العالم بين فردوس القصيد وجحيم العنف

رشيد المومني

Dec 14, 2017

إن الانتصار للسلم، هو أحد أهم المطالب الحضارية التي يمكن أن يتشرف الشعر بتحمل مسؤوليتها، بوصفه أداة رمزية لمواجهة جحافل ظلامية تكتسح بعدوانيتها فضاء القارات دونما استثناء، انسجاما مع أدواره الثقافية والحضارية، التي يضطلع بها على امتداد تاريخه الحافل بأجمل ما أبدعته الشعوب والأمم، من نصوص منذورة للتغني بقيم المحبة والجمال، تبعا لما يمتلكه من عمق فني وجمالي، بوصفه الراعي الروحي والمعنوي للقيم الإنسانية.
وهي مسؤولية تنسجم مع وعي الضمير الإنساني، بما يعيشه العالم على امتداد العقود الأخيرة من تفاقم مريب لاختلالات ظلامية، تساهم بشكل قاطع في إذكاء نيران الحروب، وفي توسيع دائرة إرهاب جبان، يزهق على مدار الساعة أرواح الأبرياء في مشارق الأرض ومغاربها. وتلك لعمري، مفارقة تثير استغراب أي ملاحظ بسيط، يتساءل ببراءة عن دلالة تضاعف الأسباب المؤدية إلى تنامي موجات العنف، في ظل ازدهار علمي وتقني، يُفترض فيه مبدئيا أن يكون عاملاً موضوعيا ومنطقيا، من عوامل ترسيخ تقاليد الحوار، وقيم التفاهم الحضاري، كما لو أن الأمر، يتعلق بتحريفٍ مُتَعَمَّدٍ لمسار المعرفة باتجاه مضايق القتل، وبتحريف مسار العقلانية، باتجاه فوضى تأتي نيرانها على الأخضر واليابس. ومرد الاستناد إلى بلسم الشعر في هذا السياق، كونه المقابل الموضوعي للسلام، للحرية، والمؤهل بامتياز، لترجمة الأسرار الأكثر احتجابا وتأثيرا، في البنية الذهنية والسيكولوجية للكائن البشري، وخير دليل على ذلك، ما تمدنا به النصوص الشعرية الكبيرة، من حقائق فكرية، قد يستعصي الإلمام بها على الخطابات الفلسفية والعلمية، حيث القصيدة، بمثابة الصوت الذي فوضت له الطبيعة حكمة الحديث بضمائرنا، والبوح بما يتجاوز حدود أقوالنا، علما بأن تألق أي جنس من أجناس الكتابة، يعود أساسا إلى حضور لمسة روح الشعر في تضاعيفه، سواء كان سرديا أو تشكيليا، أو فلسفيا، بما في ذلك الخطاب العلمي، الذي يرتقي بفضل اللمسة ذاتها، من جفافه الموضوعاتي، إلى مقام التلقي المترع بانتشائه.
وحتى لا نقع في شراك رؤية شعرية مغرقة في مثاليتها، لا مناص من الإشارة إلى تجذر ظاهرة تضاؤل حضور مكسب اليقين، الذي كان من قبل يطمئن إليه الشعر في صياغته لبنياته وأشكاله ودلالاته، على حساب حضور ملموسٍ لحالة مزمنة من الشك والالتباس، الناتجة حتما، عن تفشي همجية العنف المنكلة بمعيش الكائن ومتخيله، بما يتعذر معه القول بإمكانية ضبط أدق الخيوط الفاصلة بين حدائق الشعر، ومحارق العنف، بالنظر إلى تداخل وتقاطع حدودهما، إذ حيثما يوجد الآخر، فردا كان أو جماعة، يمكن أن توجد حالات شعرية مترعة بفيوضات تواصلاتها البناءة، التي تظل معرضة في الآن نفسه لتسلط أعاصير العنف، بتأثير من أدنى عرقلة تواصلية، مبيتة كانت أو عفوية، قد تصدر عن هذا الطرف أو ذاك، لأن أخطر إشكال تعاني منه عملية التواصل، عقديا كان أو معرفيا، هو احتمال تعطلها بين لحظة وأخرى، بفعل طغيان هاجس الهيمنة والتسلط المستبد بذهنية هذا أو ذاك، خاصة إذا ما كان الإطار الثقافي أو الاجتماعي لتفاعلاتها مصابا سلفا بأعطابه التناحرية. وهنا تحديدا، تكمن وظيفة الشعر، المجسدة في نزوعها الجمالي، على أساس ترسيخ مبدأ أساسي ومركزي، هو مبدأ الإنصات، الذي يعتبر عنصرا مفصليا في تحقيق أي تواصل كفيل بإنضاج حوار عقلاني متكافئ، داخل منظومة الوطن الواحد، أو ضمن منظومة شعوب وأمم متنوعة ومتعددة. وجمالية الإنصات هذه، هي التي تسمح بتنظيف قنوات تواصلاتنا من أدران الخلافات المجانية، التي تتسبب في تفجير دوامات العنف، كما أن تأثيرها، لا ينحصر فقط في تعبيدها لسبل التواصل، بل يشمل إلى جانب ذلك، مهمة اختبارها لصلاحية بنياته، بالاستفادة من مستجدات القضايا الفكــــرية والنظــرية، بمعنى أن الشعر يشتغل على أعطابه الذاتية، قدر اشتغاله على فعل التواصل الذي يطال مجموع ما يتمخض عنه الواقع الاجتماعي والثقافي من إشكاليات.
وبالنظر إلى حضوره، في قلب التفاصيل الدقيقة، وفي تضاعيف كل اللحظات المترعة بالألم، والأمل، فإنه المؤهل بامتياز، للتعبير عن الأحوال الحميمية الموغلة في خصوصياتها، بالدينامية نفسها التي يتناول فيها الإشكاليات الكونية، بما فيها إشكالية العنف. كما أن قوة تفاعل الشعري في قلب الجزئي والكلي، فضلا عن تفاعله في تضاعيف العام والخاص، هو ما يبرر احتفاء الخطابات النظرية بما يسمى زمن الشعر، الذي لا ننكر حضور مسحة يوتوبية فيه، باعتبار أنه زمن الحلم بامتياز، وزمن الرغبة، وأيضا باعتباره جماع الأزمنة المستشرفة لبدائل مستقبلية، مضادة للأزمنة المتبناة من قبل خفافيش الظلام، إلا أنها في جميع الأحوال، يوتوبيا ممكنة التحقق، على أساس تمحور شعريتها حول كل ما هو حي، منتج وخلاق، داخل ذلك المنجم الروحي، الذي يلجأ إليه الكائن في بحثه عن توازنه المفقود، بين فضاءات مهددة برعود الأضداد.
من هنا يمكن القول، إن الأصل والقاعدة في تكامل كل كينونة، لا يمكن إلا أن يحيلنا على ذلك الشعر الموسوم بتوجهه الإنساني، في ما يحيلنا واقع العنف، إلى استثناء قوامه لؤم متخصص في إحداث فرق مدمر ومأساوي. ومن الواضح أننا هنا، بصدد الإشارة إلى عمق تلك العلاقة الصراعية والتناقضية، المراوحة بين ضوء العقل وظلمة التجهيل، التي يحاول خلالها كل من الشعر والعنف امتلاك زمام اللحظة، وزمام المبادرة، وهي علاقة تاريخية وقديمة، قدم معادلة القتل والإِحياء، بكل ما تحملها من دلالات ميثولوجيه، موحية بحضور ثنائية الفردوسي والجحيمي، التي تضم بين قوسيها كل ما يعيشه الكائن من مفارقات، يمحو بعضها بعضا، فحيث يهيمن العنف والقتل، يمتد بموازاته، هامش شعري قد يكون خافتا في صيغة إدانة وتنديد، كما قد يكون هادرا في صيغة غضب ووعيد. وأيضا، حيث تهيمن شعرية التواصل والرغبة في التفاهم، يحضر حتما، شبح العنف على هيئة تربص شرس، كي تتيسر مهمة قراءة تاريخ الكائن، ومنذ فجر الإنسانية، على ضوء معاناته من ضراوة عنف، تتعدد مواقفه، وتتلون ملابساته المراوحة بين عنف ذاتي واجتماعي، إلى آخر استيطاني، وعقدي واقتصادي، بدون إغفال عنف كل من الخصوصية والحداثة على حد سواء، اللتين لا تكفان معا كل على طريقتها الخاصة بها، عن ممارسة حجرهما القاسي على محيطهما.
ومن خلال هذه الإضاءات، نكون قد خلصنا للقول، بأن العنف لا يني يتلذذ بتنكره خلف أقنعته المتعددة، التي تجعله في أحيان كثيرة متأبيا على التوصيف، خاصة منها تلك الأشد مكرا، والموظفة من قبل الديكتاتوريات الشمولية بكل مرجعياتها، التي لا تتورع عن ادعاء رعايتها للشعر، وتقديرها للشعراء، في ما دافعها الأوحد، هو وضعهم جميعا تحت الحراسة الناعمة، من أجل أن يغضوا الطرف عن تجاوزاتها، لذلك سيكون من الطبيعي أن يضطلع الشعر، بمسؤولية تمزيقه لكافة هذه الأقنعة، من أجل الكشف عما يعتمل وراءها من نوايا نيرونية. وعلى الرغم من اقتناعنا بعدم امتلاك الشعر لأي سلطة سياسية قانونية أو إدارية، تلزم أعداء السلام بالعودة إلى أوكارهم، إلا أننا نثق في قدرة هشاشته العالية، على مواجهة حديد ونيران العنف، خاصة أن دلالة هذه الهشاشة، لا علاقة لها بمعجم الضعف والوهن، بقدر ما هي الترجمة الموضوعية لتلك الخفة المؤهلة للتموضع، حيث يجثم الألم بكلكله، بوصفها البلسم الرمزي، الذي نجدد ثقتنا في إمكانية إغنائه وتعميمه، انسجاما مع قوة وفعالية حضوره، في عالم ليس له سوى أن ينتصر لشعرية الفردوس على جحيم العنف.

٭ شاعر وكاتب من المغرب

 

العالم بين فردوس القصيد وجحيم العنف
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left