كيف أثبت برشلونة كذب رونالدو؟ وما دور كوتينيو مع فالفيردي؟

عادل منصور

Jan 13, 2018

لندن ـ «القدس العربي»: ضربت إدارة برشلونة مصداقية أسطورة البرازيل الظاهرة رونالدو، في مقتل بالعمل الكبير الذي قام به الرئيس جوسيب ماريا بارتوميو، وكل من ساهم في إتمام الصفقة المُنتظرة منذ أغسطس/آب الماضي، بالحصول على توقيع جوهرة ليفربول فيليب كوتينيو، مقابل رسوم تخطت حاجز الـ140 مليون جنيه إسترليني، كأغلى ثاني لاعب في التاريخ بعد زميله في المنتخب نيمار.

رأي الظاهرة

بالصدفة البحتة ظهر أمامي إعلان ممول من إحدى الصحف الألمانية الرياضية الشهيرة، وما أثار فضولي أن الإعلان خاص بمقابلتها الحصرية مع أيقونة جيلي، الذي أحدث طفرة في مركز رأس الحربة، بسرعته الجنونية ومهارته في المراوغة وإنهاء الهجمة بشكل نموذجي يَحلم به أي مدرب في العالم. اعتقدت أن الظاهرة سيتطرق لأشياء ومواقف حدثت خلف الكواليس عندما كان لاعبا، بمعنى أدق جرعة «نوستالجيا»، مع كلماته الدبلوماسية المعروفة عنه بحُكم شخصيته وطبعه الخجول، لكن هذه المرة كان حادا على غير عادته في انتقاده لسياسة إدارة النادي الكتالوني للاعبين أصحاب الجنسية البرازيلية، لدرجة أنه قال: «لدى برشلونة مشاكل دائما مع أبناء وطني». للوهلة الأولى، شعرت أنه على صواب لأنه لم يكتف بنفسه كشاهد عيان على سوء معاملة الكتالان له في نهاية موسمه الأول والوحيد في «كامب نو»، بل اعتبر الثلاثي روماريو ونيمار ورونالدينيو من أبرز ضحايا سوء معاملة برشلونة، لكن في اليوم التالي، أبرزت وسائل الإعلام في إسبانيا وإنكلترا مدى الاهتمام الكبير الذي أظهره النادي في إصراره على ضم هدفه الرئيسي المُجمد من فصل الصيف، والمفارقة أن هذا اللاعب الذي استمات عليه برشلونة يَحمل نفس الجنسية المُضطهدة داخل «البلوغرانا» من وجهة نظر رونالدو، اضافة إلى أنه تلاعب بالألفاظ ليبعث برسالة مفادها باختصار «حذاري من انتقال البرازيليين إلى برشلونة، والعكس تماما بالنسبة لريال مدريد».
كما يقولون على نجاح أفلام السينما العربية «كسر الدنيا». هذا تقريبا أقل وصف لموسم الظاهرة رونالدو مع برشلونة، صحيح هو ترك بصمة لا يُستهان بها مع الريال، لكنه لم يكن رونالدو الحقيقي الذي كان يشق طريقه من وسط المدافعين كالبرق بقميص البارسا، ومستواه في هذه الفترة بالذات لا يقارن أبدا بمستواه في أي فترة، باستثناء فترة ما قبل إصابته بقطع في الرباط الصليبي الأولى مع الإنتر بعد كأس العالم 1998، لكن على ما يبدو أنه أسقط من ذاكرته هذا الماضي الجميل بالنسبة له كلاعب بعيدا عن انتمائه الشخصي بعد الاعتزال، أما إذا أعاد مراجعة حساباته، سيكتشف أن هناك قصة عشق خاصة بين برشلونة وأبناء وطنه، بدأت في الثلاثينات، وتفجرت أكثر من أي وقت مضى بعد تطبيق نظام الاحتراف بصورته الحديثة في منتصف التسعينات.

جرح قديم

قد يَهضم المتابع العادي قبل الناقد أو الصحفي، أن المهاجم الذي يعتبره أغلب من هم فوق الـ30 عاما أفضل رأس حربة عرفه التاريخ، مُحقا في عدائه الشخصي مع إدارة برشلونة، استنادا لروايته التي شرح فيها أحداث انقلاب الرئيس عليه بعد انتهاء موسم 1996-1997، وقال باختصار أنه تفاجأ بقرار الإدارة بفسخ عقده بعد أقل من شهر على التوقيع الجديد، بموجب اتفاق مُسبق مع الإنتر بإتمام الصفقة مقابل تسديد قيمة الشرط الجزائي، التي كانت تُقدر بنحو 20 مليون يورو، آنذاك، أما ما يَصعب هضمه هو تعميمه لمشاكل اللاعبين البرازيليين مع برشلونة، كيف وهؤلاء بالذات أكثر من تركوا بصمة عند جماهير النادي في كل بقاع الأرض قبل أو بعد أبناء الإقليم، وإلا لما أصبح قميص برشلونة الثاني في قائمة الأكثر مبيعا في بلاد السامبا، وهذا بطبيعة الحال لم يأت من فراغ، بل ترسيخ وإثبات على شعبية النادي الجارفة في وطن السحر، برعاية أساطير السيليساو، الذين دشنوا لهذه الشعبية في كل العصور، بداية من فقيد الشباب فاوستو، الذي يُعتبر أول ساحر يرتدي قميص البلوغرانا على سبيل الإعارة عام 1931 وحتى كوتينيو، الذي بالمصادفة الغريبة أصبح ثاني أغلى لاعب في العالم بعد ابن وطنه نيمار، ويا للعجب يا ظاهرة البارسا قاسما مشتركا في الصفقتين!
بعيدا عن مساهمة أباطرة البرازيل في بناء العلاقة المميزة جدا بين البارسا وجماهير البلد الفائز بكأس العالم خمس مرات، فجُل التجارب أثبتت أن اللاعب البرازيلي بوجه عام يملك كل مقومات النجاح في «كامب نو»، حتى لو لم يكن من أصحاب المهارات الخارقة كريفالدو وروماريو ونيمار، ولنا في المدافع العادي جدا بيليتي، الذي أهدى النادي لقب دوري أبطال أوروبا عام 2006، بفضل هدف الفوز الذي سجله في آرسنال في آخر دقائق نهائي «سان دوني» الشهير، حتى سيلفينو لم يفشل مع البارسا، فما بالك بنجوم الصف الأول وما أكثرهم! غير أن هناك إحصائية تقول أن برشلونة أنفق 482.5 مليون يورو لشراء 23 لاعبا برازيليا منذ 1993 من أصل 33 لاعبا من نفس البلد مروا على الفريق منذ بداية الثلاثينات، ومن ضمن هذا المبلغ الذي يٌقارب النصف مليار يورو، الـ142 التي أُنفقت على كوتينيو، وهو مُرشح فوق عادة للانفجار مع ميسي في المرحلة المقبلة. والسؤال الآن: هل هذه الإدارة تُسيء التعامل مع أبناء وطن الظاهرة؟ وإن كانت هذه إساءة فكيف تكون المُعاملة الجيدة في زمن الاحتراف الذي يبحث فيه اللاعب عن مصلحته قبل ناديه؟

ما دور كوتينيو
في المرحلة المقبلة؟

هو السؤال الأكثر انتشارا في الآونة الأخيرة. الواقع يقول أن أغلى صفقة في تاريخ البريميرليغ لن يكون له أي دور في كتيبة ارنستو فالفيردي في دوري أبطال أوروبا، بعد مشاركته في دور المجموعات مع ليفربول، وهذا يعني سيكتفي باللعب في الدوري المحسوم عمليا وكأس إسبانيا، التي لم تُغادر «كامب نو» في السنوات الأربع الماضية، وسيكون المُستفيد الأول هو الرسام أندريس إنييستا، الذي سيلتقط أنفاسه ليُخرج أفضل ما لديه في دوري الأبطال، قبل أن يُسلم الراية لخليفته كوتينيو، عكس ما يُقال أن الأخير جاء ليعوض نيمار، وهو بنفسه قال في مؤتمر تقديمه للصحفيين أنه مُختلف تماما عن نجم باريس سان جيرمان، وطريقة لعبهما مختلفة. وبالنظر إلى أسلوب كوتينيو عن كثب، سنجد أنه يُجيد بكل سلاسة في كل الطرق سواء في خطة «الدايموند» كما فعل مع مدرب ليفربول السابق برندان رودجرز، أو أسلوب شجرة الكريسماس 4-3-2-1 ومشتقاته، وهذا بفضل موهبته في الاحتفاظ بالكرة والقدرة على أخذ المكان المثالي بين العمق وطرف الملعب الأيسر، لنثر إبداعه في المرور بطريقة السهل المُمتنع من لاعبي الوسط والمدافعين، مع كثرة حلوله التي تتجلى دائمًا في تمريراته الدقيقة جدا في الثلث الأخير من الملعب، ناهيك عن إبداعه في وضع زميله المهاجم باللهجة التونسية الدارجة «رأس برأس مع الحارس» بلمسة واحدة تكون أشبه بالمُخدر في أجساد المدافعين، كذلك يملك سلاح التصويب من خارج منطقة الجزاء، بالتسديدات المُقوسة الصعبة جدا على الحراس التي يُطلقها بيمناه من الطرف الأيسر ووجه للملعب في المكان المستحيل في المرمى.
الفارق بين كوتينيو ونيمار، أن الأخير تغلب عليه غريزة «الهداف القاتل»، ربما لهلعه بمقارعة رونالدو وميسي في عدد الأهداف، وحلمه في الظفر بجائزة أفضل لاعب في العالم يُجبره بشكل لا إرادي عن البحث عن تسجيل الأهداف، والدليل على ذلك ما فعله مع كافاني ليسلب منه ميزة تسديد ركلات الجزاء، عكس الآخر، الذي عندما تُشاهده للمرة الأولى تشعر أنه من طينة لاعبي الوسط «المُبدعين». أسلوبه الذي يشبه القاتل البريء لا نُشاهده إلا في قدم لاعب بدرجة «مايسترو» كإنييستا ومن قبله تشافي، لذا في الغالب سيعتمد عليه فالفيردي في مركزه مع يورغن كلوب، كلاعب صانع ألعاب «وهمي» يفعل ما يحلو له من الجهة اليسرى، ويكون على مسافة قصيرة من المُكلف بنفس مهامه في الجهة الأخرى والمهاجم الثالث، لإرباك المدافعين بحل المراوغة أو ممارسة هوايته المُفضلة بالتمرير بشكل عمودي سواء في العمق لرأس الحربة أو اللاعب القادم من الخلف، أو بمد الظهير الأيسر بالذات بهدايا لا ينقصها إلا لمسة دقيقة للمتواجد على القائم القريب. لنا أن نتخيل أن فالفيردي يلعب 4-3-3 بوجود الثلاثي ميسي وكوتينيو وسواريز أمامهما كمهاجم صريح، وفي الوسط الثلاثي بوسكيتس كلاعب محوري ومعه باولينيو أو راكيتيتش في الجهة اليمنى وإنييستا بالقرب من البرازيلي الجديد في الجهة اليسرى، هنا لن نُشاهد ميسي يعود لوسط الملعب مرة أخرى للقيام بأدواره الدفاعية، والأهم من ذلك أنه سيجد من يُعاونه على تقديم حلول جديدة في الشق الأمامي، بعد ظهور عيب غياب اللاعب المُبدع في وسط الملعب بسبب ضغط المباريات على إنييستا مع تقدمه في السن، لذا كنا نُشاهد ليو يفعل بمفرده كل شيء في النصف الأول، لكن وجود كوتينيو بالقرب منه على حدود منطقة الجزاء، سيكون بمثابة «المتنفس» الجديد للفريق، لتخفيف الضغط على ميسي، وإذا نجحت الطريقة، لا يُمكن لأحد أن يتخيل ما سيفعله «البرغوث» إذا تحرر أكثر داخل منطقة الجزاء، وهذا ما يرسمه لنفسه في السنوات المقبلة، وهو إيجاد مكان سحري ليُجدد شبابه بنفس الطريقة التي فعلها رونالدو بتعديل مكانه من رقم 7 إلى 9 صريح.
وفي طريقة 4-4-2 يُمكن لكوتينيو أن يقود رأس الماسة ليكون أقرب لاعب وسط أمام ثنائي الهجوم، أو لاعب وسط ثان جهة اليسار، بأدوار هجومية، وهو مركز لا يختلف كثيرا عن مركزه المُفضل، وبوجه عام، ستكون المفاضلة بين كوتينيو وإنييستا وراكيتيتش، وفي المباريات الصعبة التي سيخوضها الفريق خارج ملعبه، قد يبدأ ببوسكيتس ومعه راكيتيتش وكوتينيو أو إنييستا، أما في المباريات التي يلعبها الفريق أمام فرق تُدافع بكل خطوطها في «كامب نو»، سيُشرك إنييستا وكويتينو معا على أن يكون بوسكيتس لاعب الوسط المُلتزم بأدواره الدفاعية وعمل التغطية العكسية على الأظهرة، وفي الأمام سيتسلح بميسي وسواريز وديمبيلي. عموما برشلونة أصاب الهدف بتوقيعه مع لاعب من طراز عالمي وموهبته ستُساعده على الانصهار سريعا مع الفريق وفي أي مركز يختاره فالفيردي، لأن من شاهده مع ليفربول في آخر عامين بالتحديد، يعرف جيدا أنه يُجيد اللعب في كل مراكز لاعب الوسط المهاجم، وأيضا يُمكن الاعتماد عليه كمهاجم وهمي، ولا ننسى أن نجاحه سيكون ردا عمليا جديدا على مزاعم الظاهرة رونالدو حول سوء تعامل النادي مع أبناء وطنه.

كيف أثبت برشلونة كذب رونالدو؟ وما دور كوتينيو مع فالفيردي؟

عادل منصور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left