فرنسا والعراق شرعية ثابتة وأنظمة متغيرة

أمير المفرجي

Dec 14, 2017

ترجمت اللقاءات الأخيرة التي قامت بها فرنسا مع الزعماء العراقيين، عن حرص الدولة العظمى الخامسة في الاستمرار في الدفاع عن وجودها ومصالحها الحيوية الخاصة في العراق، انطلاقا من الأهمية الاستراتيجية، التاريخية والاقتصادية التي يتمتع بها هذا البلد المهم، على خريطة الشرق الأوسط، بعد التداخلات والتغيرات الخطيرة، التي أحدثها تغير ميزان القوى من جراء اندثار أسس دولة الأمة وتفتيت مؤسساتها الوطنية من قبل تنظيم «داعش» وميليشيات إيران.
إن من راقب المشهد العراقي عن كثب، لم يجد صعوبة في الإحساس في أن لفرنسا وجودا سياسيا واقتصاديا مستمرا عابرا للأنظمة والأحزاب في العراق الجديد والقديم على حد سواء. ففرنسا التي دعمت نظام حزب البعث في تصديه لإيران في حرب الثماني سنوات، هي نفسها التي تدعم النظام العراقي الذي يقوده حزب الدعوة في حربه عسكريا ضد تنظيم «داعش». على الرغم من أن هذه الأنظمة السياسية التي حكمت العراق تختلف عقائديا، إحداها عن الأخرى، ولم ترتبط تاريخيا بفرنسا، كما لم تمت حضارة العراق اللغوية والثقافية بصلة تاريخية مع ثقافة فرنسا الفرنكفونية.
ومن تابع مسلسل الصراع الكردي ـ الحكومي الذي فجرته عملية الاستفتاء والدعوة للانفصال، وتداعيات الدور الفرنسي في التعامل مع طرفي النزاع، رأى بوضوح حقيقة الإرادة الفرنسية الهادفة بعدم التفريط في مسألة شرعية العراق ووجوده، بعد الإشكالية والتشكيك اللذين سببهما الموقف الانفصالي الكردي من تاريخ هذا البلد المهم، حيث شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على «أهمية وحدة وسلامة أراضي العراق مع الاعتراف بحقوق الشعب الكردي»، مبديا استعداد فرنسا في الوساطة، للوصول إلى حلول تضمن تهدئة التوتر بين الحكومة العراقية وإقليم كردستان العراق.
وإذ كانت فحوى الدوافع الرئيسية التي تفسر حجم الجهود الفرنسية في الدفاع عن مصالحها في العراق، من خلال غض النظر عن طبيعة النظام السياسي الحاكم وثقافة أحزابه وقادته، يبدو واضحا ان الفرنسيين حالهم حال الآخرين يرون في أن استمرار بقاء العراق الموحد، هو الوسيلة الأكثر ضمانا في بقاء مصالحهم وتعميق وجودهم بدلا من عراق مُقسم تذهب أجزاؤه إلى الدول الإقليمية المارقة التي استطاعت تثبيت وجدوها الاقتصادي والديني
من هنا أصبح واضحا في أن الأهمية الكبيرة التي يمثلها العراق كقوة جغرافية واقتصادية، ناهيك عن أهميته التاريخية الحضارية، قد خيبت آمال الكرد وأفشلت مخطط الانفصال، على الرغم من الدعم الرسمي والحزبي الفرنسي المهم الذي تلقيه القضية الكردية في دوائر القرار المتنفذة في باريس. وكما كان لموقف الرئيس الفرنسي الأخير من خلال دعوته السلطات العراقية إلى تفكيك كل الفصائل المسلحة، بما فيها قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، بمثابة خيبة أمل للأحزاب الحاكمة في بغداد في البقاء والاستمرار من حكم العراقيين من خلال الطائفية والتبعية للأجنبي.
لقد ترجم الموقف الفرنسي الناتج من لقاء الرئيس الفرنسي ماكرون لرئيس الوزراء حيدر العبادي ونيجرفان بارزاني، والتصريحات المهمة التي تضمنها الخطاب الرسمي الفرنسي في ما يتعلق بالتمسك بوحدة العراق وسلامة أراضيه وحقوق الكرد المشروعة في عراق موحد، في ان موقف فرنسا مع العراق يتعدى من بعيد موقفها من الكرد والحكومة المركزية في بغداد وأهدافهما القومية والطائفية .وبمعنى آخر ان مصالح الدول الكبرى تحددها طبيعة سياساتها مع العراق الموجود على الخريطة السياسية، بعيدا عن دائرة الصراعات التي تقف وراءها الأحزاب والإثنيات المتنازعة على ثرواته وكراسي نظامه.
كاتب عراقي

فرنسا والعراق شرعية ثابتة وأنظمة متغيرة

أمير المفرجي

- -

1 COMMENT

  1. صدام حسين وقف مع جاك شيراك
    لكن شيراك لم يقف مع صدام !
    صدام عاطفي وشيراك واقعي
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left