تونس تتخذ جملة من الإجراءات للحد من التحرش الجنسي

ظاهرة باتت شائعة في مختلف المجتمعات

روعة قاسم

Jan 06, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: بات التحرش الجنسي بالفتيات ظاهرة لافتة في تونس في السنوات الأخيرة دفعت ببعض المنظمات الحقوقية والمدافعة عن المرأة إلى إطلاق حملات توعوية للحد أو القضاء على هذه الظاهرة شملت حتى وسائل النقل العمومي. كما دفعت هذه المنظمات البرلمان باتجاه سن قوانين وتشريعات جديدة تتضمن عقوبات زجرية رادعة للمتحرشين بالتونسيات من أهل البلد والأجانب على حد سواء.
فكثير من الرجال لا يميزون عادة بين المرأة الحرة غير المستعبدة وغير الممتهنة كرامتها والتي نالت حقوقها كاملة واقتحمت جميع الميادين جنبا إلى جنب مع الرجل، وهو حال غالبية نساء تونس، وبين المرأة التي لا تقيم وزنا للضوابط والقيم الاجتماعية والتي تبيع نفسها بأبخس الأثمان. كما أن هناك حالة من التعميم تعاني منها المرأة التونسية، إذ يتم أخذ الأغلبية بذنب القلة، ونتيجة لسلوك بعضهن تتم الإساءة للكل ويعتقد أنهن ينتمين جميعا إلى فئة من البشر لا يخلو منها مجتمع في هذا العالم بما في ذلك المجتمعات التي يدعي أهلها التقوى والورع وإتباع «الشريعة».
ولعل الأزمة الأخيرة التي حصلت بين تونس ودولة الإمارات والتي منعت خلالها شركة طيران الإمارات نساء تونسيات من استخدام إحدى طائراتها، وردت الدولة التونسية بتعليق عمل شركة طيران الإمارات في تونس، هي التي أعادت إلى السطح هذا الملف. إذ اعتبر البعض أن ما حصل للتونسيات من منع في مطار تونس من ركوب الطائرة الإماراتية ومن ايقاف لنساء تونسيات رفقة أفراد عائلاتهن في مطار دبي واضطرارهن للانتظار لساعات طويلة دون مبرر هو نوع من أنواع التحرش وامتهان لكرامة المرأة دون مبررات مقنعة.

ظاهرة عامة

ولا يقتصر التحرش على التونسيات، إذ بدا وكأن الحالة عامة وتشمل مختلف البلدان العربية وربما العالم، خاصة بعد أن نشرت نسوة عربيات على مواقع التواصل الاجتماعي شهادات حية عن تعرضهن للتحرش. واعتبر النشر في حد ذاته خطوة هامة في مجتمعات محافظة تضطر العادات والتقاليد المرأة فيها إلى السكوت عما يتعرضن له درءا للفضائح.
كما أن حملة التوعية بالتحرش التي دعت إليها الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو من خلال هاشتاغ «أنا أيضا» ساهمت في حصول حركة على مستوى العالم للتصدي لظاهرة التحرش الجنسي. ولعبت فضيحة المنتج الأمريكي هارفي وينستون المتهم بالتحرش بالفنانات، دورا بارزا في ظهور هذه الحملة التي لقيت موجة من التعاطف منقطعة النظير.
وتبقى أشهر فضائح التحرش الجنسي فضيحة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع متدربة البيت الأبيض مونيكا لوينسكي والتي كادت أن تؤدي إلى نهايته سياسيا. فقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق مهددا بالخروج من البيت الأبيض قبل نهاية ولايته الثانية وتم الحديث يومها عن فخ نصبه اللوبي الصهيوني الأمريكي لرئيس بلاده حتى لا يمضي قدما في مفاوضات السلام المتعلقة بالشرق الأوسط ويجبر الكيان الصهيوني على الانخراط فيها.
ويتساءل البعض في هذا الإطار عن أحوال العالم العربي الأكثر انغلاقا وكبتا، إذا كان هذا حال البلدان الغربية المنفتحة والتي ترسخت فيها المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، وإلى متى سيبقى هذا الموضوع من التابوهات التي يحظر الحديث فيها الأمر الذي يعرض المرأة العربية إلى مخاطر جمة من رب العمل وكل من له سلطة معنوية عليها وحتى خارج العمل، أي في الشوارع ووسائل النقل العمومي؟

نضال حقوقي

بلقيس مشري الناشطة الحقوقية النسوية ونائبة رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سابقا، أكدت في حديثها لـ «القدس العربي» ان المجتمع المدني التونسي، وخاصة جمعية النساء الديمقراطيات، خاض نضالا واسعا من أجل مناهضة العنف ضد المرأة وخاصة التحرش الجنسي. ولفتت إلى ان هذه الظاهرة عامة وتنتشر بشكل لافت في الفضاء الخاص والعام على حد سواء. وأضافت: «صحيح ان الكريديف (مركز البحوث والدراسات والتوثيق حول المرأة) هو من أطلق هذه الحملة مؤخرا، ولكننا نبهنا كناشطات لهذا النوع من العنف ضد المرأة والذي يتفشى بشكل لافت وزاد أكثر بعد الثورة».
وأضافت: «لقد صدر قانون في العهد السابق حول حماية المرأة من التحرش الجنسي لكنه لم ينصفها كليا، خاصة ان من الصعب في مجتمعاتنا إثبات عملية التحرش، ونحن قمنا بحملات عديدة وانطلقنا حتى إلى مستشفيات للوقوف على حالات انتشار التحرش الجنسي، وقد سجلت إحدى المستشفيات في تونس تعرض طبيب لزميلاته بالتحرش والاعتداء عليهن مرات عدة إلى ان تشجعت إحداهن مما دفع الأخريات إلى الكشف عن أطوار الحادثة وتقدمت بشكوى إلى جمعية النساء الديمقراطيات آنذاك».
واعتبرت ان هذه ظاهرة موجودة، خاصة في الإدارة ويصل التحرش إلى محاولة الاعتداء على النساء جسديا واغتصابهن في بعض الأحيان. وقالت ان المشكلة في مجتمعاتنا هو أن هناك صمتا إزاء هذه الظاهرة وغالبا ما تلجأ الضحية إلى السكوت خوفا من نظرة المجتمع لكن الآن وقع تغيير في تعاطي النساء مع هذه الاعتداءات، وبدء الحديث عن هذه الحالات يخرج إلى العلن ونحن في «نساء ديمقراطيات» قمنا بمحاضرات للتوعية».
وتضيف الناشطة الحقوقية التونسية انه بعد الثورة صدر الدستور الجديد الذي فرض عقوبات تصل إلى السجن بحق المتحرش مع دفع غرامة وعقوبة مالية. وقالت: دخل هذا القانون حيز التنفيذ لكن لاحظنا ان حالات التحرش في وسائل النقل العمومي لم تتوقف بعد الثورة، لذلك هناك جدل حاد في مجلس النواب اليوم حول كيفية التصدي لهذه الظاهرة بطرق أخرى، ولعل أهمها ادخال مادة التثقيف الجنسي في المدارس منذ المرحلة الاعدادية من أجل توعية التلاميذ بكل ما له علاقة بالثقافة الجنسية وحرمة جسد الأطفال». وتتابع: «نستذكر هنا المواطنة مريم التي اغتصبها أمنيون ولولا وقفة المجتمع المدني في عدة جلسات أمام المحكمة لتحولت من ضحية إلى متهمة، لأن من اعتدى عليها أراد تحويلها إلى جانية، فدائما المرأة في مجتمعاتنا هي التي تعاقب ويجرمونها بسبب لباسها ولا يمكن التصدي لهذه الظاهرة سوى بالتثقيف الجنسي والتوعية».

الضرب بقوة

وفي إطار الحفاظ على كرامة المرأة التونسية وحمايتها والضرب بقوة على المتحرشين بها من التونسيين وغير التونسيين أقر القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة وتحديدا في فصله 17، العقاب بالسجن مدة عام، كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عمومي، بكل فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو تخدش حياءها. كما يعاقب القانون بغرامة مالية قدرها ألفي دينار، كل من يتعمد التمييز في الأجر عن عمل متساوي القيمة على أساس الجنس، وتضاعف العقوبة في صورة العود والمحاولة موجبة للعقاب.
وأقر القانون المشار إليه أيضا الترفيع في العقوبات الواردة بالقانون الجزائي التونسي كلّما كان لمرتكب العنف ضد المرأة سلطة عليها. ومن بين من لهم سلطة، رب عمل المرأة أو من كان أعلى منها في الهرم الوظيفي وتأتمر المرأة المتحرش بها بأوامره، وكذا الأستاذ على تلميذته أو طالبته التي يقوم بتدريسها وغيره.
ورأى البعض أن شركة الطيران الإماراتية التي منعت التونسيات من امتطاء طائراتها ينطبق على من اتخذ فيها القرار، النص الجزائي المشار إليه ويمكن مقاضاة أفرادها لدى المحاكم التونسية. فالجريمة حصلت على الأراضي التونسية ويمكن في هذا الإطار تطبيق النص القانوني التونسي وإثارة اختصاص المحاكم المحلية رغم أن جنسية الطرف المعتدي غير تونسية، كما يمكن التشكي بالناقلة الإماراتية على أساس الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالطيران. ويشار إلى أن هذا القانون قد جرم أفعالا لم تكن مجرمة سابقا في القوانين في إطار حماية المرأة ودفاعا عن كرامتها، مثل جريمة مضايقة امرأة في مكان عمومي، وجريمة التمييز في الأجر على أساس الجنس. وهناك جرائم أخرى تم التنصيص عليها ما جعل البعض يعتبر هذا القانون ثورة حقيقية تكريسا للمساواة بين الجنسين وحماية للمرأة التونسية التي يبدو أنها باتت مستهدفة وتشن عليها حملات تشويه من قوى رجعية محلية وخارجية يزعجها ما باتت تتمتع به من حقوق.
وقد فرض القانون التونسي الجديد على وكيل الجمهورية (ممثل النيابة العمومية في المحاكم الابتدائية) أن يكلف مساعدا له أو أكثر بتلقي الشكاوى المتعلقة بالتحرش ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها إلى جانب تخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين بقضايا العنف ضد المرأة على مستوى النيابة العمومية والتحقيق وقضاء الأسرة. كما فرض القانون إحداث وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة، بكل منطقة أمن وطني وحرس وطني في كل الولايات ويجب أن تضمّ من بين عناصرها نساء.
ويعتبر المحامي التونسي صبري الثابتي في حديثه لـ»القدس العربي» أن القانون الجديد المتعلق بحماية المرأة من التحرش وكل أشكال العنف، هو قانون هام ورد فعل طبيعي على حملة التشويه الذي تتعرض لها المرأة التونسية في السنوات الأخيرة. وما يلاحظ هو أن المشرع كان صارما من خلال التوسع في الأفعال المجرمة حماية للمرأة التونسية ومن خلال فرض إجراءات على النيابة العمومية أن تقوم بها تتبعا للمتحرشين سواء أكانوا تونسيين أو عربا أو أجانب.

التحرش الجنسي

ويعرف المشرع التونسي التحرش الجنسي أنه كل اعتداء على الغير بأفعال أو إشارات أو أقوال ذات طبيعة جنسية من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه، وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات المتحرش أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الأفعال.
كما يعتبر البعض استهداف المرأة بالعنف اللفظي والجسدي وإهانتها على أساس الجنس أو إهانة شعب بأسره من خلالها أو تعريضها لضغط عصبي ونفسي، أفعالا تدخل في باب التحرش. وبالتالي فإن هذه الأفعال تدخل تحت طائلة العقوبات التي أقرها القانون التونسي الجديد المتعلق بالعنف ضد المرأة.

التحرّش في وسائل النقل العمومية

أعلن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة «الكريديف» بالتعاون مع شركة نقل تونس عن إطلاق حملة توعوية ضدّ التحرّش في وسائل النقل العمومية يوم 25 أيلول/سبتمبر الماضي.
وقالت المديرة العامة للمركز، دلندة الأرقش الهدف من هذه الحملة هو التحسيس بخطورة هذه الظاهرة وكسر ثقافة الصمت والحث على التبليغ عن مثل هذه الانتهاكات.
وأضافت أن الدراسة التي أجراها المركز سنة 2015 تشير إلى أن 53.5 في المئة من النساء المستجوبات (من بين 3000 امرأة) من كامل تراب الجمهورية ومن كل الشرائح العمرية تعرّضهن للعنف في الفضاءات العامة.
وأوضحت أن القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة ينص في الفصل 17 على فرض خطية تتراوح بين 500د و1000 د ضدّ كل من يضايق امرأة في الفضاء العام.

تونس تتخذ جملة من الإجراءات للحد من التحرش الجنسي
ظاهرة باتت شائعة في مختلف المجتمعات
روعة قاسم
- -

5 تعليقات

  1. العري يجلب التحرش !
    لماذا تصر الأنثى على إظهار مفاتنها أمام الرجال ؟
    ألا يُسمى هذا إغراء للذكور لفعل الفاحشة ؟ ألا يُسمى ذلك تحرشاً ؟ أُنظر للصورة
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ماذا نتوقع من شبان عاطلين عن العمل عاجزين عن الزواج يتعاطون المخدرات يرون الفتاة أمامهم تتفنن في استفزازهم بالعري وتبالغ في إبراز مفاتنها بالايحاء و بالحركات والضحك المبالغ فيه ،،خاصة في وسائل النقل الجماعي ،،على عكس المحتشمات اللواتي يفرضن على الجميع احترامهن باللباس المعقول والسلوكات المحترمة.

  3. و أين غض البصر الذي امر به الله و رسوله صل الله عليه و اله و سلم!!!! لماذا يبحثوت عن أي مبرر للتحرش بالمرأة و حتى المحجبات و المنقبات لم يسلمن!!!!! هنا في أوروبا لم أر أوروبيا واحدا يضايق إمرإة مهما كان لباسها فإن نظر إليها مرة لا يعيد الثانية!!!

  4. دخول القانون الشامل لمناهضة العنف ضد المرأة و تونس الدولة 19 فى العالم بمثل هذا القانون الشامل حيز التنفيذ بداية من جانفى ….سوف يحرر الفضاء العام للمراة التونسية و يعاقب عقاب شديد كل المرضى الذين لا هم لهم إلا ملاحقة المرأة فى لباسها او مشيتها او كلامها او اضطهادها اقتصاديا سياسيا او اجتماعيا و ذلك من غرفة النوم …..الى اى مكان فى الجمهورية ..الفضاء العام للجميع و يجب فرض ذالك بقوة القانون لانه فى النهاية بخصوص العنف الشامل لم يعد هناك فضاء خاص تفعل فيه ما نريد انتهى الأمر..ثابت آخر يسقط…إلى الامام تونس ….تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها

  5. التحرش يجب ان يحارب في الاتجاهين و ليس في اتجاه واحد، اي ان مثلما يعاقب الرجل لتحرشه بالنساء يجب ان تعاقب المراة لتحرشها بالرجل هذه هي العدالة الحقيقية. من غير المعقول ان تلبس المراة لباسا عاريا في الشارع و تجبر الرجل على تقبل ذلك بل و بعضهن تامره بغض البصر! في هذه الحالة يجب على المراة كذلك تقبل الحرش اذا ! اما من يقول ان الغرب ليس فيه تحرش فهذا جهل كبير خصوصا ان العالم كله يتحدث هذه الايام عن التحرشات في اوروبا و امريكا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left