تنامي أعمال البلطجة والعنف المدرسيّ ينذر بعواقب خطرة

مرام حكيم يبين لـ«القدس العربي» دوافع الظاهرة وكيفية تجنّب مخاطرها

ناديا الياس

Jan 13, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»:كثرت في الآونة الأخيرة التحذيرات من تنامي ظاهرة العنف المدرسيّ بين صفوف الطلاب من مختلف الفئات العمرية من دون أيّ رادعٍ، الأمر الذي ينعكس سلباً على سلوك وتصّرفات الأولاد الذين هم أطفال اليوم ومستقبل الغدّ.
وقد دخلت منظمة اليونيسكو على خطّ التحذيرات والمخاوف من باب إعلانها أنّ من بين أكثر من مليار طفل في المدارس حول العالم، يتعرّض ربعهم لأعمال البلطجة والعنف المدرسي. أمّا ما يثير القلق فأن الأكثر عرضة للخطر هم في كثير من الأحيان من الفقراء أو من الأقليات العرقية أو اللغوية أو الثقافية.
ويكتسب العنف المدرسي والبلطجة أنواعاً مختلفة منها، العنفٍ اللفظيّ والكلامي والنفسيّ وصولاً إلى العنف الجسديّ، الأمر الذي يضاعف من خطورة الظاهرة التي سنتوقف عندها مع الطبيب النفسي المعالج الدكتور مرام حكيم الذي قدّم شرحاً مفصّلاً عن مفهوم البلطجة، أسبابها وضحاياها وتداعياتها على كلّ من الطفل المعّتدي والضحيّة فضلاً عن سبل المعالجة.
فقد رأى الدكتور حكيم أنّ «البلطجة (bullying)تطال جميع الأعمار منهم الأطفال والمتوسطيّ العمر وحتى الكبار». وقال في تعريفه البلطجة «انٍّ الطفل يعتدي على طفل آخر بأساليب عدّة منها التهجّم عليه أو الاستهزاء به أمام الكلّ أو يسخر منه أو يضحك عليه أو يضربه جسدياً أو يكسّر ممتلكاته أو يعبث بأغراضه بشكل متكّرر». وأضاف «انهم يحاولون ان يبلطجوا مجموعة من الشباب أو العصابة أو مجموعة من الأطفال انطلاقاً من انّ البلطجة ممكنة للجميع، أمّا مدى الأذى والازعاج والإساءة للطفل الثاني فتتنوعّ وتختلف وفقاً للأعمار».
وأضاف في شرحه الدوافع والأسباب للبلطجة وجود عوامل عدّة منها نفسية أو عائلية أو مرضية وقال: «لدينا طفلان المبلطج والطفل الضحّية والاثنان لديهما أسباب نفسّية وعائلية وصحية وبيئية وأحياناً مرضية تدفعهما للبلطجة، وهذا مضرّ جدأً خصوصاً بالنسبة للطفل الضّحية لانه يّظل يعاني حتى إذا أصبح كبيراً» ولفت إلى انّه «يمكن ان تؤثر على ذكرياته لاحقاً فتجعله أمّا يصبح عدائياً للآخرين أو خنوعاً جداً ومكتئباً وتصبح لديه ثقة ضعيفة جداً بالنفس، وفي الحالتين الأمر غير مستحبّ وهو مرضيّ .»
وفي المقابل رجّح «وجود عوامل عدّة لدى الطفل المعتّدي جعلته يتصّرف بهذه الطريقة منها» كما قال: «عادة تكون لدى عائلة الطفل المعتدي مشاكل في الأساس، وهو يكون أمّا قد عانى من قساوةٍ مفرطة أو في العائلة عنف منزلّي ضدّ الزوجة أو الأولاد أو الأثنين معاً. ويمكن ان يكون قد تعرّض الطفل المبلّطج للضّرب أو أمّه تعرّضت للضرب وهو نما وشاهد هذه الطريقة من التعامل، أو ان يكون لديه مخزون كبير من الغضب بسبب الإساءات التي واجهته، من جسديّة أو نفسيّة ومعنويّة أو حتى جنسية، ويصبح لديه مخزون من الغضب يفرغه على الأولاد الذين هم أضعف منه، أو توجد في البيت مآس أخرى منها: المرض النفسيّ أو العقليّ أو اهمال شديد جداً من الأهل لحاجات الطفل. وممكن ان يكون الأهل في البيت من مدمني المخدرات والكحول، وهم لا يقومون بدورهم والحدود غير واضحة». وأبدى تخّوفه من أنّ العديد من هؤلاء الأطفال البلطجية يمكن ان تصبح لديهم في المستقبل شخصيّة مرضية ترتكب دائماً المشاكل والجرائم في عمر كبير. كما رأى انّه «في بعض الحالات يمكن ان يكون الطفل بلطجياً لانّ هناك ظروفاً معيّنة دفعته إلى ذلك وهذه الحالة يمكن إصلاحها لاحقاً بالعلاج النفسّي والسلوكي والبيئي».
وبالعودة إلى السلوك العنفيّ واللفظي الذي يمارسه الأطفال ضدّ بعضهم في المدرسة أكدّ حكيم «أننا أمام ظاهرة على المدرسة ان تعمل جهدها من أجل ان تمنعها» طارحاً حلولاً عدة «أولاً يجب ان يكون هناك تفاهم مع الأهل في حال تكرار عملية حصول أذى للآخرين ستضطّر المدرسة إلى طرد الطفل من المدرسة، ثانياً يجب ان يكون في المدرسة معالج نفسي أو طبيب لديه خبرة في التعامل مع الأطفال ومع هذه المواضيع، في محاولة معالجة الطفل الضحيّة وفي الوقت نفسه يحاولون معالجة الطفل المسيء حتى لا يكرّر فعلته مرّة أخرى، وثالثاً يجب ان يكون هناك تفاهم مع كلّ المعلمين والمعلمات على كيفية التعامل مع هكذا طفل .»
أماّ بالنسبة للطفل الضحّية فاكدّ انّه «على الأهل ان يعلمّوه كيف يدافع عن نفسه، وعلى المدرسة ان تساعده أيضاً للدفاع عن نفسه وانما عليها أولاً ان تلجم الطفل البلطجي وتمنعه من البلطجة داخل حرمها المدرسيّ».
وحذّر من خطورة البلطجة لدى الفئات العمرية الكبيرة إذ قال إنّها «تصبح خطرة جداً وتسبّب أذى جسديّا وجنسيّا ونفسّيا».
وعن سبل المعالجة لكلّ من الطفل الضحيّة والمسيء معاً رأى انّه «على عاتق المدارس والقانون والأهل ان يضعوا حدوداً لأطفالهم من عمر صغير تبدأ بتربيتهم تربية صحيحة. والتأكّد من انّ جوّ البيت سليم وخالٍ من الإساءات والإهمال الزائد أو العنف الجسدي والنفسيّ والعاطفي حتى يتمّ تأمين بيئة جيّدة للطفل لينمو فيها. وعليه فأنّ الطفل المسيء لا يعود مسيئاً والضحيّة لا يظّل ضحيّة». وقال «انّ على المدارس دور كبير وكذلك على القانون والأهل بوجه أخّص ضبط هذا الوضع وإصلاحه من جذوره لانّ القصاصات القصيرة المدى لا تكفي» حسب رأيه.
وخلص حكيم في حديثه لـ«القدس العربي» إلى انّ «ظاهرة البلطجة أصبحت في ازدياد لانّ ظروف المجتمع باتت فيها قساوة أكثر والظروف المادية أصبحت صعبة والأهل تحت كمية كبيرة من الضغط وهذا يؤدّي إلى الإساءة للأولاد وإلى بعضهم البعض وبالتالي يوّفر بيئة للطفل لان يكون بلطجياً مسيئاً لغيره» وعليه فقد شدّد «على وجوب ان تكون المعالجة من البداية ومن الأسباب الأوليّة وليس من النتائج فقط».
والعنف المدرسيّ لا يقتصر على الطلاب في ما بينهم وحسب بل يمكن ان يتعداه إلى عنفٍ يمارسه المعلم على التلميذ وهو يكتسب أنواعاً عدّة منها:
- ممارسة العنف الجسّدي، كالضرب والصفع وشدّ الشعر والدفع والقرص وسواها.
– ممارسة العنف النفسّي أو المعنوي والأمثلة كثيرة عليها منها: الإهانة والإذلال والسخرية من التلميذ أمام أصحابه أو نعته بصفاتٍ مؤذيّة واحتجازه في الصف وممارسة القسوة عليه في التخاطب معه أو إنتقاده بشكل مستمرّ والتمييّز بينه وبين تلميذ آخر والتعاطي معه ببرودة من دون أيّ حسّ عاطفيّ، إنسانيّ وعدم إحترامه وعدم تقدير جهوده.
إذا لا بدّ من الاستنتاج أنّ العنف المدرسيّ هو مظهر من مظاهر العنف وصورة من صوره المتعّددة، وهو عبارة عن ممارسات نفسيّة أو بدنية أو مادية يمارسها أحد أطراف المنظومة التربوية وتؤدي إلى إلحاق الضرر بالمتعّلم أو بالمعلم أو بالمدرسة ذاتها.
وإذا شئنا التدقيق أكثر، يمكننا تعريف العنف المدرسي بكونه: «مجموع السلوكيات العدائية غير المقبولة اجتماعيا والتي من شأنها أن تؤثر سلباً على النظام العام للمدرسة سواء مورست داخل حرم المؤسسة التربوية أو خارجها».

تنامي أعمال البلطجة والعنف المدرسيّ ينذر بعواقب خطرة
مرام حكيم يبين لـ«القدس العربي» دوافع الظاهرة وكيفية تجنّب مخاطرها
ناديا الياس
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left