إيران: الاحتجاجات… وأزمة النموذج

يحيى الكبيسي

Jan 04, 2018

تواجه النماذج دائما تحديات البقاء والاستمرار، وغالبا ما يتم ذلك من خلال عوامل ذاتية بحت، بمعنى آخر فإن استمرارية أي نموذج: نظريات علمية، أنظمة سياسية، أيديولوجيات، مدارس فنية.. الخ، يبقى رهنا بوصول النموذج إلى لحظة يعجز فيها عن تقديم أجوبة معرفية على الأسئلة أو الوقائع المستحدثة.
كان غاستون باشلار أول من تحدث عن ذلك، فيما أطلق عليه مفهوم «القطيعة الإبستمولوجية/المعرفية»، ويعبر المصطلح عنده عن التحولات الكيفية في تاريخ العلوم. وقد وجد ميشيل فوكو هذا المصطلح صالحا للنقل من حقل تاريخ العلوم إلى تاريخ الثقافة عموما، وأنه صالح للتطبيق في «الفروع المعرفية التي تدعى تاريخ الأفكار والعلوم، والفلسفة والفكر والأدب كذلك»، كما أوضح في كتابه حفريات المعرفة. ونجد عند توماس كون في كتابه «بنية الثورات العلمية» توصيفا وافيا لهذه الفرضية، يتحدث كون عن أن أي نظام معرفي، وهو ما يطلق عليه مصطلح «البراديم Paradigm» يتحول إلى نموذج معترف به في لحظة ما، ولكن هذا البراديم/النموذج قد يتحول إلى عائق عندما يعجز عن التفسير أو الحل، عندها، يعمد العلماء إلى التلفيقات النظرية، وعندما يثبت عجز هذه البدائل التلفيقية، تخرج الثورات العلمية؛ أي أن النظام المعرفي عندما يواجه أزمة فهذا يعني بالضرورة أننا أمام لحظة تاريخية لظهور باراديم/نموذج آخر.
من هنا يأتي السؤال حول نموذج «ولاية الفقيه».. هل وصل إلى لحظة الأزمة؟
من المعروف أن مفهوم/نظرية «ولاية الفقيه»، أي «النيابة العامة» للفقيه الجامع للشروط في عصر الغيبة، ترجع في تاريخها إلى المحقق «علي الكركي» في القرن العاشر الهجري، الذي شارك الشاه الصفوي الحكم بوصفه «نائب الإمام المهدي: الفقيه العادل»، ولكن التأطير النظري لم يبدأ إلا مع «أحمد بن المولى النراقي» في بداية القرن التاسع عشر، الذي حاول في كتابه «عوائد الأيام» بيان «ولاية الفقهاء الذين هم الحكام في زمان الغيبة والنواب عن الأئمة، هل أن ولايتهم عامة فيما كانت الولاية فيه ثابتة للإمام الأصل أم لا؟» وانتهى فيه إلى أن « كل ما كان للنبي وللإمام… فيه الإمامة وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك»، أي ان لهم «الولاية العامة». ومع آية الله الخميني وكتابه «الحكومة الإسلامية»، سنكون أمام نظرية حكم قائمة على هذا المبدأ.
ففي الفصل المعنون «نظام الحكم الإسلامي»، يتحدث عن شرطين للحاكم: العلم بالقانون الإسلامي والعدالة، لينتهي إلى: «وإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فانه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس ان يسمعوا ويطيعوا». وإلى ان: «كل من يتخلف عن طاعتهم، فان الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك».
والطاعة هنا مطلقة وليس للمكلف حق الاعتراض أو العصيان، كما يصفها أية الله محمد هادي معرفة: «لأن الطاعة المفروضة على الناس تجاه أوامر النبي وأولي الأمر الشرعيين هي الطاعة المطلقة، سواء استصوبها رعاع الناس وعامة أفرادهم أم لم يستصوبوها، الأمر الذي يعني أعرفية ولاة الأمر بمصالح العامة من أنفسهم، فلولاة الأمر حق التصرف في شؤون العامة إدارياً وسياسياً، ويكون تصرفهم هو النافذ إطلاقاً، وليس لعامة الناس حق أي اعتراض» (ولاية الفقيه أبعادها وحدودها).
بعيدا عن النظرية، قريبا من الواقع، فقد نص الدستور الإيراني على أن المرشد أو القائد هو أعلى سلطة في إيران وله السيادة السياسية والدينية، وأنه «في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه تكون ولاية الأمر، وإمامة الأمة، في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، والشجاع القادر على الإدارة والتدبير»(المادة 5). كما نص على ان «السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، وهي تمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة» (المادة 57)، وقد فصلت المادة 110 هذه الوظائف والصلاحيات بانها تتضمن: رسم السياسات العامة للدولة والإشراف على حسن تنفيذها! أي ان المرشد الأعلى يقف على هرم السلطة التنفيذية عمليا وغير منفصل عنها!
وفي العام 2009، اندلعت مظاهرات واسعة للإصلاحيين من مؤيدي مرشح الرئاسة الإيرانية حينها مير حسين موسوي، يومها طالب المرشد الأعلى أية الله خامنئي في خطبة له في جامعة طهران، بعد أن نفى فيها تماما حصول التزوير في انتخابات الرئاسة، بإنهاء ما أسماه «استخدام الشارع لأغراض سياسية»، وبعد ردود الثنائي الخاسر في الانتخابات، مير حسين موسوي ومهدي كروبي الرافضة ضمنا لهذا المنطق، والإصرار على «حق» الاعتراض، بل والدعوة إلى استمرار التظاهرات، رفضا أو حدادا لا فرق، المهم هنا هو استخدام مفهوم «الحق» في مواجهة ما يفترض أنها أوامر «المرشد الأعلى»، والتي هي «أحكام ولائية» واجبة الطاعة، وليس للمكلف الاعتراض عليها وإن كان مختلفا معها، فإننا عمليا في لحظة صدام حقيقية بين نسقين لكل منهما خطابه الخاص: مبدأ التكليف ومبدأ الحق. مبدأ المكلف ومبدأ الإنسان الفرد، ما هو ديني وما هو دنيوي، ما هو مطلق وما هو نسبي.
لم يكن كلام الرافضين ضمنا لكلام المرشد الاعلى مجرد «مرشحين» لانتخابات رئاسية أو مؤيدين لهم، بل كانوا جميعا من رجال الصف الاول في النظام! فقد شغل مير حسين موسوي منصب وزارة الخارجية في العام 1981، ثم كان آخر رئيس للوزراء قبل إلغاء المنصب في عام 1989، وعضوا في مجمع تشخيص مصلحة النظام. أما مهدي كروبي فقد كان ضمن اللجنة التي اختارها الخميني لإعادة النظر في الدستور الجمهورية الإسلامية سنة 1989، وترأس البرلمان من 1989 إلى 1992، ثم من 2000 إلى 2004. ومن خلفهما هاشمي رفسنجاني الذي ترأس اول برلمان بعد الثورة بين عامي 1980 و1989، ثم كان رئيسا للجمهورية 1989ـ 1997. ومحمد خاتمي وزير الثقافة لدورتين 1982 ـ 1989، ثم رئيسا للجمهورية 1997 ـ 2005!
اليوم نعود مرة اخرى إلى ازمة النموذج ذاته، فبعد القمع العنيف لحركة الاحتجاجات عام 2009، وفرض الإقامة الجبرية على موسوي وكروبي، وتحييد رافسنجاني (الذي منعه مجلس صيانة الدستور من الترشح لانتخابات الرئاسة في العام 2013 وهو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام!) وخاتمي، تواجه إيران موجة ثانية من الاحتجاجات، وهي تختلف عن الاحتجاجات الاولى بأنها بدأت في اوساط الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الإيراني وليس الطبقة الوسطى كما كان عليه الحال في احتجاجات 2009، أي الطبقة التي يستند اليها النظام نفسه. كما انها احتجاجات شعبية لا قيادات سياسية لها. وإذا كانت هذه الحركة، كما كانت حركة الاحتجاجات الاولى، لم تتحول إلى ثورة يمكن أن تشكل خطرا على النظام القائم، فأنها تمثل تحديا حقيقيا للنموذج الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية في إيران.
ليس الأمر عودة إلى اختلاف الخطابات بين القائلين بمبدأ الولاية العامة والرافضين لها في فضاء الفكر الشيعي عموما، وليس عودة إلى الاختلاف بين الشرعية المستمدة من فضاء الدين التي قال بها الخميني في «الحكومة الإسلامية»، والشرعية السياسية المستمدة من الشعب التي قال بها النائيني في «تنبيه الأمة وتنزيه الملة». إنها لحظة أزمة حقيقية في النموذج، نموذج «الولاية العامة المطلقة للفقيه» نفسها، فهي أزمة ذاتية بالكامل.

٭ كاتب عراقي

إيران: الاحتجاجات… وأزمة النموذج

يحيى الكبيسي

- -

3 تعليقات

  1. الشعب الإيراني لن يفوت هذه الفرصة كما فوت سابقتها سنة 2009
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. هل تعتبر الاحتجاجات قويه وفاعله اذا كانت بدون قياده كما هو الحال الان ام يجب ان تتمتع بقياده تنظم وقع حركتها

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left