دراسة إسرائيلية حول الانتفاضة الأولى ودروسها

وديع عواودة:

Dec 14, 2017

الناصرة – «القدس العربي»: يكشف تحقيق إسرائيلي جديد إخفاقات الاحتلال في معالجة الانتفاضة الأولى في ذكراها الثلاثين، ويقول إن قادته فوجئوا بها وأخذتهم على حين غرة وعجزوا عن توفير أدوات لمواجهة احتجاجات مدنية واسعة. ويشير التحقيق الذي نشره المؤرخ العسكري الإسرائيلي البارز الدكتور أوري ميليشطاين إلى أن الانتفاضة الأولى شقت الطريق نحو اتفاق أوسلو في 1993 وأن الانتفاضة الثانية شقت الطريق لإخلاء قطاع غزة في 2005 وكلتاهما عبرتا عن انتصار فلسطيني. ويعتبر ميليشطاين الانتفاضة الأولى قامت في المرحلة الأولى على العودة الى «عصر الحجر» بمشاركة عشرات آلاف المتظاهرين، فيما شملت المرحلة الثانية «عمليات إرهابية» قادتها حركة حماس ويزعم أن إسرائيل شجعت قيامها في غزة وقتذاك».
ويعتقد المؤرخ الإسرائيلي أن الانتفاضة الأولى كانت حدثا مؤسسا بالنسبة لإسرائيل والمنطقة، وأنها ألهمت الشعوب العربية في «الربيع العربي» في نهاية 2010 ونالت من هيبة قادة جيش الاحتلال وعرضتهم عراة وتسببت بشقاق أيديولوجي لدى الإسرائيليين.
ويقتبس التحقيق قائد لواء الجنوب في جيش الاحتلال الجنرال بالاحتياط إيتسيك مردخاي الذي يقول إنه فوجئ وقتها ببناء أعداد كبيرة من المساجد في غزة بتوجيه من الشيخ الشهيد أحمد ياسين الذي سارع لتحويل جمعيته الخيرية لحركة حماس.
في سياق الحديث عن خلفية الانتفاضة يقول إن جيلا جديدا ولد بعد 1967 ولم يعرف الهزيمة ونال تعلما عاليا وشاهدوا الإسرائيليين يتسوقون في أسواق غزة وحازوا على انطباع أنه لا داعي للخوف منهم ولتمكينهم من مواصلة السيطرة عليهم. ويشكو مردخاي من عدم توفير معلومات استخباراتية كافية عن غزة وقلة عدد الجنود تحت تصرفه ممن بلغ عددهم 800 جنديا مقابل 650 ألف إنسان في القطاع.
ويشير لعدة أسباب لاندلاع الانتفاضة الأولى منها صفقة النورس بين إسرائيل وبين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة أحمد جبريل عام ،1985 وفيها تمت مبادلة 1150 أسيرا بثلاثة جنود. كما يشير لاغتيال قوات الاحتلال ستة ناشطين للجهاد الإسلامي في غزة انتقاما لقتل ضابط إسرائيلي، رون طال، في صيف 1987 مما أنتج حالة غليان. ويتوقف مردخاي عند عملية الطائرة الشراعية التي نفذها فدائي في نوفمبر/تشرين الثاني 1987 وفيها اقتحم قاعدة عسكرية في الجليل وقتل ستة جنود وأصاب خمسة قبل استشهاده.

أصابع الشباب

ويتابع «بعد تلك العملية صار الشباب الفلسطينيون يرفعون أصابعهم في وجه الجنود وهم يشيرون بحركة مفادها ستة مقابل واحد تعبيرا عن ارتفاع معنوياتهم. ويستذكر قتل تاجر إسرائيلي في سوق غزة في السادس من ديسمبر/ كانون الأول 1987 ولحادثة سير وقعت في مدخل غزة في اليوم التالي بين شاحنة عسكرية وبين مركبة فلسطينية نتج عنها مقتل أربعة عمال فلسطينيين ثلاثة منهم من مخيم جباليا مما تسبب باندلاع مظاهرات بادر لها أهالي المخيم متهمين الاحتلال بالانتقام لقتل التاجر المذكور. وقتل في المظاهرات شاب فلسطيني فنشبت الانتفاضة الأولى التي يكاد التحقيق يتجاهل كونها ردا طبيعيا على الاحتلال.
وردا على سؤال لماذا لم يخمد الجيش نار الانتفاضة وهي في بدايتها وقبل تعاظمها وانتشارها؟ يقول مردخاي إن الجيش فوجئ بها ولم يدرك ماهيتها ولم تكن قوات كافية والجنود لم يتدربوا بعد على مواجهة هبات شعبية. ويتابع «بعدما اطلع رئيس الحكومة اسحق رابين على خطورة الوضع استجاب لطلبي بتعزيز قواتنا في غزة لكن قائد الجيش دان شومرون رفض تطبيق التعليمات نتيجة جهله بما طرأ».
من جهته يضيف ميليشطاين، خيبة أمل الفلسطينيين على عدم توقيع إسرائيل لاتفاق توصل له قادة من الليكود منهم الوزير السابق دان مريدور ورئيس الحكومة السابق إيهود أولمرت مع الراحل فيصل الحسيني والأستاذ سري نسيبة ويقضي بتأسيس فدرالية بين إسرائيل وفلسطين والأردن.
ميليشطاين الذي يستخف بباحثين ومعلقين عسكريين إسرائيليين آخرين أشاروا بإصبع الاتهام لرابين لعدم تأجيله سفره لواشنطن في الأيام الأولى للانتفاضة، ويقول إنها سرعان ما انتقلت للضفة الغربية.
في مراجعاته النقدية يقول إن الجيش لم يبعث بخيرة قادته لمواجهة انتشار الانتفاضة في الضفة الغربية وترك مواجهتها بيد أجهزة أمنية أخرى كالمخابرات وحرس الحدود والشرطة والإدارة المدنية دون التنسيق فيما بينها. ويضيف «النتيجة كانت: قلة نجاعة. لم تتوفر مثلا أدوات تفريق المتظاهرين وسارع الجنود لإطلاق الرصاص على المتظاهرين مما تسبب بقتل كثيرين منهم وغطت وسائل الإعلام ما يجري وخسرت إسرائيل المعركة على الرواية من اليوم الأول. ويستذكر مردخاي قول رابين وقتها «أكسروا عظامهم «.ويقول إنه أخذها على محمل الجد وشرعنا باستخدام قوة مفرطة لإطفاء النار، ولاحقا قدمت لوائح اتهام ضد بعض الضباط بضغط من التغطيات الإعلامية وتنصل المستوى السياسي والعسكري منهم. أما الجنرال متان فلنائي الذي استبدل مردخاي في قيادة لواء الجنوب فيقول إن الوضع كان صعبا جدا في غزة ويقر أنه عجز عن منع توديع الدكتور حيدر عبد الشافي من قبل عشرات آلاف الفلسطينيين قبيل سفره لمؤتمر مدريد في 1992 . زاعما أن منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات لم تملك ناصية القرار في الانتفاضة الأولى التي قادها قادة ميدانيون في الضفة وغزة.

صعود حماس

ويقتبس التحقيق أقوال الجنرال بالاحتياط يتسحاق عبادي، حاكم غزة العسكري في مطلع سبعينيات القرن الماضي الذي يقول إنه تعلم  الإسلام في الكلية الدينية في غزة وكان «صديقا» للشيخ أحمد ياسين. ويقول عبادي إن رابين وشومرون ومردخاي وفلنائي لم يدركوا معنى الأحداث في لحظة الحقيقة. ويتابع «في العام الثاني للانتفاضة دعوت الجيش والمخابرات لتعقب خطب الجمعة في المساجد حيث حث الأئمة المصلين على الالتزام بانتفاضة الحجر دون عسكرتها معتقدين بقوة الحجر في مواجهة الدبابة والبنادق. اقترحت على جهاز الشاباك إرسال رجاله للمساجد ومنع تلك الخطب لكن المخابرات أبلغتني بعدم وجود عدد كاف من رجالها لهذه المهمة فكانت النتيجة أن هيمنت حماس على غزة والضفة خلال السنة الأولى من الانتفاضة «.
متجاهلا توجيه منظمة التحرير للانتفاضة من تونس واغتيال الشهيد خليل الوزير(أبو جهاد) على خلفية ذلك يتابع «فيما كانت شعبية عرفات لا تتعدى الـ 14 % فجاء اتفاق أوسلو وأنقذه». كما يقتبس التحقيق أقوال الجنرال في الاحتياط أماتسيا حين الذي قاد وحدة «شاكيد» لقمع  «موجة إرهاب» شهدتها غزة في مطلع سبعينيات القرن الماضي. ويتهم حين الجيش بتجاهل دروس «انتفاضة 1972- 1971» عندما نشبت الانتفاضة الأولى عام 1987. ومن هذه الدروس غير المستفادة : الجدوى من تركيز قوة كافية في الوقت المناسب واستغلال عنصر المباغتة والحصول على حسم سريع. ويتابع «في السبعينيات اعتقلنا 90% من المطلوبين دون هدم بيت واحد ودون مساس بمدني واحد بالخطأ أما خلال الانتفاضة الأولى فشارك من طرفنا مئات فقط من الجنود في غزة والضفة، وهذا ما اعتبره الفلسطينيون نقطة ضعف مما عزز ثقتهم بأنفسهم فكان جنودنا يضطرون لفتح النار على المتظاهرين كي ينجوا بأنفسهم «.

حتمية انتهاء الاحتلال

ويقترب التحقيق من توصيف أدق وأكثر واقعية بتضمينه رؤية جنرال آخر يدعى دوف تماري الذي يقول إن قادة إسرائيل وقادة جيشها ظنوا أن بوسعهم مواجهة الأحداث، لكنهم لم يدركوا أن الحديث يدور عن مسيرة تاريخية كبيرة في القرن العشرين مفادها استحالة سيطرة شعب على شعب آخر. ويتابع تماري «المصيبة أن جنودنا أصيبوا وقتها بفيروس الغطرسة المرضية التي تنعكس اليوم في قضية الجندي ليؤور أزاريا الذي أعدم شابا فلسطينيا جريحا من الخليل قبل عامين «.

الخلاصة

الباحث الإسرائيلي د. حاييم آسا نشر قبل أيام كتابا بعنوان «غرباء مع ذواتهم – التاريخ البشري كثورة في الوعي» وفيه يعالج الانتفاضات الفلسطينية. وفي التحقيق يقول إنه بموازاة  محاربة « الإرهاب « ينبغي إعطاء أمل للمدنيين الفلسطينيين الذين تدور مواجهة إسرائيل لهم على مستوى الوعي لا في المستوى العسكري. ويؤكد أن السياسة في إسرائيل تعاني من رعونة وسطحية وفقدان التحديق العميق بمسيرات داخلها ومن حولها، وفي الواقع هي لا تقود لبر الأمان. ويخلص التحقيق للقول إن العبرة الأساسية من الانتفاضة الأولى مفادها اجتياز قادة إسرائيل عملية تأهيل استراتيجي بمستوى عال من أجل ألا تفاجأ مجددا من أحداث أمنية على أنواعها وكي تمارس أجهزة الأمن دورها كما يجب مستقبلا في حالات مشابهة. ولم تخلص الدراسة لتبني استنتاج تماري باستحالة استمرار إبقاء شعب تحت الاحتلال.

دراسة إسرائيلية حول الانتفاضة الأولى ودروسها

وديع عواودة:

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left