مئوية ميلاد عبد الناصر‪:‬ تحولات سابقة لعصره ولاحقة لزمنه

محمد عبد الحكم دياب

Jan 13, 2018

تحل هذه الأيام الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومر قرن لم يكن عاديا كباقي القرون؛ تكثفت فيه المتغيرات والتحولات والنقلات، ومعها تعددت الانتصارات والانكسارات والإحباطات.. جاء يوم الميلاد والعالم يشهد اضطرابا وفورانا؛ تجلى في حرب عظمى (1914 ـ ‬1918)؛ غيرت خرائط وألغت دولا وقسمت غيرها، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى كان العالم غير العالم؛ يحاول الخروج إلى حقبة معدلة تخفف من وطأة الظاهرة الاستعمارية، وكان القرنان الثامن عشر والتاسع عشر قد شهدا مظاهر عديدة للعنصرية والاستيطان والتطهير العرقي. ‬‬
ومن المفيد سبر أغوار ذلك القرن من خلال تناول ثلاثة تحولات أثرت على مسيرة العالم الذي ترعرع فيه الزعيم الراحل؛ بدوره المتميز والفاعل في التاريخ الوطني والعالمي.. التحول الأول: قيام الدولة السعودية بمراحلها الأربعة منذ أربعينيات القرن الثامن عشر وحتى الآن.. وأثر ذلك على مشروع عبد الناصر التحرري الوطني الاشتراكي الوحدوي.. والتحول الثاني هو خروج الولايات المتحدة من العزلة بعد الحرب العظمى، وصارت لاعبا دوليا في مؤتمر الصلح في فرساي بباريس عام 1918، والتحول الثالث هو ظهور الحركة الصهيونية، ومقدماتها في مطلع القرن التاسع عشر، ودخول مشروعها حيز التنفيذ في نهايات القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، وبدت الحرب العظمى بمثابة قابلة تولت إخراج ذلك المشروع العنصري إلى الحياة.
التحول الأول جاء ‬ محصلة صراع المصالح وبسط النفوذ بين الامبراطوريات الأوروبية الاستعمارية وبين الامبراطورية العثمانية «رجل أوربا المريض»، وكان لبريطانيا الدور الأبرز فيه؛ أسست «شركة الهند الشرقية»؛ بمرسوم أصدرته الملكة اليزابيث الأولى في نهاية 1600م، منح الشركة سلطات احتكارية على تجارة الهند ومستعمرات جنوب شرق آسيا لمدة 21 عاما، وكان الكيان التجاري الأكبر بين شركات الهند الشرقية الأوروبية، وتاجرت في القطن والحرير والنيلة والشاي والأفيون والأقمشة والمواد الخام وغير ذلك. وحين وجدت منافسة من شركة إنكليزية أخرى، اندمجت الشركتان في شركة واحدة باسم شركة الهند الشرقية المحترمة مطلع القرن 18، وكانت في حقيقتها مؤسسة سياسية بغطاء تجاري يتحكم في جميع ولايات الهند ومستعمرات التاج البريطاني الآسيوية، وتنال الدعم السياسي والعسكري من الحكومة البريطانية مباشرة، وتم حل الشركة عام 1858 عقب العصيان المدني الهندي.‬‬
وجاء في «مكتبة قطر الرقمية» تحت عنوان «عن البريطانيين في الخليج» أنه على مدى أكثر من مائة وخمسين عامًا، من 1820‬ وحتى انسحابها في 1971‬؛ كانت بريطانيا قوة مهيمنة على منطقة الخليج، ومثلما كان الحال مع غيرها من القوى الأوروبية الأخرى؛ البرتغالية والفرنسية والهولندية، كان اهتمام بريطانيا في البداية منصبا على تطوير العلاقات التجارية. وتغير الاهتمام البريطاني إلى السياسة بعد اتساع الممتلكات البريطانية في الهند.‬‬‬‬
وكانت شركة الهند الشرقية الأكبر تجاريا أكثر تأثيرًا سياسيا على الإطلاق. منذ سبعينيات القرن الثامن عشر، وتشعبت مهماتها؛ يساعدها جيش امبراطوري جرار وأسطول بحري ضخم. وكان لها دورها مع الدولة السعودية الأولى، أو إمارة الدرعية ما بين 1744 ـ 1818م، وتوالى على حكمها محمد بن سعود 1744 ـ 1765، وعبد العزيز بن محمد بن سعود 1765 ـ 1803، وسعود بن عبد العزيز 1803 ـ 1814، وعبد الله بن سعود 1814 ـ 1818. وتشير كثير من المصادر إلى أن أرشيف شركة الهند الشرقية حوى مراسلات مع أئمة كالإمام عبدالله بن سعود من الدولة السعودية الاولى، والإمام فيصل بن تركي من الدولة الثانية، وغيرهما ممن كانوا على علاقة جيدة بتجار الهند.
وقامت الدولة السعودية الثانية 1824 ـ 1891؛ باسم إمارة نجد، واتخذت الرياض عاصمة لها، وبعد أن غادرها الأمير تركي بن عبد الله عام 1820، وكان أميرها حتى عام 1818، وبدأ الإعداد لبناء الدولة من جديد على نفس النسق الأول، ودان له الحكم سنة 1824 بعد انسحاب الحامية المصرية. ولما أغتيل عام 1834، ورثه فيصل بن تركي حتى 1836، ودخول قوات محمد علي الرياض دون قتال، وساعدت القوات المصرية خالد بن سعود على فرض سيطرته عليها؛ لكن الاشتباكات مع قوات فيصل بن تركي استمرت وانتهت بانتصار القوات المصرية، وتم أسر فيصل وأُرسِل إلى مصر، وانتهت بذلك فترة حكمه الأولى للدولة السعودية الثانية عام 1838.
سحب محمد علي قواته بموجب معاهدة لندن عام 1840، وعجز خالد بن سعود عن السيطرة على الأوضاع، وذلك مكَّن عبد الله بن ثنيان آل سعود من السيطرة على الرياض، وفي عام 1843 هرب فيصل بن تركي من سجنه المصري، ودخل الرياض ليبدأ فترة حكمه الثانية، وبوفاته نهاية عام 1865 عصفت الفتن والمؤامرات بالبلاد، واستغل أمير حائل محمد بن عبد الله بن الرشيد الظروف وحاول الاستيلاء على الرياض فلم ينجح، ولجأ إلى المنطقة الشرقية، وجمع رجاله تحت قيادة عبد الرحمن بن فيصل لمواجهة ابن الرشيد، لكنه فشل، وواصل ابن الرشيد تقدمه نحو الرياض وقضى على الدولة السعودية الثانية عام 1891، ولحق عبد الرحمن بن فيصل بأسرته في الأحساء، ومنها اتجه إلى قطر، وسمح له الباب العالي بالاستقرار في الكويت، فذهب بأسرته إليها عام 1892.
وتمكن عبد العزيز آل سعود من إقامة الدولة السعودية الثالثة 1902 ـ 1932، وضمت إمارة نجد والإحساء حتى عام 1921، ثم تحولت نجد إلى سلطنة نجد حتى عام 1922، وبعدها سلطنة نجد وملحقاتها حتى عام 1926، وتغير الاسم إلى مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها، وبذلك استكمل عبد العزيز آل سعود قيام المملكة بشكلها الحالي وحدودها الراهنة عام 1932.
أما مملكة الحجاز، فكانت العلاقة متوترة بين السلطان عبد العزيز آل سعود والشريف حسين بن علي أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعدها بسبب النزاع حول ترسيم الحدود بين نجد والحجاز، وساءت العلاقات بعد ثورة الشريف حسين ضد العثمانيين، وتطلعه إلى توحيد العرب، ومنعِ النجديين من الحج، ودعم خصوم ابن سعود، الذي شنّ هجوماً على الطائف، ودخل مكة عام 1924 وتوالى سقوط مدن الحجاز؛ وبقيت جدة ليتحصن بها بن الحسين، وصمدت عاما كاملا حتى ديسمبر 1925 رغم الحصار.
الدولة السعودية الرابعة (1932 ـ 0000) اختلفت حولها الآراء، فتشيع مواقع «التواصل الألكتروني» إلى وجودها الفعلي على الأرض، بينما يشير الباحث والكاتب الأمريكي اللبناني أسعد أبو خليل في صحيفة «الأخبار» اللبنانية إلى عدم تفاؤله حيال الفترة القادمة في تاريخ المملكة، ولا يقر بقيام الدولة السعودية الرابعة. وكتب يقول “نحن أمام عهد جديد من التاريخ السعودي. لم تدخل السعوديّة بعد مرحلة الدولة الرابعة التي يُروّج لها جهاز الدعاية الرسمي… قد يكون محمد بن سلمان يُحضِّر لتدشين المرحلة الرابعة من الدولة، لكن لم تكتمل الصورة بعد».
ولعبت المملكة العربية السعودية في طورها الراهن أخطر الأدوار، وتصدت لمشروع عبد الناصر، وأجهضته بما ملكت من ثروة نفطية هائلة، وسيولة مالية طائلة؛ واستنادا إلى أيديولوجية مذهبية شديدة الخشونة وبالغة التطرف، فازدادت الفتن، وتعمقت الصراعات البينية، واشتعلت الحروب الأهلية بين أبناء «القارة العربية»، وقد حيل بينها وبين التفاعل مع العصر.. كان هذا عن التحول الأول.. فماذا عن التحول الثاني الذي أخرج أمريكا عن عزلتها في بدايات القرن الماضي؟

٭ كاتب من مصر

مئوية ميلاد عبد الناصر‪:‬ تحولات سابقة لعصره ولاحقة لزمنه

محمد عبد الحكم دياب

- -

1 COMMENT

  1. اعتقد ان تحميل السعودية مسؤولية اجهاض ما يسميه الكاتب مشروع عبد الناصر هو تحميلها اكثر مما تستحق.

    السعودية و نظامها ليسا الا احد ادوات الهيمنة البريطانية و لاحقا الامريكية على المنطقة، اي انها تسير فقط بما تسير به القوى الغربية المهيمنة عليها و تنفذ فقط ما تقتضيه مصلحة هذه القوى.

    و قد ظهر ذلك جليا في الوضع الحالى التي تعيشه المملكة حيث تم التخلص بسهولة منقطعة النظير من كل اركان النظام السابق بدون استثناء، سواء الامراء او الوزراء او رجال الاعمال او النخب التي شكلت اسس نظام عهد الملك عبد الله. و التخلص من كل هؤلاء في زمن قياسي، و بطريقة مهينة و بدون مقاومة تذكر لا يمكن تفسيره الا بكونهم لم يكونوا يحكمون المملكة، بل كانوا يمثلون فقط واجهة نظام خاضع للسيطرة المطلقة لامريكا و تخلصت منهم امريكا حين اقتضت مصلحتها ذلك، تماما كما تخلصت من مبارك في مصر و بنعلى في تونس.

    بالنسبة لمصر، لقد كانت في وضع يؤهلها لتصبح اكبر مستفيد على الصعيد العالمي الى جانب الصين من تفكك الامبراطورية البريطانية و تسليم ما تبقي منها لامريكا في اعقاب الحرب العالمية الثانية. و لكن في الوقت الذي لم تفرط فيه الصين في الفرصة التي اتيحت لها و استطاعت ان تتخلص من ارث الهزائم و الانكسارات و الاهانات التي عاشتها الصين في فترة ما بين حرب الافيون و نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تتسطع مصر الاستفادة من الفرصة المتاحة.

    لا اعتقد انه يمكن عن الحديث عن مشروع عبد الناصر. يمكن الحكم على مرحلة عبد الناصر ايجابيا اذا تم اتخاذ الخيبة المصرية بعد خروج مصر من الصراع مع اسرائيل كمعيار للمقارنة. و لكن بالنهاية عبد الناعبد الناصر وصل السلطة بانقلاب عسكري و اسس نظاما اتاح الفرصة لشخص بمستوى السادات ان يصبح رئيسا لمصر ليسلمها لامريكا و اليهود من دون ان يستطيع احد في مصر ان يقف في طريقه، و يضع اسس العبث الذي اوصل مصر و المنطقة الى الفوضى التي تعيشها اليوم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left