خطاب ترامب: خلاصة زيف القيم الأمريكية 

لطفي العبيدي

Dec 15, 2017

التنازلات الفلسطينية والعربية ضمن عملية السلام مع إسرائيل لم تلق تجاوبا يُذكر، فإسرائيل لم ترغب يوما في تسوية بقدر ما تبحث عن تصفية للقضية الفلسطينية، وما فعله ترامب هو الدافع ذاته من منظور علم النفس التحليلي. فهو يجعلنا أمام امتحان حقيقي للعروبة والانتماء عنوانه «معركة المقدّسات»، وفي هذه الأثناء نُتابع  ممثّل فلسطين في مجلس الأمن يقرأ من ورقة، إذ لم يحفظ الرجل الدرس بعد، وعزاؤه أنّه ليس وحيدا في تقليدية الإنشاء والتنديد، فأغلبهم لم يغادر أطر الشعارات المتخاذلة، نحو فعل حقيقي من شأنه تغيير الواقع الفلسطيني بعد مضي سبعة عقود استعمارية.
يُطرح على الفلسطينيين قبول شروط الولايات المتحدة للسّلام، وهي شروط تحرمهم من حق تقرير المصير، الذي تكفله المعاهدات الدولية لكل الشعوب المستعمرة. يريدونه سلاما اصطلاحيا إجرائيا معقّما يرفضه الفلسطينيون، فيتمّ مباشرة إظهارهم على أنّهم يرفضون عملية السلام.
وهو أمر طبيعي وغير مستغرب من كيانات افتكّت الأرض غصبا وعملت على هندسة التّاريخ وتزويره، فالمعسكر الاسرائيلي الأمريكي واحد، وعملية السلام التي يلوكها بعض العرب بحماسة ببّغائية، ما هي إلّا إدارة أزمة وإطالة للمأساة، والأمريكيون متفوّقون في هذه المسألة ويتقنون ادّعاء الصدق والوساطة، وهم أقوى ظهير لإسرائيل، وأغلب من انخرط منهم في عملية السلام الكاذبة إنّما هم مُوالون للّوبي الصهيوني بشكل تام.
وقد بات واضحا أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل يقودان معسكر الرفض للسّلام في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية عنوانه الأكبر. فالحقّ يُسلب أمام أصحابه، ويجري التعاطف الغربي مع من أزاح السكّان الأصليين بجميع أشكال العنف والإرهاب، ويُصبح من المستغرب الحديث حتّى عن حقوق موازية بين أصحاب الأرض والمستوطنين اليهود. إسرائيل اليوم هي المشكلة الحقيقية في المنطقة، فهي التي تؤجّج المشاكل دوما وتدّعي أنّ العالم يضطهدها والمحيط الإقليمي يلفظها ومحور المقاومة يبحث عن إفنائها، وهي على ما هي عليه فكرا وسلوكا موبوءة بالتعصّب العنصري والحقد التاريخي، ويحرص كلّ حزب تداول على الحكم فيها على التوسّع والاستيطان، ويحشد ما يحشد من أجل تدمير الرابطة القومية العربية، وخلق التّباعد والتّنافر بين الدول العربية والإسلامية الأمر الذي يجعل من السلام الذي يردّده من تخاذل من العرب «مخدّرا موضعيا» لا أكثر.
لقد استقدم الصهاينة الإرهاب إلى فلسطين والمنطقة ككل، وإن كنّا اليوم أمام قوة احتلال في فلسطين تفتكّ الأراضي وتقيم في مناطق ليست لها والجميع يشاهد ذلك، ويساهم في إطالة أمد هذا الاحتلال الذي يقاومه الفلسطينيون لوحدهم، وفي الأثناء تعاني الحالة العربية عموما من كمّ كبير من التقوقع الدفاعي، ومن إحساس مفرط بالاضطهاد والسخط. ومثل هذا المضي في السلبية وإغماض العين هو الانتحار الجماعي الذي يتّجه إليه العرب، في الوقت الذي يبحث فيه نتنياهو عن الاستسلام بدل السلام الذي يقترحه العرب مقابل الأرض، والعرب يشتركون في جريمة التخاذل والتقصير، في الوقت الذي جعلت فيه أمريكا اسرائيل قوة سياسية مؤثّرة في العالم، خاصة عندما انفردت الولايات المتحدة بالتحكّم في فترة التسعينيات، وأصبحت قطبا وحيدا حاكما بمصائر العالم، وقامت بدور الحاضنة والمرضعة للكيان الصهيوني. وما زالت إلى الآن تدفع باتّجاه تفوّق إسرائيل في محيط ترغب في أن يتحوّل إلى كيانات طائفية بدل أمّة.
والدّعم الأمريكي لإسرائيل الذي انتهى إلى وهم إعلان عاصمة لهذا الكيان الغاصب، يزيدها تورّطا ويكشف زيف القيم الديمقراطية التي تدّعيها ويدفع باتّجاه تنامي موجة الغضب واتّقاد مشاعر الكراهية للولايات المتحدة، ومثلما وعى الغرب جيّدا دروس التاريخ، وبحث عن تدمير الإسلام والمسلمين وذلك بضرب اللغة واغتيال الحضارة وإزالة الفعل العربي في التاريخ، تعمل اسرائيل بدورها على نشر الصهيونية كحركة عدوانية تحكمها أهداف توسّعية لا تنتهي، وأحلام توراتية محرّفة في السيادة والغلبة، وتاريخها كما حاضرها يجهران بذلك بشكل واضح تمام الوضوح.
وبعد كلّ هذا يأتي خطاب ترامب الذي نراه فرصة تاريخية لتوحيد الأمة نحو استعادة  فلسطين وعاصمتها القدس، خلاف ذلك خذلان وهوان واستسلام لا رادّ بعده.
كاتب تونسي

خطاب ترامب: خلاصة زيف القيم الأمريكية 

لطفي العبيدي

- -

1 COMMENT

  1. وهل تبقى هناك قيم أمريكية ؟
    هذه القيم إنقلبت إلى مصالح
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left