هوليوود تودع عاما عاصفا وسط عزلتها عن واشنطن وتآكل إيراداتها وسط تغُّول شركات البث الالكتروني

حسام عاصي

Jan 04, 2018

لوس أنجليس – «القدس العربي» : تودعُ هوليوود سنة الفينِ وسبعةَ عشر، في وضعٍ أسوأَ مما كانت عليه عندما استقبلتْها. فهي ما زالت معزولةً عن واشنطن، التي يقطنُها عدوُّها دونالد ترامب وتواجه استوديوهاتُها أزمةً وجوديةً، بسببِ تقلصِ إيراداتِ أفلامِها في شبّاكِ التذاكر، وتوسعِ نفوذِ شركاتِ البث الاكتروني، وتقبعُ في مستنقعِ فضائحِ الاعتداءاتِ الجنسية، التي اطاحت بأبرزِ رموزِها ونجومِها.
في بدايةِ العام، كانت هوليوود في حالةِ هلعٍ وترقبٍ وإحباط، بسببِ فوزِ دونالد ترامب المفاجيءِ على حليفتِها هيلاري كلينتون في انتخاباتِ الرئاسةِ الأمريكية. وفي مقابلات مع نجومها ومسؤوليها عبّرَوا لي عن صدمتهم وغضبِهم تجاهَ الشعبِ الأمريكي، وخاصةً النساء، اللواتي صوتنَ بأغلبيةٍ لشخصٍ كان متهما بكراهيةِ جنسِهنَّ وبعدائِه للمسلمينَ والمكسيكيين، ونكرانِه للتغيرِ المناخي.
وبعد الصدمة جاءت الصحوة. في الثمانية أعوام الآنفة نسّقت هوليوود فعاليتها مع البيت الأبيض والرئيس، الذي كان يقيم فيه باراك أوباما وفجأة وجدت نفسها تستعد لخوض معارك على عدة جبهات ضد الرئيس المحافظ المنتخب للدفاع عن المبادئ الليبرالية والديمقراطية، التي تحتضنها وتدعمها بالفعل والأموال من خلال الضغط السياسي والترويج لها في أفلامها.

حرية الصحافة واستغلال القوة

الجبهة الأولى فتحتها النجمة العريقة ميريل ستريب من على منصة توزيع جوائز «الغولدن غلوب» في بداية العام الماضي في خطاب قبولها لجائزة «سيسيل ديميل»، تكريما لتحقيقاتها المهنية في التمثيل. وبدون ذكر اسمه، اتهمت ستريب الرئيس المنتخب، ترامب، بالبلطجية والتبجح والعنصرية.
«كانت تلك اللحظة عندما قام الشخص، الذي يريد أن يجلس على أوقر مقعد في بلادنا، بتقليد مراسل معاق، تفوق عليه بالامتيازات والنفوذ والقدرة على المواجهة»، قالت ستريب «عندما يستغل ذوو النفوذ مناصبهم للتحرش بالآخرين، كلنا نخسر. نحن بحاجة للصحافة ذات المبادىء أن تحاسب ذوي النفوذ وتكشف كل عمل شنيع».
وقوبل خطاب ستريب بتصفيق حار من الحضور وبترحيب من الاعلام، الذي كان أيضا في معركة شرسة مع ترامب، الذي اتهم معظم وكالات الاعلام وخاصة البارزة منها على غرار، «سي أن أن»، «أن بي سي»، «نيويورك تايمز»، «واشنطن تايمز»، بنشر الأخبار المزورة. وكان يهددها بدعوات قضائية ويحرّض مناصريه ضدها في خطاباته الشعبية ومن على صفحات تويتر.
وبعد سماع خطاب ستريب، توقف المخرج العريق ستيفين سبيلبرغ عن انتاج فيلم خيالي كان يعمل عليه واتصل بها، عارضا عليها صنع فيلم عن عداء رئيس محافظ سابق، وهو ريتشارد نيسكون، للصحافة ليحذر الناس من ترامب. الفيلم تدور أحداثة عام 1971 حين حاول نيسكون منع «نيويورك تايمز» و«واشنطن تايمز» من نشر وثائق سرية كشفت عن عدم نية الحكومات الأمريكية في إنهاء حرب فيتنام التي كانت مشتعلة آنذاك.
وفي حديث مع سبيلبرغ، أكد لي على أهمية صنع هذا الفيلم في هذا الزمن «كان الوقت المناسب. وجمعت ستريب وتوم هانك (الذي أيضا شارك في بطولة الفيلم) ونظرنا إلى بعضنا البعض وقلنا: علينا أن نغتنم هذه اللحظة لنسرد هذه القصة الآن. لا يمكننا الانتظار سنة أو سنتين. هذا هو الوقت الذي تكون فيه أذن الناس مفتوحة لمثل هذه الروايات».
ولكن في الخامس من شهر أكتوبر/تشرين الأول، انقلبت الصحافة علي هوليوود. فبدلا من سبر أعمال ترامب الشنيعة، وجّهت مدافعها تجاه هوليوود. بداية كشفت عن استغلال نفوذ واعتداءات جنسية ارتكبها، أهم منتجيها، هارفي واينستين، الذي كان من اشد مناهضي ترامب. وردت هوليوود بنبذه منها ونكران معرفة جرائمه.
أصدقاؤه مثل مات ديمون، بن افليك وجورج كلوني وغيرهم، اعترفوا بأنهم كانوا يدركون أنه كان يلاحق النساء ولكن أنكروا معرفة أي شيء عن تحرشاته الجنسية واغتصابه لبعضهن واستنكروا أعماله بشدة وتبرأوا منه، واصفينه بالمجرم. كما أنكرت النجمات، التي كانت مقرّبة منه مثل جينفير لورنس وميريل ستريب، تعرضهن لاعتداءات جنسية من قبله أو معرفتهن أي شيء عن تصرفاته البذيئة تجاه الممثلات الأخريات.
وقامت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة بسحب عضويته، وتلتها كل النقابات المهنية مثل نقابة المنتجين الأمريكيين بفصله منها، ولكن دون جدوى. الفضيحة توسعت وتحولت إلى سيل عارم جرف معه عشراتٍ من مسؤولي هوليوود ونجومِها على غرار داستين هوفمان، برينت راتنار، داستين هوفمان وجون لاساتير. ومن أبرزهِم كان النجمُ كيفين سبيسي، الذي رغمَ اعتذارِه لضحاياه، قام المخرج ريدلي سكوت بشطبِه من فيلمِه «كلُ المال في العالم» وإعادةِ تصويرِ مشاهدِه مع ممثليه، كريستوفر بلامر، ومارك وولبرغ وميشيل وليامز الذين تبرعوا بوقتِهم مجانا.
ورغم الجهدِ، الذي بذلتْه هوليوود في شجبِ ونبذِ المتهمين، إلا أنها لم تعدْ تملكُ سلاحَ المصداقيةِ الأخلاقيةِ في مواجهتِها لترامب. ووجد نجوم هوليوود أنفسهم يدافعون عن أنفسهم بدلا من الدفاع عن مبادئهم السياسية والاجتماعية. ولكن رفض جورج كلوني أن تحاسب هوليوود لوحدها على التحرشات الجنسية ضد النساء.
«لا أتقبل جدلية مسؤولية هوليوود الأخلاقية لأن مصداقية البلد الاخلاقية محط تساؤل»، يقول كلوني «نحن شاهدنا هذه التصرفات في تلفزيون «فوكس نيوز» وفي واشنطن ومن الرئيس نفسه».
أما ستريب، التي أشعلت شعلة الحرب على استغلال القوة، فما بقي لها إلا أن تعترف أن زملاءها الليبراليين ليسوا أفضل من عدوها ترامب «أعتقد أن علينا أن نطالب بالتزامات ليس فقط من الناس، الذين لا نوافق معهم سياسيا، بل علينا أن نطالب أصدقاءنا وحلفاءنا، الذين يتبعون خط سياساتنا، الالتزام بالمعيار نفسه».

البيئة وتغير المناخ

خلال حملته الانتخابية، استهتر ترامب بنظريات الاحتباس الحراري والتغير المناخي، مدعيا أنها كانت علما مزوّرا. ووعد بإلغاء «اتفاق باريس للمناخ» وقوانين حماية البيئة، التي سنّها سابقه أوباما ووقف مشاريع الطاقة البديلة. وردا عليه قامت هوليوود بإنتاج أفلام روائية ووثائقية، لتحذرَ الناسَ من سياستِه المعاديةِ للبيئةِ وعواقبِها المدمرةِ على الإنسانيةِ وكوكبِها.
آرون اورونفسكي حذرَ من تدميرِ البيئةِ في فيلم «الأمْ»، فيما اقترحَ اليكساندر بين تصغيرَ البشر، من أجلِ تقليلِ الاستهلاكِ المفرَطِ لمواردِ الأرضِ في «تصغيرْ» ، بينما كشفَ نائب الرئيس السابق آل غور عن عواقبِ الاحتباسِ الحراري المدمرة، في «تكملةْ غيرْ مريحة» أما أرنولد شوارزنغر فـروّجَ لحمـايةِ المحيطـاتِ في «عجـائبْ البـحر».
وفي حديث مع شوارزنغر عبر لي عن ثقته بالناس وإيمانه بأنهم سوف يتدفقون لمشاهدة هذه الأفلام، التي سوف تحثهم على حب الطبيعة والعالم والدفاع عنها أمام ترامب «ترامب سوف يدرك في النهاية أهمية حماية البيئة ولكن علينا أن لا ننتظره لأن حركة التغيير تأتي من الشعوب، وهم يسوف يفرضون ذلك على ترامب والسياسيين»، يقول الحاكم السابق لولاية كاليفورنيا.
لكن الناسَ تجاهلوا هذه الأفلام ولم يتدفقوا لمشاهدتها مما أسفر عن فشلها في شباك التذاكر. بينما وفى ترامب بوعوده لمؤيديه إذ سحب الولاياتِ المتحدةَ من «إتفاقِ باريسَ للمناخ»، وفتحَ مناجمَ الفحم وألغى قوانينَ حمايةِ البيئة، التي سنها أوباما، ومشاريعَ الطاقةِ البديلة.

العرب والمسلمون

كان العربُ والمسلمون المستفيدينَ من المعركةِ بين ترامب وهوليوود. إذ أن عداءَ الرئيسِ الأمريكي لهم ساهمَ في تحسينِ نظرةِ هوليوود تجاههَم، وفتح أبوابَها التي كانت مغلقةً امامَهم منذ تأسيسِها قبل مِئةِ عام.
في مهرجانِ «صندانس للأفلام» بداية العام، اشتعلتْ مناقصةٌ بين استوديوهاتِ هوليوود على «المرض الكبير»، وهو أولُ فيلمٍ كوميديٍ يدورُ حولَ شابٍ مسلمٍ يقعُ في حبِ فتاةٍ بيضاءَ، ويقومُ ببطولتِه كوميديٌ باكستانيُ الأصل كوميل نانجياني. ودفعت شركة أمازون 12 مليون دولار مقابله وهذا ثاني أعلى ثمن يُدفع مقابل فيلم في هذا المهرجان المهم. وقوبل الفيلم بمديح النقاد وحصدَ خمسةً وخمسينَ مليون دولار في شباكِ التذاكر.
كما انتجت «فوكس توينتيث سينشري» فيلم «الجبلْ بيننا»، أولَ فيلم هوليوودي يخرجُه عربي، وهو الفلسطيني هاني أبو أسعد. وشاركَ في بطولتِه النجمان كيت وينسلت وادريس البا.
واعترف مخرجون ومنتجون عرب مثل هاني أبو أسعد وسام اسماعيل أن فرص الاخراج والانتاج في هوليوود امامهم تحسنت كثيرا وأن الاستوديوهات اصبحت معنية بطرح وجهة نظرهم الاصلية بدلا من الاعتماد على النظرة الاستشراقية في طرح قضايا العرب والمسلمين.
لكن ترامب فازَ حتى في هذه المعركة، اذ وافقتْ المحكمةُ العليا الأمريكية على قرارِه بمنعِ دخولِ مواطني ستةِ دولٍ ذاتِ أغلبيةٍ مسلمةٍ إلى الولاياتِ المتحدة بداية الشهر الماضي.
الخطرُ الأكبرُ على وجودِ هوليوود، ليس ترامب، وإنما الأجهزةُ الجوالةُ وشركاتُ البثِ الإلكتروني على غرارِ «نيتلفكس» و»أمازون»، التي ألْهتِ الجماهيرَ عن الذهابِ إلى دورِ السينما لمشاهدةِ افلامِها مما اسفر عن هبوط اسهم شركات دور العرض في البورصات العالمية بنسب هائلة. أسهم شركة أي ام سي، علي سبيل المثال، نزلت 70% هذا العام.
أفلامٌ ضخمةٌ مثلَ «المومياء» و«فلاريان ومدينة الألف كوكب» و«فرقة العدالة»، و«برج الظلام» و«ترانسفورمرس: آخر فارس» و«الملك ارثور: اسطورة السيف» و«بيواتش» تساقطتْ في شباكِ التذاكر، التي هبطَ دخلُها هذا الصيف، بمعدلِ خمسَ عشرةَ بالمئة، مقارنةً بالعامِ الماضي، مما اوقعَ استوديوهاتِها في أزمةٍ ماديةٍ، جعلتْها عرضةً للالتهامِ من قبلِ شركاتِ التكنولوجيا الغنية. ومؤخرا قامت شركةُ اي تي اند تي للاتصالات، بشراءِ استوديو وورنرر بروز وابتلعت ديزني استوديو فوكس توينتيث سينتشري.
ولكن مؤسس ومدير استوديو دريم ووركس بدا متفائلا عندما سألته عن توقعاته بشأن مستقبل هوليوود. «التكنولوجيا تخلق مجموعة من التغيرات لم يكن ممكن تخيلها قبل 7 اعوام وخاصة التلفونات الذكية. ومع ذلك هي تغيرات تحويلية من حيث امكانية الحصول على أشياء وسلوك الناس. الأطفال والشباب، هذه الايام، لا ينظرون إلى التلفزيون بل يستخدمون الهواتف الذكية للترفيه وهذا تغير مذهل. هذا ليس تحد فقط بل أيضا فرصة كبيـرة جـداً».
فعلا فهذه ليست الأزمة الوجودية الأولى التي تواجهها هوليوود، اذ سارع الكثيرون في توقع خرابها عندما ظهر التلفزيون في الخمسينيات ثم اشرطة الفيديو في الثمانينيات وثم أقراص الدي في دي في التسعينيات. لكن هوليوود نجحت في تحويل تلك التحديات إلى فرص تجارية مربحة، اذ ان التلفزيون عزز من دخلها من خلال شراء رخص منها لبث أفلامها وساهمت أشرطة الفيديو واقراص الدي في دي في وصولها إلى جمهور اوسع وخلق دخل جديد. فهل ستنجحُ هذه المرة في تحويلِ التحدي الوجوديِّ الراهنِ إلى فرصةٍ تجاريةٍ مربحة ما فعلت في الماضي؟ سؤالٌ قد يجد اجابتَه في العام المقبل.

هوليوود تودع عاما عاصفا وسط عزلتها عن واشنطن وتآكل إيراداتها وسط تغُّول شركات البث الالكتروني

حسام عاصي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left