في المستقبل السياسي لعبد الإله بنكيران

بلال التليدي

Dec 15, 2017

عشية قرار المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية برفض تعديل المادة 16 من النظام الأساسي التي تحصر المدة الانتدابية للأمين العام في ولاتين، أثير في الأوساط السياسية والإعلامية والدبلوماسية سؤال المستقبل السياسي لرئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، وما إذا كان حزبه أعدمه سياسيا بعد الإعدام الأول الذي مثله الإعفاء الملكي؟
من الصعب استشراف المستقبل السياسي لهذا الزعيم الوطني الذي ينضاف إلى قائمة الزعماء السياسيين الكبار أمثال علال الفاسي وعبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة وعبد الرحمان اليوسفي، لكن، يمكن الانطلاق من جملة معطيات تم رصدها لبناء تصور حول هذا المستقبل..
عمليا، ومنذ الإعلان عن نتائج السابع من أكتوبر، وتعيين بنكيران رئيسا للحكومة، تم تسجيل إخلاء بنكيران لخمسة مواقع ما بين حكومية وحزبية: غادر رئاسة الحكومة بإعفاء ملكي، وقدم استقالته من البرلمان، وغادر موقعه كأمين عام للعدالة والتنمية بسبب عدم تعديل المادة 16، وقدم اعتذاره من رئاسة المجلس الوطني بعد انتخابه في المؤتمر، ثم غادر العضوية في الأمانة العامة، ليصبح بعد ذلك مجر عضو عادي في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية.
من جهة السلوك السياسي لعبد الإله بنكيران، فقد تم رصد ثلاثة مواقف حاول من خلالها تدبير المرحلة، أولها أنه لم يصطف مع أي طرف داخل الحزب، سواء الذين دافعوا عن الولاية الثالثة، أو الذين رفضوها، والتزم بهذا الموقف حتى في المجلس الوطني والمؤتمر مع أن القانون يسمح له بالتدخل كما يسمح له بإبداء رأيه في التداول لاختيار الأمين العام، وثانيها، أنه دافع على مطلب الحرية في الحزب ورفض استعمال السلاح التنظيمي لقمع أو مصادرة حق أي عضو في الحزب في التعبير عن آرائه سواء المناصرة له أو المعارضة، وثالثها أنه، حرص على تأمين وحدة وتماسك الحزب عبر تدبير الخلاف مؤسساتيا من خلال اعتماد آلية الديمقراطية الداخلية للحسم في الولاية الثالثة وفي انتخاب الأمين العام.
هذه المظاهر المرصودة في المستويين: مستوى إخلائه للمواقع الرسمية والحزبية، ومستوى تدبيره المرحلة، تطرح سؤال القصد، وهل كان فعله منظما، أم خاليا من القصد؟ وهل ينتظم موقفه خطا سياسيا يفسر هذه الدينامية الجديدة، أم أنه اختار هذه المواقف السياسية انفعالا باللحظة السياسية وتعبيرا عن رد فعل مزاجي إزاء وضعه السياسي الجديد؟
قبل البدء في تمرين البحث عن خيط ناظم لهذه المواقف، يتطلب التفسير النسقي استحضار السياق بجميع ملابساته، ومواقف الأطراف الساسية الفاعلة إزاء موقع بنكيران في المشهد السياسي الراهن. وفي هذا الإطار، يمكن أن نرصد ثلاثة مواقف تم التعبير عنها: موقف القصر الملكي الذي عبر من خلال بلاغ الديوان الملكي عن السياق الدستوري لإعفائه، وأن الأمر يرتبط بمساعي بذلها الملك من أجل حث رئيس الحكومة على تسريع وتيرة تشكيل الحكومة، وبروز مؤشرات ظاهرة على صعوبة تشكيل الحكومة، وما يفرضه هذا الفراغ دستوريا من واجب تدخل الملك للحفاظ على سير المؤسسات، واختياره تعيين شخصية أخرى من حزب العدالة والتنمية لتشكيل الحكومة، إذ اقترن قرار القصر الملكي إعفاء بنكيران بالإشادة بـ»روح المسؤولية العالية والوطنية الصادقة، التي أبان عنها طيلة الفترة التي تولى خلالها رئاسة الحكومة، بكل كفاءة واقتدار ونكران ذات» وموقف القوى الرافضة للإصلاح، التي ترى في بنكيران رمزا لنجاحات العدالة والتنمية، وأنه يستحيل إضعاف الحزب بدون إعدامه سياسيا، وإفساد علاقته بالمؤسسة الملكية، ثم موقف العدالة والتنمية الذي تجاوب مع القرار الملكي، وثم تعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا جديدا للحكومة، مع ما طرأ من خلاف حاد داخل الحزب حول كيفية تشكيل الحكومة وما إذا كانت انجازا سياسيا فوت الفرصة على اللوبيات المعاكسة للإصلاح التي كانت تدفع في اتجاه إخراج العدالة والتنمية كلية من الحكومة، أم أنه عبر عن زلزال سياسي مس مصداقية الحزب وشعبيته وهويته الإصلاحية؟
عمليا، كان بنكيران يتحرك ضمن هذا النسق من التفاعلات، وبالتحديد ضمن ثلاثة سقوف، سقف الحرج الذي يمكن أن يثيره حراكه إزاء المؤسسة الملكية التي يمكن أن تنظر إليه كما ولو كان يريد قلب الطاولة على خلفية إعفائه، مما قد يفضي إلى رد فعل سلطوي مزاجي يمكن أن يعيد تجربة اندماج الإسلاميين إلى نقطة ما قبل الصفر، وسقف تأمين الاندماج السياسي للإسلاميين، إذ يمكن أن يظهر حراكه كما ولو كان محاولة لإفشال الدكتور سعد الدين العثماني وتعسير مهمته التي انتدبه الحزب للقيام بها تجاوبا مع القرار الملكي، وسقف وحدة الحزب، والأثر الخطير الذي يمكن أن يؤدي إليه حراكه لو اتجه بشكل مباشر للتعبير عن موقفه، إذ يمكن أن يفضي به ذلك إلى شق الحزب إلى شقين.
اختار بنكيران أن يؤطر موقفه بهذه السقوف الثلاثة إلى غاية المؤتمر، واستطاع بذلك أن يفسد على القوى المعاكسة للإصلاح رغبتها في إفساد علاقته بالمؤسسة الملكية، إذ تضمنت رسالة التهنئة الملكية للدكتور سعد الدين العثماني، وللمرة الثانية، إشادة بابن كيران «لما أسدى اهل وطنه ولملكه ولهيئته السياسية، من خدمات جليلة»، كما استطاع أن يدافع بقوة عن خيار إسناد الحكومة، ويعزز موقعه الرمزي داخل الحزب كزعيم وطني كبير أدار مرحلة أزمة حزبه باقتدار وجره إلى بر النجاة من الانقسام بحكمته باعتراف كل قادته بما في ذلك رئيس الحكومة والأمين الجديد للحزب، وفي الوقت ذاته، ضمن لنفسه مسافة تتيح عدم تحمل أي مسؤولية سياسية عن المسار السياسي لهذه الحكومة بعد زالزال إعفائه.
نعم ضيقت هذه السقوف الثلاثة من حجم حراكه السياسي، لكنها لم تمنعه من تحقيق هذه الأهداف الكبيرة، ولم تمنعه أيضا من التلميح بثلاثة محددات ترسم صورة عن مستقلبه السياسي:
رفض الاعتزال السياسي.
رفض مغادرة الحزب.
رفض التموقع داخل المؤسسات الرسمية والحزبية.
وهي في مجموعها، تؤشر على خيار سياسي ينطلق من الإصرار على الاستمرار في خطه الإصلاحي.

٭ كاتب وباحث مغربي

في المستقبل السياسي لعبد الإله بنكيران

بلال التليدي

- -

1 COMMENT

  1. ربما المخزن الآن يرى امام عينيه انه ليس دائما تسلم الجرة. طريقة التغلغل في الاحزاب و تفجيرها من الداخل
    .كانت ناجحة دائما الى … الى ان جاء بنكيران. استُعملت كل الوسائل لتكسير لحمة حزبه … بدون تاثير يذكر …
    و ربما خرج الحزب بمؤهلات قد تجعل منه اقوى في المستقبل القريب، لان ما جرى، كان مخاض مقاومة لفيروس
    فرق تسد. اراه الآن في فترة نقاهة بعد اجهاد كبير.
    .
    كان بامكان الاستاد بنكيران ان يُسكت جميع مناصريه لولاية تالثة منذ البداية … لكنه لم يفعل، و هو يعلم ان القرار بيده.
    لم يفعل، لانه اولا لم يفهم شيئا في ما وقع قبل الاعفاء، مقربين منه كانوا يحثونه على الصمود … ثم انقلبوا 180 درجة
    بعد الاعفاء … هل كان لمساعدته على الصمود شيئ في نفس يعقوب … ماذا كان الهدف اذا … و بدون تخوين احد.
    .
    هذه الاسئلة و أخرى جعلت بنكيران لا يغلق ملف الولاية التالثة منذ البداية، و يتركها تتفاعل باريحية، لانها ستجيب عن تقريبا
    كل التساؤلات و خبايا الامور قبل الاعفاء … و هذا هو فعلا ما وقع … للاسف الشديد … قد اضطر بعضهم ان يعلنوا جهارا
    ما كانوا يخفونه، امام الجميع، اما الحزب، و امام المواطنين. لذلك انا اسمي ما جرى من مخاض هو في النهاية صحي كثيرا،
    سيقوي حزب العدالة و التنمية، و سيجتث الفيروسات … و اول المؤشرات هو رفض برلمان الحزب لاقتراحات العثماني، في
    انتظار رفضهم و آخرين من المواطنين في الانتخابات المقبلة. لذلك، انا ارى ان سي بنكيران مرضي الوالدين، و هو الآن صار اكثر تاثيرا.
    .
    مؤتمر حزب العدالة و التنمية، كان آخر اطوار تساقط اوراق التوت، استعملت كل الوسائل حتى المحضورة لذى الحزب … و ابتزاز … و مكابرة … و بعد المؤتمر مباشرة بدأ الاقصاء … حتى في حق كاتب هذا المقال … لكن في النهاية، لن يكون لهذا تاثير يذكر.
    .
    ربما سيكون عملا رائعا ان استغل سي بنكيىان شبه الفراغ الآن في اكمال الانفتاح على كل القوى الحية التي تريد الخير للبلاد،
    خصوصا اليسار الوطني اقصد، لتحديد ميادين التعاون معها بعيدا عن ميادين التدافع الايديولوجي الدي سيستمر طبعا.
    .
    سي بن كيران، الله يرحم من رباك. فهمتني و لا لا … انتهى الكلام.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left