الباحث المغربي ادريس الكنبوري: التعليم الديني يشكل رافعة أساسية في محاربة التطرف

فاطمة الزهراء كريم الله

Dec 23, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: قال الباحث المغربي المتخصص في الجماعات الإسلامية ادريس الكنبوري إن السياسات التي انتهجها المغرب في مجال محاربة الإرهاب مكنت من الحيلولة دون تكرار ما حصل سنة 2003 وهذا راجع إلى يقظة الأجهزة الأمنية، الأمر الذي حصن المغرب حتى اليوم من وقوع أي عمل إرهابين، معتبرا أن التعليم الديني، يشكل رافعة أساسية في محاربة التطرف ولا يمكن بغيره أن نتصدى لهذا الفكر.
وأضاف الكنبوري في حوار مع «القدس العربي» انه ليست عندنا مشكل الأقليات في المغرب، هناك افتعال وهناك بعض الأشخاص الذين يحاولون أن يجعلوا من هذا الموضوع محطة توتر داخل المجتمع والرأي العام المغربي، للفت أنظار المنظمات الدولية.
وأشار الباحث المغربي، إلى أن جماعة العدل والإحسان، تعيش تناقضات ولا تستطيع لحد الآن أن تتجاوز الفترة الماضية والمتغيرات السياسية في المغرب. وهنا نص الحوار:
○ إلى أي حد نجح المغرب في محاربة التشدد والتطرف والإرهاب وفق السياسات التي انتهجها؟
• في الحقيقة المغرب بدأ في حربه على التطرف في وقت مبكر تمثل في وضع استراتيجية وطنية شاملة لمحاربة الإرهاب، وإذا لاحظنا فقد كان هناك إدماج الأجهزة الأمنية من خلال توحيد المخابرات مع أجهزة الأمن وتنسيق بين مختلف القطاعات الأمنية كخطة «حذر» التي كانت مشتركة بين رجال الأمن والقوات المساعدة والقوات المسلحة الملكية. بالإضافة إلى الشق الأمني كان هناك الشق المتعلق بالتربية والإصلاح الديني فمنذ 2004 انخرط المغرب في مسلسل إعادة هيكلة الحقل الديني وكانت أهم الإصلاحات في هذا المجال، إصلاح المساجد وإصلاح الخطابة، ومحاربة المساجد العشوائية، ومحاربة الخطابات المتطرفة، وإدماج المساجد تحت وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. بالإضافة إلى التنسيق الأمني على الصعيد الدولي والإقليمي مع مجموعة من الدول خاصة مع اسبانيا وفرنسا وبلجيكا، وهو التنسيق الذي مكن من محاربة تسلل المتطرفين وتفكيك مجموعة من الجماعات الإرهابية.
كانت هناك مجموعة من السياسات التي انتهجها المغرب في هذا المجال والتي مكنت من الحيلولة دون تكرار ما حصل سنة 2003، وبفضل هذه السياسات، لاحظنا أنه منذ 2002 إلى اليوم تم تفكيك ما يزيد على مئة خلية إرهابية، أربعون منها تابعة لما يسمى بتنظيم «الدولة» الإسلامية «داعش»، وهذا راجع إلى يقظة الأجهزة الأمنية الأمر الذي حصن المغرب حتى اليوم من وقوع أي عمل إرهابي.
○ تلقى جهود التغيير في مناهج التدريس في المغرب مقاومة فكرية من بعض التيارات التي ترى في أي محاولة لتجديدها وبالخصوص مقررات التربية الإسلامية، اعتداء على الدين ومساسا بمقومات الشعب المغربي. ما رأيك في هذا الموضوع؟
• هذا الموضوع يقبل النقاش والحوار، وفي اعتقادي أن إصلاح المناهج ضرورة لابد منها، لأنه لاحظنا من خلال مجموعة من الدراسات والأبحاث التي أجريت خلال العشر سنوات الأخيرة أن التكفير والتطرف والإرهاب تصدر عن أفكار متطرفة، فبطبيعة الحال هناك من يعترض على مستوى المضامين وهذا في تقديري تمثله الأقلية فقط، وهناك اعتراض على مستوى المنهجية، حيث أن هناك انتقادات ترى أن هذا الإصلاح كان يجب أن يكون عبر حوار وطني وأن يتم إشراك العلماء والفقهاء وأهل المشورة والرأي من أجل ألا يكون إصلاح المناهج الدينية فيه نوع من الإخلال في الثوابت الدينية، لأننا نلاحظ أن بعض التيارات تحاول الخلط في هذه الظرفية التي يتجه فيها العالم كله إلى محاربة التطرف الديني لاستغلالها في الضر بالدين، ولذلك فهناك نقاش على أساس انه يجب التمييز بين الإسلام والتطرف الذي ينتج عن الإسلام، لأنه لا يجب أن نمس بالثوابت بدعوى أن هذا الدين يؤدي إلى التطرف.
فهذا الخلط، هو الذي يثير نقاشا في هذه المرحلة ليس في المغرب فقط، وإنما في العالم الإسلامي برمته، ولا ننسى أن هناك جهات من أوروبا ومن الولايات المتحدة الأمريكية، تحاول أن تركز على الرأي العام الدولي وتعطي لهذا التطرف صبغة دينية على اعتبار أن الاسلام هو مصدر الإرهاب ومصدر التطرف، ونحن نقول العكس، لأن التطرف ينتج عن مختلف الديانات، وعن النظرة المتطرفة وعن النزعة المتشددة التي يمكن أن تنتمي لأي دين ولأي ثقافة ولأي قومية، ولكن للأسف فهذا الخطاب الذي يروجه الغرب هو الذي يؤدي إلى تنامي «الإسلاموفوبيا» لأن الخلط بين المتطرفين والإرهابيين الذين هم أقلية، وبين المسلمين وهم الأغلبية يؤدي إلى حرب استهداف الجالية المسلمة في الخارج ولذلك يجب الحذر من هذه القضية، أي قضية الربط بين الإسلام والتطرف، ونرى أن «بابا الفاتيكان» قبل حوالي سنة تقريبا أدرك هذا الخلط لدى الغربيين، إذ صرح أنه لابد من التمييز بين الإسلام الذي هو دين تسامح، وبين دين المتطرفين الذين لا يهمهم الدين وإنما توظيفه لتحقيق أهدافهم الإرهابية.
○ يحظى التعليم العتيق (التعليم الديني) في المغرب بمكانة خاصة. هل هي طريقة فعالة في نظرك لمحاربة التطرف؟
• أولا الحقيقة التي يمكن فهمها هي أن التطرف والتشدد لا ينتجان عن الإسلام في حد ذاته، أو يصدران عن تفسيرات وتأويلات للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فالرد على هذا التيار التكفيري المتطرف يجب أن يكون من داخل الدين، ومن هنا فإن التعليم الديني أو التعليم العتيق، يلعب دورا مهما في التصدي للخطاب التكفيري، لأنه لا يمكن أن نحارب خطابا تكفيريا نابعا من الدين بخطاب غير ديني، أي لابد أن نجهز ونعد العدة من داخل هذا الدين لكي نصحح المفاهيم الدينية لدى الناس خاصة لدى الشباب حتى لا يستمر استقطابهم في الجماعات الإرهابية بسبب تبريرات تأخذ من الدين ويتم توظيفها لتجنيد هؤلاء الشباب.
ولذلك فلمواجهة هذه المخاطر يجب أن نعد تعليما دينيا في المستوى، وقراءة دينية جديدة للنصوص الدينية مناسبة لروح القرآن ولروح السنة النبوية، للحد من الخطابات التكفيرية وتحصين الشباب. وأرى أن التعليم الديني، يشكل رافعة أساسية في محاربة التطرف ولا يمكن بغيره أن نتصدى لهذا الفكر.
○ كيف يحد التصوف من انتشار ظاهرة التطرف؟
• شخصيا لا أعتقد أن التصوف يمكن أن يحد من التطرف، في اعتقادي إن هذه الأطروحة خاطئة تم تشجيعها منذ سنة 2004، وبعد تفجيرات نيويورك وواشنطن سنة 2001، والإدارة الأمريكية والمراكز العلمية والبحثية ومراكز صنع القرار في أمريكا حاولت أن تفكر في صيغة معينة للقضاء على الإسلام السياسي والقضاء على الجانب التشريعي في الإسلام، ولذلك تم التفكير في التصوف كبديل، ففي سنة 2004 تم وضع خطة معينة ترتكز على كيف يمكن أن نبني الاعتدال، هو كيف أن نبني الإسلام المعتدل على أساس تشجيع التصوف وتشجيع الزوايا الصوفية والجمعيات الصوفية، ولذلك فقد رأينا في العديد من الدول من بينها المغرب توجها كبيرا نحو تمويل وتشجيع هذه الزوايا، لكن في اعتقادي هذا لن يؤدي إلى محاربة التطرف.
صحيح أن التصوف فيه جانب تربوي وجانب خلقي يمكن أن يدعم السلوك المعتدل، لكن لن يقدم بديلا للشباب، لأن الخطاب التكفيري ينطلق من أمر أساسي وهو أن هناك دينا فيه جوانب تشريعية وقانونية وهذه الجوانب غالبة عن الممارسة الواقعية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمسلمين. ولكن عندما نأتي ونقدم التصوف كبديل وهو سلوك أخلاقي لا علاقة له بالواقع اليومي المعاش وبمصالح الناس اليومية، هذا في نظري لن يؤدي إلى محاربة التطرف، بل يجب التنسيق بين التربية وما بين الوعي السياسي لدى المواطن.
○ كيف ترى تعامل الدولة المغربية مع الأقليات الدينية؟
• ليس عندنا مشكل الأقليات في المغرب، هناك افتعال وهناك بعض الأشخاص يحاولون جعل هذا الموضوع محط توتر داخل المجتمع والرأي العام المغربي، للفت أنظار المنظمات الدولية.
وإذا احترم كل طرف مستحقاته ومقتضياته الثقافية لن تكون هناك أي مشكلة، المشكلة تأتي من الاستفزاز، ولاحظنا في السنوات الماضية أن بعض الأشخاص في رمضان يأتون إلى الشارع ويحاولون تناول وجباتهم، هذا سلوك استفزازي لا حاجة إليه، فالذي يمارس حريته لابد من ممارستها بشكل تلقائي في احترام لحرية الآخرين.
○ في الدستور المغربي دين الدولة هو الإسلام، هل المغرب دولة دينية؟
• إذا كان الدستور ينص على هذا الأمر، فهذا معناه أن غالبية المواطنين هم مسلمون وهذا أمر طبيعي في أي بلد، حتى في أوروبا نجد أن أحد دساتير بلدانها يقول هذا البلد هو بلد كاثوليكي، وآخر يقول إن الديانة الرسمية في هذا البلد هي البروتستانتية، ولا يعني أن الدولة ضد الديانات الأخرى هذا غير صحيح.
ما يجب فهمه، ان المشكل ليس في التنصيص على أن المغرب دولة إسلامية وإنما في الممارسة، يعني الممارسة داخل هذا البلد هل تحفظ للناس حرياتهم الاعتقادية وتعطيهم حق التمتع في طقوسهم وشعائرهم الدينية أم لا؟
○ احتفلت جماعة العدل والاحسان نهاية الأسبوع الماضي بالذكرى الخامسة لرحيل مؤسسها الشيخ عبد السلام ياسين، وكعادتها جددت التأكيد على تلك المواقف، هل من تغيير على مستوى خطابها؟
• الجماعة تحاول أن ترسل رسائل إلى أصحاب القرار في الدولة، من دون أن تحدد ما هي أهدافها السياسية وما هي أولوياتها، فما نلاحظه هو ان الجماعة لا تريد المشاركة من داخل المؤسسات، وفي الوقت نفسه تدعو إلى إصلاحات مؤسساتية وسياسية دون التمكن من المشاركة، هذا في حد ذاته فيه نوع من التناقض، فالجماعة تعيش تناقضات ولا تستطيع لحد الآن أن تتجاوز الفترة الماضية والمتغيرات السياسية في المغرب، هذه المتغيرات تفرض أن تغير الجماعة خطابها وتقترب أكثر من المشهد السياسي حتى تلقى تجاوبا من طرف الرأي العام ومن طرف الدولة. بالإضافة إلى هذا لابد من الإشارة إلى الارتباك الذي تعيشه الجماعة بعد مرحلة 2011، وبعد مشاركة العدالة والتنمية في الحكومة وجدنا أن الجماعة بدأت تصاب بنوع من العزلة، حيث أنه ليست هناك أطراف سياسية في البلاد تتعامل معها باستثناء حزب النهج الديمقراطي وهو الحزب الذي تحاول الجماعة من خلاله أن تعطي الانطباع بانفتاحها على الآخرين، لكن في الوقت نفسه هذا الأمر يظهر عزلتها لان القوى السياسية الأخرى ابتعدت عن الجماعة منذ سنة 2011.

الباحث المغربي ادريس الكنبوري: التعليم الديني يشكل رافعة أساسية في محاربة التطرف

فاطمة الزهراء كريم الله

- -

1 COMMENT

  1. أشباه المثقفين، لقد ولى زمن المثقف العربي الملتزم بقضايا وطنه وأصبحنا أمام شرذمة من المتسلقين والانتهازيين ….
    يقول المثل المغربي: لا زين لا مجي بكري

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left