نحن وأمريكا وإسرائيل

عماد شقور

Jan 05, 2018

من اين نبدأ؟. نبدأ من تسجيل تنويهين اثنين، لا علاقة (مباشرة، على الأقل)، لأي منها، بفحوى ما خصصت هذا المقال لمعالجته والتعاطي معه، ولكنهما يتصلان بموضوع مقالي ليوم الجمعة الماضي، عن المغنية العالمية لوردي التي قررت مقاطعة إسرائيل، والغاء حفلتها في تل ابيب، التي كانت مقررة للصيف المقبل.
ـ يتعلق التنويه الاول بلفت الانتباه إلى ان الجريدة الأمريكية المرموقة، الواشنطن بوست، نشرت على صفحة كاملة في عددها الخاص بعشية رأس السنة الحالية، اعلانا مدفوع الثمن من مؤسسة أمريكية يهودية، تحت عنوان: «لوردي ونيوزيلاندا تتجاهلان سوريا وتهاجمان إسرائيل». وفي نَصّ الاعلان، لم تجد المؤسسة الصهيونية المُموِّلة ما تدين به المغنية العالمية لوردي، الا اتهامها بالتحيّز،لأنها ستقيم حفلة في «روسيا بوتين، الذي يدعم عملية ابادة شعب، التي تتم تحت نظام بشار الأسد»، الامر الذي يعني اعترافا ضمنيا بجرائم إسرائيل، والدفاع عن تلك الجرائم انها لم تصل حد جرائم نظام بشار الأسد(!!).
ـ اما التنويه الثاني فيتعلق بما قاله الراباي شْمولي بوطح، رئيس تلك المؤسسة الصهيونية التي موّلت الاعلان، في مقابلة اجرتها معه جريدة يديعوت احرونوت الإسرائيلية. ومن خلال خبرته بحجم تأثير المشاهير في توجيه الرأي العام، بفضل معرفته الشخصية لمايكل جاكسون، حيث كان هو الراباي الذي يستشيره جاكسون ويطلب نصيحته وتوجيهه. يقول بوطح انه «محظور علينا الاستخفاف بانجازات حركة الـ بي دي اس لمقاطعة إسرائيل، وعلينا التعلم منهم»، ثم: «قمنا بنشر الاعلان نظرا للتأثير الهائل للمغنية لوردي، وخاصة على الشباب، وانعكاس قرارها بمقاطعة إسرائيل عليهم.
ثم، نصل هنا إلى ما خصصت له هذا المقال، حول ما اراه سياسة حكيمة يجدر بنا اعتمادها، في تعاطينا مع قرارات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وشطحاته، هو وادارته، ورأس الحربة فيها، مندوبته إلى الأمم المتحدة، نيكي هيلي. ولعل أطرف ما يمكن ايراده في مجال ما يلحقه ترامب من اضرار في صورة وهيبة ومصالح أمريكا، هو ردّه في واحدة من «تغريداته» المضحكة الاخيرة، على خطاب مُتّزن لرئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ اون، (خاصة إذا ما قورن بتغريدات ترامب)، قال فيه: «ان زِرّ اطلاق القنابل النووية موجود دائما امامي على الطاولة،.. وهذه حقيقة، وليست تهديدا». فماذا كان رد ترامب؟.
نشر «تغريدة»، كعادته، قال فيها بالنّص: «صرح زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ اون ان زِرّ القنبلة النووية موجود دائما على طاولته. هل يمكن لأحد من نظامه المستنزف والذي يتعرض للتجويع، ان يتكرم بابلاغه انني انا ايضا املك زِرّاً نوويا، لكنه اكبر كثيرا من زِرِّه، واكثر قدرة، وان زِرّي صالح للاستعمال»!!.
«جنرال الحروب التويترية»، الرئيس ترامب، اكتفى، في عالمه الافتراضي، بقصف كوريا الشمالية ورئيسها بـ»تغريدة» واحدة. لكنه عندما تفرغ لشن هجومه على الشعب الفلسطيني قبل يومين، لم تكفِه «تغريدة» واحدة، محدودة بـ280 حرفاً، (كما تقتضي قواعد الكتابة في التويتر)، فاتبعها بثانية. قال في الاولى: «ليست الباكستان فقط هي التي ندفع لها مليارات الدولارات مقابل لا شيء، بل هنالك ايضا كثير من الدول، وغيرها، [واضاف ترامب كلمة «غيرها» هنا لكي لا يسجَّل عليه الاعتراف بان فلسطين دولة]. وكمثال على ذلك فإننا ندفع للفلسطينيين مئات ملايين الدولارات [التشديد ورد في تغريدة ترامب] سنويا ولا نحصل على تقدير او احترام. بل حتى انهم لا يريدون»… وهنا استنفد ترامب عدد الاحرف المسموح، فالحقها بـ«تغريدة» تالية تكملها: «ان يتفاوضوا مع إسرائيل على اتفاقية سلام طال انتظارها. لقد ازحنا القدس، الأصعب بين قضايا التفاوض، من الطاولة، ولكن كان على إسرائيل ان تدفع اكثر مقابل ذلك. ولكن بالنسبة للفلسطينيين فانهم لم يعودوا راغبين في التحدث عن السلام، فلماذا نقوم مستقبلا بدفع هذه المبالغ الباهظة لهم؟».
رئيس القوة الاعظم في العالم، يفكر بهذه الطريقة، ويتحدث بهذه اللغة الركيكة.. فما العمل؟.
الولايات المتحدة الأمريكية ليست دولة؛ انها خمسون دولة، ومتحدة ايضا. ويجدر بنا التعامل معها على انها «الدول المتحدة الأمريكية»، وانها تملك اكبر الاقتصاديات في العالم، وان واحدة من تلك الولايات/الدول، هي كاليفورنيا، تحتل، منفردة، ما بين المرتبة السابعة والمرتبة العاشرة في سُلّم الاقتصاديات الاكبر عالميا، على مدى سنوات العقد الاخير.
من هنا تنبع قناعتي بضرورة التعامل مع أمريكا بكل الجدية والحذر. وليس من الحكمة ان نتعامل معها بخفة، استنادا لاعتبار اننا هزمناها في هذا التصويت او ذاك حول هذه المسألة او تلك، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، او أي من مؤسساتها او أي من المنظمات والهيئات المتفرعة عنها.
اعرف واذكر مدى وعنف الهجوم الذي تعرض له الاستاذ الكبير الراحل، محمد حسنين هيكل، عندما نشر في «الاهرام» بعد اشهر من حرب حزيران/يونيو 1967 المشينة، مقالا دعا فيه إلى محاولة تجنب الصدام المباشر مع «الثور الأمريكي». ورغم ذلك فانني اعود على خطاه داعيا للتروي قبل كل خطوة، ودراسة كل البدائل واحتمالات ردود الفعل. هناك من الدول العربية من لا تستطيع ان ترفض قرارا لأمريكا، وقد لا يكون مستبعدا تعرضها لضغوط، حتى لا اقول «اوامر»، بفرض تضييقات مالية، وربما حصار على حرية الحركة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية، بل وعلى افراد الشعب الفلسطيني في الوطن وفي دول اللجوء والشتات.
هذا لا يعني باي حال من الاحوال، الرضوخ، او حتى مجرد التفكير في الرضوخ، لأي قرار او اجراء او موقف او سياسة لأمريكا او غير أمريكا، يتعارض مع مصالح شعبنا الفلسطيني ومستقبل اجياله، او مع أي من المقدسات الفلسطينية واهمها قضية القدس.
القرار الفلسطيني الشجاع، في وقف التعامل مع أمريكا كوسيط مقبول للاشراف على أي مفاوضات مع إسرائيل، لا يجب ان يعني القطيعة مع أمريكا بقرار من جانبنا. ان تقرر أمريكا القطيعة معنا، فهذا شأنها، ولا حول ولا قوة الا بالله. اما ان نسعى نحن إلى القطيعة معها، فهذا عمل غير حكيم.
حاولت أمريكا ان تفرض فك طوق العزلة الدولية عن إسرائيل. فكانت النتيجة حتى الآن، ان ادخلت هي نفسها إلى طوق العزلة. لكن قدرات أمريكا على التعامل مع طوق عزلتها، اكبر بما لا يقاس من قدرة إسرائيل على التعامل مع مثل هذا الوضع.
ايضا، إذا كانت أمريكا بكل قواها العسكرية والاقتصادية والعلمية وغيرها، تقف عاجزة عن فرض ارادتها على كوريا الشمالية، بفضل امتلاك هذه لقدرات نووية وصاروخية قليلة إذا ما قورنت مع ما تملكه أمريكا، فان لشعبنا الفلسطيني قدرة هائلة على الصمود والرفض والمواجهة مع سياسة أمريكية منحازة للظلم الذي تعرض ويتعرض له شعبنا. ان حجم العدالة في قضية شعبنا، مستندا إلى الدعم والمساندة التي يحظى بها من شعوب ودول العالم، في قاراته الخمس، كفيل بان يحفظ ويضمن استعادة شعبنا الفلسطيني لحقوقه المشروعة.
هذا مشروط، بالتأكيد، بان نتصرف بثقة لا يشوبها أي تشكك بعدالة نضالنا، وبصلابة وتماسك لكل مكونات الشعب الفلسطيني، وبحكمة سياسية لا تندفع نحو خطوات تشكل ريحا مواتية لأشرعة سفينة عدونا المباشر.
الاستسلام والرضوخ مرفوض، والتصرف المتطرف الارعن مُضِرّ.

٭ كاتب فلسطيني

نحن وأمريكا وإسرائيل

عماد شقور

- -

2 تعليقات

  1. كلام سليم و لكن علينا احترام مبدأ حرية الاراء و الاساليب مثلما يفعل اليهود. فمنهم من يتشدد بصراحة و عنف و يفتخر بجرائمه و منهم من يتعامل بدبلوماسية و خبث
    يعني ان لا نهمل كل اشكال المقاومة و تكليف امريكا و اسرائيل ثمن مواقفها و عدوانها. فليكن لدينا الجسم الرسمي الذي يتكلم بالدبلوماسية و الاعلام و القانون و لكن بدون ان يكون مكلفا بملاحقة المجاهدين و حماية المستوطنين

  2. بعد التحية ، نزيد على ذلك بل ونؤكد لك امرا ذا قيمة كبيرة بقيت لنا كعرب من ضمن امور اخرى لا تقل اهمية ، وهي رفض الشعب العربي العريض اي قبول او هرولة او ما يسعى اليه البعض من المتصهينين والعربان الخائفين من تل ابيب وترمب ، فنبشرك بذلك وانظر هل طبعت الشعوب اقول الشعوب في كل من مصر والاردن والتي يحاول الحمام ذلك منذ عقود ، دون ان نرى الرفض في لبنان وغيره ، وشكرا لكل حر في هذا العالم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left