انتفاضة «القدس» تشق طريقها عنوة

محمد عبد الحكم دياب

Dec 16, 2017

منذ أن أصدر الرئيس ترامب قراره بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وردود الفعل المحلية والإقليمية والعالمية تتسع، وبدت غير قابلة للضبط والتحكم، ولم يكن قرار ترامب جديدا، وكان مؤجلا من منتصف تسعينيات القرن الماضي؛ بسبب انشغال البيت الأبيض بتأكيد انفراده بالهيمنة على العالم، وتهيئة المسرح العربي ليكون على حالته المتردية الراهنة، بعد أن أنهكته الحرب العراقية الإيرانية على مدى ثمان سنوات، وجاء غزو العراق للكويت ليفتح أبواب الجحيم على المنطقة، وذلك الجحيم لم ينطفئ حتى الآن، وما نتج عنه هو تركيع العرب وتدميرهم، وتحويلهم إلى مسوخ لا حول لها ولا طول، وتهيأت الظروف التي مكنت ترامب من اتخاذ قرار بائس كهذا، وهو المتحرق شوقا لاتخاذه، وهو دين مطلوب سداده لمن وقفوا خلفه، وأدخلوه التاريخ كأحد رموز المشروع الصهيوني؛ أساس العقيدة السياسية والعسكرية الأمريكية.
وعُرِض مشروع نقل السفارة الأمريكية لـ«القدس» على الكونغرس في تشرين الأول/أكتوبر 1995؛ على أن ينفذ في موعد أقصاه أيار/مايو 1999. وتمت الموافقة عليه في تشرين الثاني/نوفمبر 1995، بأغلبية كاسحة؛ 93 صوتا مقابل 5 فقط أصوات رفضت الموافقة في مجلس الشيوخ، ووافق عليه 374 صوتا وتم رفضه من 37 صوتا من مجلس النواب.
وصرحت تل أبيب بأن «القدس» عاصمة للدولة الصهيونية في 1950، وأعدتها مقرا لسلطاتها ومؤسساتها الوزاريّة والإداريّة والتشريعية والمالية، بما فيها مقر الرئاسة ومبنى الكنيست (البرلمان) وحولتها لمركز رسمي للدين اليهودي، وتجاهلت أهمية المدينة المقدسة في المسيحية والإسلام؛ الديانتين التوحيديتين الأكبر، وقرر الكونغرس معاقبة كل من يتقاعس عن تنفيذ هذه الخطة في موعدها المحدد.
ولأكثر من عشرين عاما ووعود الرؤساء والمسؤولين الأمريكيين تتكرر عن نقل السفارة الأمريكية إلى «القدس». والاستناد إلى مادة في قانون 1995 تمنح الرئيس الأمريكي حق تأجيل التنفيذ كل 6 أشهر، وذلك ما فعله جميعهم حتى جاء ترامب، ليقرر في السادس من هذا الشهر نقل سفارته إلى «القدس»، وقوبل القرار باستهجان وإدانة المجتمع الدولي، وكل الدول العربية والإسلاميّة والفلسطينيّين ومن مرجعيات دينية كبرى؛ مثل بابا الفاتيكان وبابا الكنيسة المرقسية المصرية. وشذت عن ذلك دولتان هما تشيكيا في شرق أوروبا والفلبين في آسيا، واقتنص ترامب الفرصة؛ وتأكيد إنتمائه الصهيوني، والتخلص من عبء «عملية السلام»، وقلنا عنها الاسبوع الماضي أنها عملية غير موجودة إلا في مخيلة نوع معين من أصحاب القرار العرب.
وبدا الموقف العالمي منصفا لـ«القدس» وللفلسطينيين والعرب والمسلمين، في نفس الوقت كشف نموذج إنساني بمستوى ملك وملكة السويد، وقد اعتمرا الكوفية سيرا على الأقدام وسط الناس، وكان العلم الفلسطيني جزءا من مكونات الكوفية، ومزين بعبارة «أقصانا لا هيكلهم».. إنهما يستحقان حمل لقب المواطن الفلسطيني الأول؛ تقدمه لهما هيئة فلسطينية أو عربية مرموقة ولها مكانة أدبية وفكرية وأكاديمية عالية؛ غير جامعة الدول العربية، بعد أن انتهت ولحاقها بقطار الصهينة..
حين نعرض لعدد من المواقف نجد أن سقف الموقف الفلسطيني الرسمي متدن بسبب العجز الذي تعانيه جل الحكومات العربية، وبذلها قصارى جهدها لإزاحة «الهم الفلسطيني» عن كاهلها؛ والهرولة صوب عدوها تطلب الغفران وتستجدي العفو؛ خوفا وهلعا، وهذا عكس الموقف الشعبي، الذي فاق الوصف. ومن لحظة إعلان القرار البائس انتفض الفلسطينيون؛ في تحد واضح للمستوطنين وجنود الاحتلال، والبوادر تنبئ عن استمرار الزخم، فلم يبق أمام الفلسطينيين والعرب غير الانتفاضة، ثم المقاومة.
وضمن هذا السياق نرى الحراك التونسي ليس أقل من انتفاضة شعبية كاملة؛ جاءت نتاج إجماع القوى السياسية والمدنية الفاعلة على رفض قرار ترامب، وعم الرفض مختلف محافظات الدولة واتخذ أشكالا عدة؛ مسيرات منذ مساء الخميس قبل الماضي، وتنظيم الاتحاد التونسي للشغل لمسيرة وطنية حاشدة جابت العاصمة، مساء اليوم التالي (الجمعة)، ودعا رئيس اتحاد الشغل إلى مقاطعة اقتصادية وتجارية شاملة للمنتجات الأمريكية، وأعلنت نقابة الصحافيين؛ تشاركها منظمات أخرى مقاطعة فعاليات السفارة الأمريكية، وأعلنت إدارة أيام قرطاج المسرحية إلغاء احتفالات افتتاح هذا النشاط الثقافي المتميز (الجمعة قبل الماضية) تضامنًا مع الفلسطينيين. ونفّذ المحامون التونسيون إضراباً بجميع محاكم البلاد، وأعلن القضاة تأجيل الفصل في الدعاوى تضامنًا مع الشعب الفلسطيني.
وتقدم قادة الأحزاب الرئيسية ومختلف القوى السياسية والمنظمات الوطنية؛ كانوا يتقدمون تظاهرة حاشدة ضمت آلاف المراطنين الجمعة قبل الماضية، وكان عنوانها «تونس وفلسطين» ودعا لها اتحاد الشغل؛ رفعت الأعلام الفلسطينية، ورددت شعارات التحرير والعودة ونصرة «القدس». وحالت قوات الأمن بين السفارة الأمريكية وبين الجمهور الغاضب، بعد مناوشات وقعت بين الشرطة والمتظاهرين. وارتفع سقف المطالب الشعبية ليرتقي الموقف الرّسمي لمستوى الحراك الشعبي.
هذا واستدعى الرئيس التونسي السفير الأمريكي معربا عن رفض تونس لقرار نقل السفارة. وجددت الخارجية التونسية تأكيدها على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، وأهابت بجميع الأطراف الدولية عدم اتخاذ إجراءات تمثل اعترافا علنيا أو ضمنيا بضم القدس، وأعلن المكتب التنفيذي للشغل بمدينة «صفاقس» مقاطعة السفن الأمريكية التي ترسو بميناء المدينة التجاري وامتناع العمال عن تفريغ السفن احتجاجا على القرار.
وفي الجناح الآخر لـ«القارة العربية» يقف لبنان متحديا كما العهد به، فهب منتفضا بشعبه وقواه الشعبية والسياسية والدينية، وخرجوا جميعا؛ يعلنون العصيان والتمرد على الضعف. ويرفضون الموات والاستسلام. وأسقطوا من حساباتهم الفروق والانقسامات، وتجاوزوا خلافات المذهب والطائفة والعشيرة، ووقفوا كأسرة واحدة؛ بعثت برسالة واضحة إلى العالم بأن ما يجمع بينهم أضعاف أضعاف ما يفرقهم، وشعارهم هو الصمود والمقاومة، وهزيمة المشروع الصهيوني بكل الوسائل المتاحة، ومنها قطع العلاقات بواشنطن..
هذا وأخرج مجلس النواب الأردني معاهدة السلام الأردنية الصهيونية من بين أضابير المحفوظات، ويعيد قراءتها، وكشف ما فيها من جور وعسف، وتقديم اقتراح بمشروع قانون لإلغاء اتفاقية «وادي عربة»، وناقشت اللجنة القانونية الثلاثاء الماضي كل الاتفاقيات المبرمة مع تل أبيب، وانتهاكات الطرف الصهيوني وتقديمها لمجلس النواب، ونقلت صحيفة «الغد» على لسان رئيس اللجنة القانونية بمجلس النواب بأن اللجنة تتجه إلى مخاطبة المنظمات والمؤسسات والمحافل الدولية لفضح الانتهاكات الصهيونية بعد ان تبين لها أن الكيان الصهيوني لم يكن في باله يوماً تحقيق سلام عادل يخرج المنطقة من أزماتها.
رغم ذلك يأتي الموقف الرسمي البحريني مكللا بالعار، ووصفه رئيس تحرير «الشروق المصرية» الثلاثاء الماضي: «بأن أسوأ وأحمق قرار هذا الأسبوع، كان سفر وفد من مملكة البحرين إلى الدولة الصهيونية يوم السبت الماضي. وكان عدده 24 شخصا، والتقى بمسؤولين في الحكومة الصهيونية، وتفقد أماكن دينية للمسلمين والمسيحيين واليهود، وبثت القناة الصهيونية الثانية لقطات عكست حجم السعادة والحبور لوفد في رحلة مدرسية ترفيهية، وليست لكيان استيطاني لم يتوقف يوما عن قتل شعب عربي شقيق، واغتصب أرضه واستباح مقدساته وعبث بها، وكان من الطبيعي أن يمنع المقدسيون الوفد من دخول المسجد الأقصى، ونفس الشيء حدث من أهالي «غزة»، فمنعوه من الدخول، وتوعدوه باستقبال بقذائف «البيض الفاسد».
وبدأت في «القدس» ملحمة جديدة من ملاحمها المتجددة.. وهناك مؤشرات بأنها ملحمة مستمرة، من أجل أن تقطع شوطا كبيرا على طريق التحرير والعودة الطويل، ومن المتوقع أن تعجل بتصدع الشكل العنصري المهيمن على فلسطين والمناطق المحتلة!!

٭ كاتب من مصر

انتفاضة «القدس» تشق طريقها عنوة

محمد عبد الحكم دياب

- -

1 COMMENT

  1. الأخ محمد عبد الحكم دياب….لم أكن يوما لأشك بعروبتك ووفائك لأمتك ؛؛ ورغم بعض ( السقطات ) التي وثقّتها أنا أحيانا .؛ الا أني وقبل أن أنهي قرائتي لكلمتك أعلاه ..؟ فلم يكن لي الا وأن أتوقف بشديد المرارة والامتعاض .؟؟ وأكرر هنا تعبيرك كما كتبته أنت ( ..وجاء غزو العراق للكويت ليفتح أبواب الجحيم على المنطفة ..؟؟) أخ محمد ….أن يأتي عربي حر وعي ( حسب قناعتي ) كوارث أمته؛؛ وعاش معظمها ؛؛ ودون تاريخا لا يقبل التزوير أو المغالطة..؛ أن تأتي أنت يا من أحترمته وباكرام ، وتصف ..دخول العراق للكويت …غزوا .؟؟) متجاهلا كافة الظروف والتي لا أشك للحظة بمعرفتك بها وبما أحاط بها..فانه لأمر جللّ يصدم الضمير والعقل والكرامة ..؛؛ العراق لم يغزو الكويت يا أخ محمد ؛؛؛ العراق كان في أقسى لحظات القرار والذي لم يكن له اطلاقا سـوى اتخاذه .؛؛؛ العراق لم يكن ليفكر للحظة لمثل هذه الجريمة والتي ارتكبها حكام الكويت وأن يرغم بعد قطع كل حيلة وحــّل .؛؛ بأن يدخل قرية الفسوق والعهر الكويتية ؛؛ العراق كان في حالة دفاع عن وجوده وصيانة كافة ما أنجزه له ولأمتنا ..؟؟ كان عليك يا أخ محمد أن ( تقفز ) فوق تلك المرحلة ..العار …وتسهب بما تابعت فيه مقالتك؛؛ لقد تجاهلت ولست أدري أهل عن عمد.؟؟ أم ماذا ..؟ تجاهلت الظروف وكافة التداعيات التي تلت وعلى الفور بعد ركوع الحاخام الخميني وغرقه في الفاو .؛؛ كيفت انقلب الأخوة ( الداعمين ) قبل قليل خلال القتال وبأمر أمريكي ؛؛ الى أعداء أشد صهيونية من الصهاينة في محاولة تدمير ووقف العراق عن اعادة الاعمار وانجاز برنامجه العسكري والموشك حينها على اتمامه ومن ثم قلب موازين القوة في المنطقة كلها لصالح أمتنا ، بعد تركيع الفرس ووضع الهدف العربي الفلسطيني في مقدمة المعركة والتي لم يكن للعراق أي هدف آخر سواها ؛؛؛ هل حاولت يا أخ محمد تفسير أو تبرير تصرف آل الصباح ؟ هل كانت الكويت ستمنى بالجوع والفقر لو أنهم تمهلوا ريثما ينتعش العراق والذي دفع نصف مليون شهيد ولحمايتهم هم قبل حماية العراق من طاعون الفرس المترقب رغم جراحه العميقة ؟؟ ثــم هل علمت متى ؟ دخل العراق للكويت ؟ كانت طلائع الحملة الصليبية قد هبطت حينها في ( حفر الباطن )؛؛ فوق أرض محمد ( ص) ؟ وكان الموفدون لمؤتمر (جدة ) لم ينتهوا بعد من اجتماعهم .؟؟؟ يؤلمني أن أكتب معلقا على كلمة تمنيتها لو أنها قد جاءت من سواك.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left