لبنان: الضغوط على الحريات تشتد كلما اقتربت الانتخابات

رلى موفّق

Dec 23, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: باكراً تلمّس كثير من النشطاء السياسيين والإعلاميين أن مناخ الحريات العامة في لبنان إلى تراجع بعد التسوية الرئاسية في لبنان التي دخلت عامها الثاني. وباكراً تناولت «القدس العربي» هذه المسألة قبل أن تنفجر بشكل كبير في الأسابيع الماضية أزمة الحريات الإعلامية مع محاولة ترهيب قضائية بحق الإعلامي مارسيل غانم لاستضافته، في حلقة مباشرة على الهواء، محللين سياسيين سعوديين اثنين من بين ضيوف آخرين، على وقع أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري التي أعلنها من الرياض، وما تناوله في بيان استقالته من اتهامات إلى «حزب الله» وإيران حول استهداف المملكة ودول الخليج العربي.
بدت المسألة وكأنها متعلقة بما قاله ضيوف الحلقة. أحد المحللين السعوديين اعتبر «أن مَن يصمت عن ممارسات حزب الله هو شريك في الإرهاب والحرب على المملكة» متهماً «رئيس الجمهورية بالتغطية على الحزب» واعتبره «شريكاً من خلال صمته، وكذلك رئيس مجلس النواب وقائد الجيش». كان سقف الكلام عالياً، وكذلك كانت الردود والمواقف الأخرى، سواء من الضيف الإيراني الذي لم يتوانَ عن وصف المملكة بـ»الدولة الراعية للإرهاب»، أو من قبل الضيف اللبناني إيلي الفرزلي، السياسي «العتيق» والمتمرّس، والذي كان نائباً لرئيس مجلس النواب لسنوات طويلة مضت زمن الوصاية السورية.
المسألة، حقيقة، لا تتعلق بتمادي الضيوف، عبر هذه المحطة التلفزيونية أو تلك، أو بتخطي المقدّمة الإخبارية لهذه المحطة أو تلك للمحظورات، أو بشن هذه الصحيفة أو تلك حملات شعواء ضد رموز ودول بعينها. الاستهداف ينحصر بجهة معيّنة ليس إلا، وفق رأي المعارضين.
ففي خضم أزمة الحريري، بادر ضيف «برتبة دكتور» محسوب على «حزب الله»، في معرض التهجّم على الوزير السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، عبر حلقة كانت تبث مباشرة على الهواء في محطة أخرى، إلى استخدام تعبير «بول البعير»، فكان كلامه «كأنه عسلاً»، واقتصر الأمر على استدراك المحطة للإساءة، عبر الطلب من «الضيف الدكتور» مغادرة الأستديو، فبادر إلى سؤال المُحاوِر: «كم قبضت على إخراجي من الحلقة؟». والحالة تنطبق على صحف عدّة تشن حملات إعلامية منظمة مستخدمة أوصافاً خارجة عن آداب المهنة ويُعاقب عليها القانون، من دون أن يرشقها أحد حتى بـ»وردة». السبب «بسيط جداً»، يقول ناشطون سياسيون على الضفة المعارضة، فهؤلاء إما محميّون أو محسوبون على «إعلام الممانعة» المنخرط في محور «حزب الله»، أو على الإعلام المؤيّد للسلطة. وتعبير «السلطة» يُقصد به بشكل أساسي «التيار الوطني الحر» الذي أسّسه رئيس الجمهورية، والذي يُمسك بكثير من المواقع الإدارية والقضائية في البلاد.
الكلام عن ضرورة الالتزام بالقوانين وعدم السماح بالانفلات الإعلامي، مسألة يجب ألا تكون خاضعة لأي نقاش لولا أن «الاستنسابية المتمادية» تجعل جوهر القضية سياسيّ بامتياز.
اليوم، تتفاقم في لبنان قضية ملاحقة مارسيل غانم. تَحَرّك الادعاء العام ضدّه وضيفيه السعوديَّين. هو لم يَمثُل أمام المدّعي العام، معتبراً أنه «كان مطلوبا إحضاري وإخضاعي وتوقيعي لعدم التعرّض لرئيس الجمهورية وأنا لم أفعل قط، ولن أفعل». تمّ الادّعاء عليه، فحضر محاموه أمام قاضي التحقيق مقدّمين دفوعاً شكلية، رفض القاضي استلامها وأصدر «مذكرة إحضار» بحقة، وحدّد جلسة في الرابع من كانون الثاني/يناير 2018.
لم تعد القضية مرتبطة بشخص مارسيل غانم. هي قضية حرّيات عامة، من حريات أعلامية إلى حرية رأي وحرية تعبير. يعرف المعارضون والناشطون وأصحاب الرأي جيداً أن اتخاذ الإجراءات القانونية تشكّل بداية مسار «التدجين وكمّ الأفواه» لكل من يُعارض الحاكمين، سواء أكانوا سياسيين أم أمنيين أم اقتصاديين أم ماليين. لاحت بدايات المرحلة الصعبة التي تنتظر لبنان، حين تمّ التهديد بملاحقة نائب في البرلمان وإعلاميين لمجرّد سؤالهم عن صفقات مشبوهة في ملف استئجار بواخر الكهرباء، ورفع دعاوى بالجملة بحقهم.
يظنّ كثيرون أن ضيق صدر أركان التسوية يعود إلى أن التسوية الرئاسية لم تكن لتبصر النور، في جزء منها على الأقل، لو لم تكن مبينة أيضاً على مصالح مشتركة، تتعدّى السياسة إلى توافقات على اقتسام مقدّرات الدولة، من صفقات تدور حول الكهرباء والهاتف الخليوي والطاقة المستكشفة من غاز ونفط، دفعت القرارت الأخيرة بتلزيم شركات لاستشكاف النفط إلى الاحتفال بأن لبنان أصبح بلداً نفطياً. طبعاً، حلم أن لبنان بلد نفطي لن يتحقق إلى واقع يمكن للبنانيين أن يستفيدوا منه قبل سنوات طويلة، على الأقل، وسط مخاوف فعلية من تحميل الأجيال المقبلة أعباء الدين العام وسوء إدارة هذا الحقل الجديد على لبنان وغياب الشفافية في دولة صنّفت في المرتبة 136 من حيث مستوى الفساد في قائمة من 176 دولة، وفقاً لمؤشر الفساد لعام 2016 الصادر عن «منظمة الشفافية الدولية».
وثمّة أسلوب جديد يتم اعتماده في عملية ممارسة الضغوط، يمكن وصفه بأسلوب «الجرجرة» إلى القضاء. يكفي أن يتقدّم محامون منتمون إلى هذا الفريق أو حتى صحافيون محسوبون على ذلك الفريق بإخبار أو دعوى حتى يتحرّك القضاء!
فخطأ مطبعي للنائب السابق فارس سعيد في كتابة كلمة «حزب الله»، في تغريدة على «تويتر»، جعلت رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا يتصل بوزير العدل سليم جريصاتي لاتخاذ التدابير اللازمة، وتبعها تقديم إخبار من أحد المحامين المتدرّجين لدى الحزب بجرم المسّ بالذات الإلهية. صحيح أن السياسي المعارض بشراسة للتسوية السياسية ولـ»حزب الله» استدرك الخطأ، فأزال تغريدته مع توجيه اعتذار لجمهور «حزب الله»، موضحاً أنه لا يقصد الإساءة الأخلاقية، لكن ذلك لم يكن كافياً. فهناك من رأى، في المناسبة، فرصة سانحة لتأديب «الرجل المشاكس» على العهد وعلى «حزب الله»، والمتهم بأنه وراء التحريض على الحريري لدى دوائر المملكة.
غير أن الرياح، وفق القريبين منه، لم تجرِ كما تشتهي السفن. فارس سعيد ليس طارئاً على العمل السياسي. هو ابن أحد البيوتات السياسية العريقة في قضاء جبيل في جبل لبنان. طبيب قلب سرقته السياسة من مهنة «إنقاذ الأرواح»، لكنه يعتبر أنه غادر إلى رحاب أوسع، لأنها «معركة إنقاذ الوطن».
سريعاً، أعلن سعيد أنه يحترم القانون، وسيَمثل أمام المدّعية العامة. ولكن على خط موازٍ، كانت مجموعة من المحامين تتوكّل عنه لتقدّم مشهداً راقياً في ساحة قصر العدل. وكان هناك من يستقصي أخبار دارته في مسقط رأسه قرطبا، الذي شهد حركة شعبية راقية هي الأخرى عبر وفود من قرى وعائلات جاءته متضامنة. استدرك الخصوم أن تلك الفرصة بدل أن تُشكّل مناسبة تأديب أو ترهيب تحوّلت إلى مناسبة تأييد وتضامن. استدركوا خطأهم، فكان أن تمّ إرجاء جلسة الاستماع إلى موعد لم يُحدّد بعد، وعلى الأغلب أنه لن يُحدد!
قبلها بأسابيع، وفي السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، تم استدعاء الناشط والصحافي أحمد الأيوبي من قبل مكتب المباحث الجنائية المركزي، ليمضي في نظارة وزارة العدل أياماً قبل أن يُطلق سراحه بكفالة مالية. ولاحقاً كشف مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية «سكايز»- مؤسسة سمير قصير أنّ الإدعاء على الأيوبي، هو بناءً على شكوى مقدمة من نادر الحريري بتهم «تحقير رئيس الجمهورية والتعرض لدولة شقيقة» وذلك على خلفية مقالات كتبها الرجل الذي ينشط ضمن مجموعات المجتمع المدني في إطار العمل الجاري للم شمل المعارضة المشتتة على أبواب الاستحقاق النيابي، وأيضاً في مواجهة حال الانحدار السياسي التي جسّده، من وجهة الناشطين في المجتمع المدني، انضمام ركنين أساسيين في قوى الرابع عشر من آذار، هما «تيار المستقبل» والقوات اللبنانية» إلى التسوية السياسية.
فكثير من مجموعات الحراك المدني اليوم ينتمي إلى جيل راوده حلم في الـ 2005، لكنه أصيب بإحباط وخيبات أمل تضاعفت مع انتفاء الخط الفاصل بين قوى 8 و14 آذار بعدما لم يعد من قضية سياسية يحملها قادة قوى الرابع من آذار تحت عنوان «الواقعية السياسية» و»ربط النزاع» مع «حزب الله»حول سلاحه من أجل مصلحة البلاد. وكثير من مجموعات الحراك المدني يتحرك في وجه ما يصفونه بـ» التزاوج الحاصل بين السلاح غير الشرعي والفساد الآخذ بالاستشراء مع الطبقة السياسية الراهنة».
والكرة تتدحرج في اتجاه عملية تضييق الخناق على المعارضين. فقبل أيام، تمُ إبلاغ الناشط الحقوقي رئيس مؤسسة «لايف» المحامي نبيل الحلبي للمثول أمام المحكمة العسكرية لسماعه في إخبار مقدم ضده من الصحافي سالم زهران وهو أحد الصحافيين الذين ينتمون إلى خط «محور الممانعة». كان الحلبي قد تعرّض من قبل الصحافي المذكور إلى جملة اتهامات جعلته يتقدم بشكوى دعوى قدح وذم واتهامات كاذبة في حقه، فإذا بالصحافي المذكور يتقدم بإخبار ضد الحلبي في اليوم التالي لدى النيابة العامة، للتحقيق معه في مجموعة اتهامات، منها «الاتصال باسرائيل، وسرقة مساعدات النازحين السوريين، والقدح والذم، والتهديد، واثارة النعرات الطائفية، مع تعكير العلاقة مع دولة صديقة، وبثّ التفرقة».
اللافت أن دعوى الحلبي بقيت في الأدراج، فيما تمّ تحريك إخبار زهران. شق من الإخبار المتعلق بـ»سرقة مساعدات النازحين السوريين» حوّل إلى القضاء المدني، والشق المتعلق بالتعامل مع أسرائيل حوّل إلى المحكمة العسكرية. يقول الحلبي إنه كان يجب أن يدمج الدعوى والإخبار سوياً، لكن ذلك لم يحصل. هو مَثَل أمام القضاء المدني لتبيان زور التهمة الموجهة له كون أن مؤسسة «لايف» ليست مؤسسة تتعاطى بالإغاثة بل هي مؤسسة حقوقية تتابع قضايا وملفات تتناول حقوق الانسان والخروقات في هذا الجانب.
لكنه لم يمثُل أمام المحكمة العسكرية الذي كان مقررا ان تعقد في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، ذلك أن نقابة المحامين لم تعط إذناً للتحقيق معه، واعتبرت أن الإخبار المقدم هو أخبار سياسي. والمضحك المبكي أن الإخبار يستند إلى مقالة كتبها عنه النظام السوري الذي يعارضه من موقعه كداعم للثورة السورية. نقطة الضوء في النفق المظلم أن نقابة المحامين تحركت وتقدمت بدعوى ضد المخبر.
الانطباع السائد أن السلطة القضائية في البلاد تمّ وضع اليد عليها من قبل السياسيين، وأن تحريكها بات يتم بشكل استنسابي، إلى حد أن القناعة لدى كثير من اللبنانيين أنهم ليسوا متساوين أمام القضاء، وأن هناك صيفاً وشتاءً تحت سقف واحد.
والقلق يتزايد إنطلاقاً من الشعور المتنامي بأن ما يجري اليوم هو عملية اختيار نماذج معينة لترهيبها وتدجينها من أجل جعلها عبرة للأخرين. ليس صدفة أنه في أقل من شهر واحد، يتم تحريك القضاء ضد مارسيل غانم المعروف بتمايزه الإعلامي وبمساحة الحرية التي يتمتع بها من خلال برنامجه السياسي، ولا صدفة أن يتم توقيف الناشط أحمد الأيوبي الذي يتحرك بقوة في طرابلس والشمال التي تصدر منها أصوات كثيرة معارضة للنهج الحالي، ولا صدفة تحريك دعوى ضد السياسي المعارض فارس سعيد المرشح الانتخابي في دائرة كسروان وجبيل، ولا هي صدفة تحريك إخبار ضد المحامي نبيل الحلبي المعروف بمواقفه المناهضة للنظام السوري ولأداء «الحريرية السياسية» ويتحرك كمرشح للانتخابات النيابية، ولا هي صدفة تحريك ثلاث دعاوى ضد مقال كتبه الصحافي فداء عيتاني في خلال أزمة الحريري الأخيرة.
بالأمس، تحركت نخبة من الناشطين أمام قصر العدل في وقفة تضامنية «انتصارا للحريلت الإعلامية». أرادوها «وقفة أقلام» في رسالة أرادوها أن تصل وقوامها» أن أحداً لم يتجرأ يوماً على الحرية في لبنان وربح. الحرية هي مرادف لبنان. يبقى إن بقيت ويزول إن زالت… وتجارب التاريخ علمتنا أن الحرية هي سحر لبنان العصي على كل الطغاة والغزاة!

لبنان: الضغوط على الحريات تشتد كلما اقتربت الانتخابات

رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left