من قرار ترامب إلى استراتيجية عمل فلسطينية جديدة

د. بشير موسى نافع

Dec 14, 2017

القول بأن خلف قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية اعتبارات محلية، هو صحيح على الأرجح. قرار بهذا الحجم ما كان له أن يعلن بدون اتخاذ أثره على قاعدة الرئيس الانتخابية، سيما في مناطق وسط الغرب الأمريكي، بروتستنتية التوجه، في الاعتبار، وبدون حساب الدوافع الملحة لتأمين الاصطفاف الجمهوري خلف الرئيس، الذي يواجه سلسلة من الأزمات والتحديات السياسية. ولكن الافتراض بأن ترامب مجرد رئيس غبي، غريب على مؤسسة الحكم ويفتقد الدراية الضرورية بالسياسة الخارجية، هو افتراض خاطئ. يبدو ترامب شخصية غير معتادة، وغير قابل للتوقع دائماً. ولكنه ليس بالغباء الذي يفترضه بعض مراقبي رئاسته.
إن لم يكن الرئيس قدر ردود الفعل العربية والإسلامية المحتملة لقراره، فلابد أن مؤسسات الدولة المختلفة، وذوي الخبرة المتراكمة في الشأن الخارجي من حوله، وفي شؤون الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، قد أخبروه بما يمكن أن يولده قراره من ردود فعل.
قرار القدس لم يتخذ بصورة مفاجئة، كما أن الرئيس، وبعض من كبار شخصيات إدارته، كرر الإشارة للمسألة طوال الشهور منذ تولي إدارته مقاليد البيت الأبيض. بمعنى، أن زمناً كافياً استهلك في دراسة المسألة بكافة جوانبها، وأن الرئيس كان يعرف أن قراره لن يمر بدون عواقب. اتخذ ترامب قراره ضمن تصور خاص بعلاقة الولايات المتحدة، والغرب ككل، بالعرب والمسلمين، تصور يستند إلى رؤية صراعية، إلى اعتقاد بوجود خطر إسلامي، يهدد الحضارة الغربية وموقع الولايات المتحدة، بغض النظر عن سذاجة هكذا رؤية للعرب والمسلمين.
إن كان أوباما، ولأسباب لا مجال هنا لتعدادها، بدأ عهده بمحاولة إعادة بناء صورة الولايات المتحدة في العالم، وفي العالم الإسلامي، بصورة خاصة، وبتبني خطاب تصالحي مع العرب والمسلمين، فإن ترامب يعمل من البداية على تأجيج مناخ الصراع والمواجهة.
ولهذا السبب بصورة رئيسية، وقبل أي سبب آخر، لابد من الرد على ترامب وقراره. يمثل القرار الأمريكي، بلا شك، استهتاراً بالقانون الدولي وأكثر من قرار لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة؛ ويمثل انحيازاً سافراً للدولة العبرية، وتخلياً فعلياً عن دور الوسيط في المسار التفاوضي لحل المسألة الفلسطينية؛ ويمثل استهانة بحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المشرق، قبل خصومها؛ كما يعتبر خطوة انفرادية، لم تؤيدها ولا تقبلتها أي من دول العالم الأخرى.
وهذه أسباب كافية لإطلاق رد عربي وإسلامي، بالرغم من أن القرار الأمريكي لن يغير كثيراً في أرض الواقع، لا على صعيد سياسات إسرائيل التهويدية، ولا على صعيد مصادرة الأرض وبناء المستوطنات. ولكن، قبل هذه الأسباب وبعدها، ثمة سبب لا ينبغي تجاهله أو ارتكاب الخطأ في قراءته: أن هذا الرئيس يتعمد بالفعل تبني سياسات عدوانية ضد العالمين العربي والإسلامي، حتى عندما تعارضه مؤسسات الدولة الأمريكية الأخيرة، وعلى صناعة الانطباع بأنه بصدد تعهد حرب شاملة ضد قيم ومحرمات العرب والمسلمين، سواء لأن هكذا سياسة تؤمن له دعم قاعدته الانتخابية الصلبة، أو لأنه مقتنع فعلاً بأوهام التهديد العربي والإسلامي.
وكان جديراً بخطوة ترامب العدوانية، بالفعل، أن تواجه بإدانة شاملة في مجلس الأمن الدولي، ومن كافة العواصم الغريبة؛ وأن دولة عربية أو إسلامية واحدة لم تستطع السكوت عليها أو تأييدها، حتى تلك الدول التي ربما حسب ترامب أنها ستدعم موقفه. لم يعد خافياً، بالتأكيد، أن إدارة ترامب كانت تعمل على تسوية جديدة للمسألة الفلسطينية، وأن فلسفة هذه المبادرة، التي تشتغل عليها مجموعة من المسؤولين الأمريكيين اليهود، المعروفين بتأييدهم للمشروع الصهيوني، تقوم على تطبيع عربي شامل مع الدولة العبرية، قبل المضي نحو طرح إطار لإنهاء الصراع على فلسطين.
لم يرشح الكثير مما تتصوره واشنطن ترامب لما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون، ولكن ما عرف من ردود فعل الرئيس الفلسطيني على ما تسلمه من مقترحات لا يبعث على الاطمئنان. فإن كان أبو مازن، الذي سبق أن أكد في مناسبات عديدة عدم تأييده أي صورة لمقاومة الاحتلال، وعلى إيمانه المطلق بأن المفاوضات هي السبيل الوحيد للحصول على الحقوق الفلسطينية، لا يستطيع قبول مقترحات إدارة ترامب للتسوية، فربما بات من الممكن للفلسطينيين تصور ما يطبخ لقضيتهم في أوساط الإدارة الأمريكية.
بارتكاب خطوة الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة العبرية، كشف قناع الصمت واللامبالاة عن أصدقاء ترامب، عرباً كانوا أو غير عرب، الذين كانوا يستعدون للذهاب بعيداً في التطبيع مع الدولة العبرية.
كما كشف قناع الصمت واللامبالاة عن أولئك الذي هجروا أهالي بعقوبة والحويجة، وعملوا على إبادة أهالي حلب وريف دمشق، باسم المقاومة. ولكن أحداً لا يمكن له أن يغفل عن أن النتيجة الأوضح والأكثر مضاء لقرار الرئيس الأمريكي تحققت في شوارع المدن العربية والإسلامية، من لاهور وديار بكر إلى القاهرة والرباط، وفي شوارع المدن والبلدات الفلسطينية. الفلسطينيون بدأوا انتفاضتهم الثالثة، والعرب والمسلمون يستعيدون قضيتهم الكبرى، وعماد وحدتهم عبر السنين. إن كان ترامب حسب أن باستطاعته لعب دور آلهة الحرب المقدسة بدون عواقب، فها هو الرد عليه آخذ في التبلور؛ وستكون إسرائيل نتنياهو، التي سارعت إلى الاحتفال بقرار الرئيس المتأزم، من يتحمل النصيب الأكبر من العواقب.
بيد أن عودة الشعب إلى ساحة الصراع، في فلسطين وخارجها، لن يكفي وحدة لبناء توازن قوة جديد. ثمة واجبات على سلطة الحكم الذاتي ادراكها؛ ليست مستجدة، بالتأكيد، ولكن القرار الأمريكي جعلها بلا شك أكثر إلحاحاً، ويوفر فرصة مواتية لتعهدها. أحسن الرئيس الفلسطيني في إعلانه رفض القرار الأمريكي، أحسن في التقدم لمجلس الأمن الدولي بشكوى ضد القرار، أحسن في إعلانه إلغاء اللقاء مع نائب الرئيس الأمريكي، كما أحسن في إيقاف أجهزته الأمنية عن التصدي لجموع الشباب والشابات الذين يخوضون المواجهة مع قوات الاحتلال في شوارع المدن والبلدات الفلسطينية. ولكن، لا الرئيس عباس، ولا سلطة الحكم الذاتي، يمكن لهما الاستمرار في سياسة التصدي للسياسات العدوانية الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي في ظل الشروط الراهنة. يعرف عباس أن سلطته رهينة المساعدات الأمريكية ومساعدات الدول الصديقة لواشنطن، العربية منها وغير العربية؛ كما أنها أسيرة التحكم الإسرائيلي في المقدرات المتاحة للسلطة، المالية وغير المالية. ويعرف عباس أن استمراره في التزام موقف متوافق مع موقف شعبه، يعني فرض عقوبات وضعوط باهظة عليه وعلى السلطة. السلطة الفلسطينية لا تستطيع حتى وقف التعاون الأمني مع العدو المحتل. المسألة، باختصار، أن على الرئيس الفلسطيني اليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، أن يدرك أن السلطة أصبحت عبئاً على النضال الوطني الفلسطيني، وليست مكسباً لهذا النضال.
حل سلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية كفيل بتحرير النضال الوطني من أعباء الارتهان للولايات المتحدة وحلفائها، ولحكومة نتنياهو؛ حل السلطة يعني إعادة الصراع إلى قاعدته الأولية البسيطة والواضحة: الشعب في مواجهة الاحتلال. وإن كان البعض لم يعد باستطاعته العيش بدون سلطة، فربما يمكن الانتقال بمؤسسات الحكم الذاتي، أو ما يصلح منها، من رام الله إلى قطاع غزة، الذي هو بالفعل أرض فلسطينية محررة، والمشاركة في الدفاع عن حريته. الاعتقاد بأن ترامب سيتراجع عن قراره ليس سوى وهم. ما تفرضه الوقائع ليس التعلق بأوهام تغيير جزئية في الموقف، بل نقلة كبرى في أهداف المشروع الوطني واستراتيجيته.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

من قرار ترامب إلى استراتيجية عمل فلسطينية جديدة

د. بشير موسى نافع

- -

5 تعليقات

  1. لا أفهم وجود سلطة وطنية فى ظل احتلال! على الفلسطينيين التخلص من هذا العبء الذى يثقل كاهلهم ، ويجعل بعضهم شريكا لغاصب أرضه! هذا وقت المقاومة ، لا تخففوا عن عدوكم تكاليف جرمه! وانتهزوا حماقة ترمب فى توحيد صفوفكم وإرهاق عدوكم ، جاء قراره فى الوقت المناسب ليفسد كارثة القرن (صفقة القرن )، ومن الشخص المناسب فهذا رجل سيء متهم فى ذمته المالية وسلوكه الأخلاقي . هذا وقت منظمة التحرير بتاريخها الجهادي العريق وحماس بتاريخها الإيماني الجهادي ، وجهاد الجهاد. وعلى الأمة انتهاز الفرصة لعزل هذا العدو وتعريته أخلاقيا ، والاستفادة من البعد الإنساني للصراع ، فهؤلاء شذاذ آفاق جمعوا ليغتصبوا أرض شعب ويشردوه ، وعلى الشعوب المطالبة والضغط على على الحكام ليقبلوا حشد اللاجئين على حدود فلسطين التاريخية يحملون مفاتيح بيوتهم وخرائط تبين أمكنتهم ، مسالمون لا يطالبون بدولة ، فقط بالعودة إلى بيوتهم! بذلك يحشر العدو فى زاوية ضيقة ! كتبت هذا التعليق يوم 09 ديسمبر على رأي القدس ، أعيده هنا لاتحاد العلة.

  2. لا اعتقد ان عباس قد و صل الى القناعة التامه بان السلطه هي العبء الوحيد الذي يمنع قيام انتفاضه حقيقه و كما انه غير مستعد لان يقوم بهذه الخطوه نظرا لتلاقي المصالح الشخصيه للمستفيدين من و جود السلطه مع العدو الاسرائيلي و لكن الكلمه الفصل للشعب . ان من الضروري ان يطالب الشعب بحل سلطته و اعادة الامور الى المربع الاول و لكن هذا ايضا اصعب لان القاعده الاساسيه في حركة فتح هي مع السلطه و مع المحافظه على وجودها.

  3. “القدس″ ، وترامب وصورة «الأمريكي القبيح» التي جسدها وليم ليدرر في كتاب امة من الغنم. وممالك الطوائف وأمراء الحارات والأزقة المتناثرة على مساحة الخريطة العربية.
    هي التي أوصلتنا لهذه المرحلة من التبعية و الإرتهان والتقوقع ، بعد إنكماش الشعور القومي والإعتزاز بالأمة العربية الواحدة ، التي كانت تشكل القاعدة الصلبة والحاضنة الحقيقية للرسالة الإسلامية ، هذه الأمة أصبحت تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف وتؤمن بقادتها من دون الله في عبودية حديثة ( عبودية القرن الواحد والعشرين ) وتدين لما تجمعه من حطام الدنيا دون نظرة ولو خاطفة لواقعها المرير والمزري ، وما آل اليه من تخلف وارتهان وهذيان ، وكانها تعيش اليوم الأخر بما يحمله من أهوال ، متناسين اليوم الحقيقي اليوم الأخر وما فيه من محاسبة وحساب، أو كما قال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( ألا من متعظ ولو بكلمة سواء ، وإلا ( ما كانت النسوان تبدي عهرها …… لو بين أشباه الرجال رجلا ) .

  4. الحكمة في ابقاء العمل السياسي قائما و لو كان متمثلا باستمرار السلطة الفلسطينية. و لكن في نفس الوقت عدم التضييق على المقاومة بكل اشكالها كحق مشروع. مع تنمية المقاومة السلمية داخليا و خارجيا بقدر الامكان. و لعل ابلغ رد على الموقف الامريكي و تابعيه هو المضي في المصالحة و اعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية مع تقويتها لا سيما من حيث الدفاع القانوني و الاخلاقي و التراثي عن الشعب الفلسطيني كله

  5. أخي بشير موسى نافع, تحليل هادئ ودقيق, وطبعاً يمكن أن يكون صحيحاً, لكني اتسائل هل بالفعل حل السلطة ونقل مؤسساتها إلى غزة مثلا أو إلى عمان سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح. عملياَ قد يكون ذلك شبيها باطلاق السجناء الذي فعله الرئس الراحل ياسر عرفات, عندما فشل في محادثاته مع باراك وكلنتون, لكي يعطي الضوء للأخضر لانتفاضة الثانية (وزيارة شارون كانت مقصودة وفي الاتجاه ذاته) وانتهت الامور إلى وضع ليس أفضل مما كان قبلها. أنا اعتقد أن إمكانية المناورة السياسية ضعيفة عند السلطة الفلسطينية ولهذا ما عليها إلا أن تتبع الشارع الفلسطيني في خطواته دون اتخاذ خطوات تبدو تاريخية لكتها لاتقود الى المطلوب, فلربما يكون من الافضل أن لا تضع المسؤولية على عاتقها في انتاح نتفاصة جديدة بل متابعتها إذا تبلورت فهذه لايمكن أن تنجح إلا بديناميكتها أي آلية حركتها الشعبية الذاتية, والسلطة يمكن أن تلعب دوراً ايجابيا في ذلك والأهم أن لاتلعب دور سلبي وكما اسلف أخي خليل ابو روق أن لاتقوم بالتضييق عليها رضوخاً لضغط إسرائيلي أمريكي أو عربي أو أي ضغط أخر. علينا جميعا أن ندرك أهمية المرحلة وأهمية الأخلاق في النضال الشعبي (أي القوانين التي تحكم نجاح النضال) وخاصة أن أمريكا دولة عظمى وإسرائيل من أشرس أنواع الاحتلال ولانجاح ضدهم إلا بمقاومة عالية المستوى وقوية بما يكفي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left