمثقف, وبدا بعيدا كل البعد عن المجتمع وهمومة ومشاكلة بل وفشل في أن يكون له دور حضاري تطويري فغالبا كان يقتات على مائدة السلطة دون أن يسعى لدور حضاري حقيقي. ومرة أخرى هذه ميزة عامة ظهرت في الربيع العربي. الإستثناءات كانت موجوده, لكن لأنها إما قليله وضعيفة على التأثير اللازم أو بعيدة في الخارج, ليس لها القدرة على تأثير مباشر وكلنا يذكر كيف كان بشار الاسد يهزأ من الذين يعيشون في الخارج بأنهم بعيدين عن الواقع لأنهم في الخارج. المطلوب هو إعادة التفكير في دور المثقف وتقييمه جيداً, ربما نقد ذاتي يضع الحد الفاصل بين المثقف الظاهري والمثقف الحقيقي وبين المتعلم والمثقف وبين المثقف التابع والمققف الريادي الذي يتطلع إلى دور حضاري وليس إلى جوائز. ويذكرني ذلك بالكاتبة الكبيرة الموهوبة والقديرة غادة السمان التي قالت “أنا لست صيادة جوائز″. مع خالص تحياتي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left