هالا محمد: «أعرني النافذة يا غريب»

Dec 16, 2017

في سنة 1994 أصدرت الشاعرة السورية هالا محمد مجموعتها الشعرية الأولى «ليس للروح ذاكرة» عن وزارة الثقافة السورية حين كان المفكر الراحل أنطون مقدسي يترأس مديرية الترجمة والتأليف؛ الذي كتب على الغلاف الأخير: «لم تقع عيني على شعر امرأة إلا وقرأت هذا الحلم، حلم انتظار الحب، أكان أم سيكون. هذه المجموعة سؤال يلغي المسافة ويبقيها. وحديث عن كل شيء ولا شيء. الحداثة حررت المرأة، وشعر الحداثة حرر الشعر. ولكن الشعر كالحب، إصغاء. وقلة هم الذين يجيدون الإصغاء».
في السنوات اللاحقة سوف تصدر محمد ستّ مجموعات: «على ذلك البياض الخافت»، «قليل من الحياة»، «هذا الخوف»، «كأنني أدق بابي»، «قالت الفراشة»، و»أعرني النافذة يا غريب». وهي تهدي المجموعة الأخيرة «إلى السوريين المنسيين في السجون والمقابر والخيام. إليهم في الشتات تدور بهم الأرض في طريقها إلى البيت». والقصائد الـ55 متوسطة أو قصيرة، تعكس الكثير من خصائص شعرية محمد من حيث امتزاج مفردات العيش اليومي، الوجدانية والمادية، الفعلية والمجازية؛ بأنساق متغايرة من استحضار سوريا البلد والناس، المكان والزمان، الحاضر والماضي، ضمن صياغات كثيفة في حمولاتها الدلالية، رهيفة في أبنيتها الإيقاعية، لا تكاد تضبط خطاب الذات إلا بميزان التخاطب مع الوطن.
هنا قصيدة «فكرة (3)»:
بعد أن صارت سوريا اثراً بعد عينٍ
اضعُ عيني من بعيد على الأثر وأتسمّرْ.
تعلمتُ لغة جديدة… لغة الطريق الجديدة في العودة الجديدة إلى البيت الجديدِ
صارت لي عودة.
تعلَّمتُ من جديدٍ لغةَ الحاجاتِ… الطحينِ والزيتِ والملحِ… والسُّكَّرْ
أقولُ شكراً طيلة النهار… وفي بهيم الليل يصحو الاعتذارْ
أتسلّى مع اللغة… كما يتسلّى ورق الخريف مع اللون الأصفرْ
 تعلمتُ لغة جديدة كي يفرح ابني بي… كي يدعوني إلى السينما…
فنمشي معاً بين الناس في الطريق إلى الناس
ويطلب مني بصوته الفضيِّ… ونكون على رصيف السينما… وتكون الدنيا كصيف سوريا
أمي… فأنتبه وأشكر الدنيا… أمي إقرئي لي قصيدة يا أمي…
كلّ ما أرجوه من الله… أن يعيد كلمة أمي أكثَ من مرةٍ كلّ مرّةْ
تلك قصيدتي.
وأعتذرْ من الله لأنني أسخّره لتحقيق أمنيات فانيةْ
أتسلى مع الله كما يتسلى مع النهر قاربٌ من ورقْ.
تعلمتُ أن أنسى حكاياتي… أغمض عيوني لتضيع الحكايات… وتُغمض الحكاياتُ عيوني من شدّة الأشواقْ
نتسلى حكاياتي وأنا كما تتسلى شجرةُ السّروِ مع العصافير في المقبرةْ
تعلَّمتُ لغة جديدة… كي أكتب لشاعرة غريبة في تربتها قصيدَتَها بعد أن رحلتْ هي… أنا .
شمالَ مساكب الحبق قبور أحبتنا… شمالَ البحرْ
شُفَّ لي من الشرق دمشقَ يا شعرُ… شفَّ لي هواءَ الشمال ومواسمَ الفلّ والألفة والأنس والسهر.
يقولون إنّ الزمن بعد زمن سيتبلور! يقولون إنّ الزمن سيتبلوُ بعدَ زمنْ… وأننا بعد زمن سنرى الفكرةْ
أننا سنرى الفكرةَ بعد زمن… يقولونَ… الزمن كيمياء الفكرةْ
أكرّرُ ما أقول… أكرّرُ الكلمات… أكرّرُ الكلمات مئات المرّات كي أثبّتها… فأنساها… أنساها فأعتذرْ
أتسلى بالتكرار كما تتسلى المخلوقاتُ التي تفترش الأرضَ بالإصغاءِ إلى زحف الزلازل والبراكينِ
قادمة في باطنِ الأرضِ من ملايينِ السنين.
سيتبلور الزمن بعد حين وسترانا يا حبيبي الفكرةْ
الفكرة التي أحببناها وحلمنا بها وصارت العين وصرنا الأثرْ
ماذا كنتَ ستسميها… لو رقدتْ في حضنك الفكرةُ التي طالما حلمنا بها ومتنا من أجلها ربما
أو تبلورت ربما… كي يَصدُقَ الحُلمْ.
ماذا كنتَ ستسمّيه… لو على صدركَ فجأةً… تبلور… وغفا الحلمْ.
المتوسط، ميلانو 2017

 هالا محمد: «أعرني النافذة يا غريب»

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left