لسْتَ في أرض العرب

إحسان الفقيه

Dec 18, 2017

«من فضلكم، هذا الأمر يجب أن يتوقف، ولا بد أن نحترم مشاعر المسلمين تجاه مُقدساتهم، المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين أمر مقدس جدا، فمن المهم ألا نستدعي موضوعات وتجاوزات وإجراءات تستفز المسلمين».
كلمة إنصاف بحق القدس والمسلمين، ولمسة إنسانية رائعة، حملتْ توقيع وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان. ماذا لو حذفنا توقيع وزير الدفاع الإسرائيلي، ووضعنا مكانه توقيع رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، الذي هو صاحبها الحقيقي؟
أعد قراءتها من جديد لتدرك قيمة القدس لدى حكام العرب، وأنّ قُصارَى ما يقدمونه كلمة استجداء للكيان المُحتل، لكي يترفّق بالمسلمين ولا يجرح مشاعرهم تجاه المقدسات، ولا عجب، فنخوة العروبة تحت الرُّكام، ولم يعُد للقوم من ميراث العرب سوى النسب.
فأنت أيها الكريم، في مكان آخر ولستَ في أرض العرب.
دخلتْ قضية القدس في هذا المُعترك الأخير، ولكن إيّاك أن تفْغُر فاكَ، فإذا كنتَ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صعد الإمام المنبر وعلى مقربةٍ منه مثوى النبي الكريم، وفاجأك بخُطبةٍ عن تعاقُب فصول السنة، في الوقت الذي يُباع فيه مَسْرى رسول الله في سوق النِّخَاسة، وأبناء القدس يواجهون رصاصات الاحتلال بصدور عارية، فاعلم أنك لستَ في أرض العرب. إذا كنت ممن أثلَجَتْ صدورَهم القمةُ الإسلامية الأمريكية بالرياض، بحضور 37 من قادة الدول العربية والإسلامية، وخمسة رؤساء حكومات وأولياء عهود، فلا تكترث لحضور 16 رئيسا – فقط – القمة الإسلامية الأخيرة في اسطنبول التي انعقدت من أجل القدس، قالها أحد المغردين: «حضروا لإيفانكا ولم يحضروا للقدس» وصدَقَ الرجل، فإن الأولوية لدى القادة أصبحت ترسيخ العلاقات مع الكيان الصهيوني.
 لا تبتئس يا ابن الدين، فلست في أرض العرب.

«إدفع ريالا تنقذ عربيا» الله الله، ما أجمله من عنوان لحملة التبرعات التي أُطلقت في السعودية بدعم رسمي نصرة للقدس والفلسطينيين، لا ليست في هذه الآونة وإنما حدث ذلك عام 1968، فتلك هي السعودية التي ناضل أبناؤها في حرب 48 في فلسطين ضد الصهاينة. تسألني ماذا عن الوضع الحالي؟ لا فرق يُذكر غير أن المملكة تُصنّف حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس كجماعة إرهابية، وينشط إعلاميوها ضد الفلسطينيين، ويحْفِدون باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولا تكاد تلحظ في صُحفها انتقادات للانتهاكات الإسرائيلية.
 لا عليك، لا تحزن، فلستَ في أرض العرب
ولا أنصحك بقراءة مقال على صحيفة إيلاف بعنوان «حماس ثلاثون عاما»، هو مقال مشترك كتبه الكردي العراقي مهدي مجيد عبد الله، ومعه ذلك الرجل الذي يظهر كثيرا على الفضائيات مرتديا عويناته، ويضع قبعته العسكرية على كتفه، وعلى صدره علم الكيان الإسرائيلي، نعم إنه المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي. بالتأكيد المقال لا يناصر القضية الفلسطينية أو القدس الشريف، فقط هو يسلط الضوء على الحركة الفلسطينية (الإرهابية) حماس التي «منذ نشأتها لم تُرَاعِ مصالح الفلسطينيين، وكانت بندقية إيرانية، وأنها ليست خطرا على إسرائيل فحسب، بل على كل دول الجوار أيضا» بحسب ما قاله الضيف الكريم على الصحيفة السعودية ابن العم والدم السيد أدرعي، أعْلَى الله كعْبَه وبيّض وجهه هو وشريكه في المقال والقائمين على الصحيفة وكل مؤيديها، على طريقة فتى الحجّاج بن يوسف الثقفي.
ألم أقل لك يا صديقي أنك لستَ في أرض العرب؟
دعك من الحُكّام والمؤسسات، وعرِّج على الشعوب، وانظر إلى الحشود التي خرجت في جميع أنحاء الوطن الإسلامي والعربي تُندد بقرار ترامب، وتغضب من أجل القدس، وانظر إلى حجم تفاعل الجماهير العربية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ستدرك أن الأمة لا تزال بخير، وأن الأقصى لا يزال في القلب.
ولكن بالله عليك، لا تفقد الأمل إذا رأيت في خِضمِّ هذه الأحداث ترَاشُقَ الأشقاء في وصْلات من الردْح لا تنتهي. كلٌ منهم – إلا من رحم الله – يُعيّر الآخر بأن بلاده خذلت القضية الفلسطينية معايرة على طريقة (لستُ وحدي من فعل).
 لا عليك من بذاءة القول، فلست في أرض العرب.
«أدعو السعودية إلى إنهاء الحرب في اليمن والبحرين وسوريا فورا، وتوجيه التحالف الإسلامي الذي تقوده نحو القدس لتحريرها، وإلا فإنه الذل والعار لنا ولها إذا لم تقُم بذلك»، بهذه العبارة ردّ زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر، على غطرسة ترامب، نعم يدعو التحالف الإسلامي للتوجه نحو القدس، وحقٌ والله ما قال وواجب، لكن لا أدري هل كان قاسم سليماني وحشده وفيلق القدس في إجازة موسمية إلى أحد كواكب المجموعة؟ لماذا لم يتفضّل الصدر بدعوة سليماني لسحب قواته من العراق وسوريا والتوجه بها نحو القدس؟ وبالمناسبة فيلق القدس له أنشطة في عدد كبير من الدول العربية عدا فلسطين.
 دعك من ثرثرتي، فلست في أرض العرب.
غير أني لا أضمن لك ألا تبكي من فرط الضحك، وأنت تنصت إلى قائد فذّ من محور المقاومة وهو يرد على قرار ترامب المُتعلق بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية، ونقْل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، نعم إنه الرجل ذو العمامة السوداء صاحب لُثغة الراء، الذي طالما علّقت الشعوب صوره باعتباره مناضل الأمة ضد الصهاينة في حرب 2006، حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، الذي لم يتردد في إرسال قواته إلى سوريا دفاعا عن نظام الأسد، ودعم الحوثيين في اليمن، ها هو يفجر مفاجأة مدويَة ردا على قرار ترامب. فقد أعلن أن محور المقاومة سيُعطي الأولوية لقضية القدس، ودعا إلى أن يكون هذا القرار الأمريكي الأحمق الغاشم بداية النهاية لهذا الكيان الغاصب على…. لا ليس على أرض المعارك، إنما يقول: على مواقع التواصل الاجتماعي، نعم سيعيد القدس بالهاشتاغ والتغريدات واللايكات.
 لا تستغرق في الضحك، فلست في أرض العرب.
صلاح الدين حمَل همّ القدس طيلة عمره، فقال عنه القاضي شداد بعد موته: «وكان يوماً لم يُصَبْ الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين، وغشى القلعةَ والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وبالله لقد كنت أسمع من بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم، وما سمعت هذا الحديث إلا على ضرب من التجوّز والترخّص إلا في ذلك اليوم، فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قُبِل الفداء لفُدِيَ بالنفس». فماذا سوف يكتب التاريخ عنا والقدس؟ فهل ما نعيشه اليوم هو كابوس مزعج؟ أم أن هذه الأرض ليست أرضا للعرب؟
كاتبة أردنية

لسْتَ في أرض العرب

إحسان الفقيه

- -

11 تعليقات

  1. ” صلاح الدين حمَل همّ القدس طيلة عمره، فقال عنه القاضي شداد بعد موته: «وكان يوماً لم يُصَبْ الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين، وغشى القلعةَ والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى. ” إهـ
    لازال بعض المسلمين يحجون عن صلاح الدين رحمه الله لأنه إنشغل بالجهاد عن الحج
    صلاح الدين بدأ بالقضاء على الخونة المتعاونين مع الصليبيين كالدولة الفاطمية ثم زحف على القدس
    صلاح الدين لم يطالب بالقومية الكردية ولا أميره نور الدين زنكي طالب بالقومية التركية بل طالبا بالدولة الإسلامية
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. إنها أرض العرب سيدتي الكريمة، إنه الواقع المرير. إنها أرض العرب سيدتي وليست ارض المريخ، وما نراه ونسمعه اليوم والذي كان يوما لا يتوقع هو في ارض العرب، فالارض لا شك انها الارض العربية لكن زعماءها الأشاوس ربما ليسوا عربا..
    “ريال واحد ينقذ عربيا” ولكن ٤٥٠ مليون دولار في شراء لوحه و ٣٠٠ مليون لشراء قصر لويس الرابع عشر، و ٥٠٠ مليون لشراء يخت والمستور أعظم من ستنقذ؟!!!!
    انها ارض العرب التي يبتلعها الروس والمجوس والصهاينة وقريبا سنكون كاللاجئين السوريين نهيم على وجهنا في اركان الارض الاربعة وتصبح ارضنا كأرض الاندلس مجرد ذكريات جميلة حينا وأليمة حينا آخر بفضل سياسات الزعماء الجدد والورثة الصغار

  3. أستاذة إحسان أنت في أرض العرب ولكن العرب الآن كغثاء السيل , لا عليك مما يحدث ومما يسمع من صهاينة العرب , نصرة الأقصى شرف وتشريف لا يعطيه الله إلا لمن يستحق وإلا كانت فتنة , أنت صاحبة منهج صحيح للدين إن شاء الله , في كل أسبوع تضيفي لنا إضافة , فلا تتألمي لما تسمعي , دكتور صلاح الخالدي له تدبر رائع لقوله تعالى :( قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) يقول لماذا أربعين سنة ؟ حتى ينتهي الجيل الذي عصى الله وعصى نبيه ويأتي جيل يستحق دخول بيت المقدس , يقول : ذهب جيل الآباء جيل الشتات والنكبة والهزيمة , ومع بداية الانتفاضة الأولى بدأ جيل النصر وفي عام 2027 بعد عشر سنوات تكتمل الأربعون سنة على جيل الانتفاضة ويبدأ تحقيق النصر , كنت من قبل أرى أن الله عز وجل يهيء أرض العرب لأمر عظيم وأن ما يحدث في بلاد العرب لا يخرج عن تدبير الله وحكمته البالغة , الأمر منوط الآن بالفلسطينيين وثباتهم في مواصلة المقاومة , وأن نربي جيل قرآني يدعمهم , وأن نري الله جميعا أننا نستحق هذا الشرف .

  4. الأخت فاطمة كمال المحترمة من مصرالمحروسة حفظك الله : التيه لأربعين سنة عقاب رباني يقابل الأربعين ليلة التي قضاها النبيّ الكريم موسى فوق جبل الطورلكتابة التوراة.فكتاب التوراة منهج حياة لبني إسرائيل ؛ والحياة تكون في المدينة لا في الصحراء القاحلة ؛ فلما عصوا رسولهم الكليم عاقبهم بأربعين سنة في التيه في الصحراء ؛ فحرمهم من بركة التوراة وتطبيقها في شؤون الحياة الحضارية…لذا وجد بنو إسرائيل ( صعوبة ) بين التوراة وحياة الشظف الصحراوية في سيناء وتمنوا العودة لمصر؛ فأصيبوا بانفصام الشخصية ؛ وحتى اليوم ترى اليهودي له وجهان : ظاهرمراوغ مخادع الظنّة ؛ وباطن لا يُفتحه إلا لأصحابه من أهل الملة.

  5. تعلمى اسم الشعب المسعود المسلوبه هويته الحقيقيه وبعدها اكتبى
    هل تتحدثين عن شعب شبه الجزيره العربيه فى الحجاز ونجد ؟ ام انك تتحدثين حكومه اسمها السعوديه وهى عائلة ال سعود
    وتطلبين انهاء الحرب فى اليمن ومن يسمع منك
    مصانع السلاح بدون حرب تقفل ابوابها ومن يدفع رواتب العاملين فيها ؟ الحرب ليست بيد ن تدعونهم لايقافها انها تجاره
    والرابح فيها مورد السلاح والخاسر الضعفاء
    والمضحوك عليهم من يظن ان القرار يتخذ محليا

  6. *البركة بالشعوب(العربية والإسلامية )
    بارك الله في كل من وقف مع القدس
    الشريف ومع فلسطين.
    سلام

  7. أختي إحسان الفقيه, بل فعلاَ استغرقت في الضحك بعد حرب حسن نصر الله الكونية الهاشتكية ضد قرار ترامب والاحتلال الاسرائيلي. وحقيقة ما نعيشه اليوم هو كابوس تاريخي وبلا شك!. أما متى سينتهي أو متى سنستفيق فالله أعلم, لكن بلا شك أيضاً جميعنا ينظر إلى الأفق علنا نرى بارقة أمل .

  8. لا تستغرق في الضحك….فانت للاسف في بلاد العرب…..بلاد العرب اوجاعي من النيل الى الفرات….والحلم العربي ليس غير مجرد كابوس

  9. نعم لست فى أرض العرب !…تحيا تونس تحيا الجمهورية

  10. وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا…. يا عرب والله انهم يحكموننا حقا إقرأوا هنلك كثيرمن الباحثين الذين يشرحون اصول زعماء عرب فسوف تفاجأون, لقد نسب كثير من الزعماء لليهود بسبب مواقف ولكن هنلك حقيقة انهم فعلا يهود فهم حاكموا الشرق فعليا. ان كنتم تنتظرن منهم شيئ يشرف الاسلام فهو اقرب لكم ان ياتي من قائدهم في تل ابيب عن ان ياتي من دولنا التي ليست لنا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left