الرواية الوحيدة وطموح قول كل التجربة

المغربية زهرة زيراوي في «الفردوس البعيد»:

محمد معتصم

Jan 13, 2018

من نافل القول الحديث الآن عن زيادة اهتمام الكتاب والقراء والنقاد والباحثين بالمتخيل السردي الروائي، خاصة بعد انفتاح خطابه على كل الأنواع السردية المجاورة والخطابات غير الأدبية، استنادا إلى مفاهيم نقدية أساسية كالآتي: الانسجام والترابط بين المحكي الإطار والمحكيات السردية المكملة والتي تقوم بـتوسيع آفاق المتخيل لِدعم موقفٍ أو مقصدٍ عامٍ أو متبنَى في السرد يروم السارد التركيز عليه واتخاذه محورا لعمله التخييلي. إن الرواية الحديثة والمعاصرة جعلت من التنوع الخطابي وتداخل الأنواع والتضمين وتجاور الأشكال خاصية من خاصياتها المميزة، التي بواسطتها يمكن ضم وتصنيف وتنضيد الخطابات في خطاب واحد شامل، وهو: السرد الروائي.
والرواية الوحيدة «الفردوس البعيد» للكاتبة المغربية المرحومة زهرة زيراوي، بعد عدد من المجموعات القصصية والشعرية، تعد نموذجا للرواية التي تنوي كاتبتها قول كل شيء؛ تريد كتابة سيرة روائية لشخصية «نجمة» تروي فيها معاناتها الاجتماعية والأسرية، وتحتفل بالزمن الجميل الذي تفتحت فيه مشاعرها وعاطفتها عندما كانت تلميذة وأحبت زميلها في الصف «عبدو» والذي يحيل إليه عنوان الرواية «الفردوس البعيد»: «تعجب للزمن وهو يجمع يد حفيدتها نور إلى يد جاد، ويقفان معا أمام بورتريه عبدو، الذي أحبته يوما في ذلك العالم الفردوس البعيد. وتريد أن تسجل موقفها من السياسات المدنية والثقافية المتعاقبة بعد الاستقلال حتى اليوم لتحملها مسؤولية الأحوال المتردية والمتأزمة اجتماعيا وأخلاقيا التي تثقل كاهل المواطنين اليوم، وتحول فردوسهم إلى جحيم.
وتريد أساسا أن تقوم برد الاعتبار للذات والانتقام من هؤلاء الفاسدين الذين ضيقوا آفاق الأجيال ليوسعوا أشداق أفواههم وبطونهم النهمة والشرهة، ومحو وجودهم وتذويبه في التعبير الفني والصباغي: تماما كفريدا كالو، ومع ذلك انتصرت الفرشاة، الآن أن التهجير قد انتهى. لقد علمتها العزلة وعلمها أحمد والزمان، كيف تمحو. «ليس المحو من أجل النسيان، إنه محو ما يوجع لرسم حياة قادمة، محو لا تتنكر فيه لأناس التقتهم يوما ما على رصيف الحياة».
رغم أن السرد جاء بصيغة الغائبة (هي) إلا أن روح السرد ظلت قريبة من السيرة الروائية للشخصية الروائية «نجمة»، يدل عليه التتبع الخطي لحياة الشخصية منذ الطفولة حتى التقاعد ودخول نجمة عقدها السابع:
1ـ الطفولة: لقد تميزت طفولة نجمة بالإبعاد والإقصاء لفترة ليست بالقصيرة خارج فضاء الأسرة ودفئها، مدة في بيت «دادا حليمة» في وسط فقير وبيت معتم وعادات مختلفة، ثم المخاوف في بين «خدوج»، قبل العودة إلى الأسرة. تتسم فترة الطفولة بجرح عميق في نفسية نجمة، ظل المحرك الأساس للسرد؛ إنه «التهجير» والإبعاد والاقتلاع:» فجأة اقتلعوها من حليمة. لا تعرف ما السبب؟»، فتشكلَ في نفس وذهن الشخصية نجمة مركب نقص تم التعبير عنه في المتن القصصي بالخوف والتبول والشعور القاهر بالنقص والخجل. يقول السارد: «كانت ترى الغول فعلا، تراه وترى ظله الذي يعكسه ضوء الفتيل الزيتي على الجدار المتآكل، وتراه ينتصب على كل جدار. تغمض عينيها وتضع رأسها في صدر دادا حليمة، وتنام محشوة بالرعب، وقد نفذت برودة إلى كل عظامها. «حتى اليوم لا تعرف أبدا لماذا أعطتها أمها لدادا حليمة وهي في عامها الثاني؛ هل يولد بعض الأطفال بإدانة ما؟».
2.المراهقة: تميزت بالجد والاجتهاد ونمو شجرة الحب، وهي الفترة التي سميت بها الرواية وظلت الملجأ الذي تحتمي فيه الذات من العراء الروحي أمام تبدل القيم وانحدارها مع مرور الزمن، وتغيرها مع تبدل الأدوار السياسية، وتقدم العمر، إن شجرة الحب الأول (نجمة وعبدو) والثاني (نجمة وأحمد الشاعر) هي الشجرة الوارفة المخضرة على مدار العمر، تظلل الذات من حمأة الهجير السياسي والثقافي والاجتماعي.
يقول السارد: «تستعيد ماضيها كله، تعرف أنها أحبت قبله عبدو، عبدو كان المنقذ الذي أنقذ حياتها من الجذب الموحش، أحست معه أن الحياة تتسع لها وتدعوها لتعيش، فلماذا استبدلته إذن بأحمد؟». هي لم تستبدله. «الحياة رممت قلبها بأحمد، هو ترميم لما تساقط من الذات. لم تكن تفكر وهي على مقاعد الدراسة، سوى بمارجريت دوراس، أو ماريا كوري، أو الملك الضليل، أو شكسبير. تريد منهم العدوى، فالتقت بعبدو».
الحب العفوي الصادق الجارف وإن فشل في التحقق في الزواج بفعل الاختلاف الاجتماعي والتفاوت الطبقي أو قسوة منطق الحياة وتقاطع طرقها وتنافر المصائر رغم توافق العواطف والرغبات، يظل الكهف البعيد في قمة الجبل حيث تلوذ الذات بذاتها وتؤوب إلى جوهرها الملتهب تستدفئ به. في هذا الكهف كتبت زيراوي بصدق عما تؤمن به، فجاء الخطاب السردي مليئا بالتضمينات والاستشهادات التي اتخذت وظائف متعددة ومتنوعة أضفت على السرد الروائي أبعادا كثيرة وامتدادات منها:
لقد استخدمت الكاتبة التضمين النصي ليقوم بوظيفة توسيع المحكي السردي الإطار: (سيرة نجمة).
واستخدمته ليؤدي وظيفة التعدد النصي وتداخل الخطابات خاصة غير السردية، من قبيل النصوص الشعرية الفصيحة والمحكية (الزجل)، وكذلك النص المسرحي في الفصل المعنون «مسرحية إننا نسينا البارحة»، ص 255-258.
واستخدمته لِيؤدي وظيفة التقابل المرآوي، ليفسر الماضي الحاضر، في استحضارها قصة المعتمد بن عباد وسجنه بأغمات وبكائه المر الذي لا يفيد في استرجاع ملك ضيَّعهُ وأضاع معه تاريخا حافلا بالانتصار والمنجزات العلمية والعمرانية، وهل يعيد البكاء قطار الأمة على قضبان الحضارة والتقدم العلمي والعيش الكريم، والوحدة والوئام. إنها وقفة تذكر بوقوف نيرون متأملا خساراته التي تلتهمها النار. في هذا التقابل المرآوي تتجلى سقطة الحضارات والأمم.
ولقد استخدمت الكاتبة التضمين في روايتها ليقوم بوظيفة تعميم حالة إنسانية أو اجتماعية، لتتحول الحالة المروية والتي تم التركيز عليها إلى نموذج اختزالي لحالات مماثلة منفية أوتم تجاهلها، من قبيل الحي الخلفي الذي ولد فيه وترعرع أحمد الشاعر (أحياء الصفيح). إنها الأحياء الخلفية التي تتبرأ منها المدينة الكبيرة، ولكن لكي تتخلص منها لا تقوم باتخاذ القرارات الجادة والمجدية، بل تنزع نحو الأيسر والمهين: رفع الأسوار الإسمنتية أعلى وغرس الأشجار لإخفاء الوجه المتقرح للمدينة أمام أنظار الوجاهات والواجهات الاجتماعية.
واستخدمت التضمين كذلك لتعضيد فكرة أو إسقاط حالة إبداعية على حالة إبداعية أخرى، عندما تستحضر شخصية فريدا كالو أو مارغريت دوراس»، أو شخصية إيما بوفاري «المتخيلة: «اتجهت نحو المكتبة تبحث عن فلوبير صديقها هذه الليلة، سلت من الرف مدام بوفاري، تعرف أنها أدمنت قراءة الرواية، توقفت عند الصفحة تردد وهي تبتسم: أما إيما فلم تسائل نفسها قط عما إذا كانت تحبه، فهي تعتقد أن الحب يفد فجأة مصحوبا ببرق…كما لو كان عاصفة تنقض من السماء على الأرض، فتقلب كيانها وتنزع الإرادات انتزاعا لأوراق الشجر، وتجرف القلب، ولم تفطن إلى أن المطر يحيل الشرفات بحيرات إذا كانت الميازيب مغلقة، وهكذا ظلت مطمئنة، حتى اكتشفت فجأة صدعا في الجدار، جدار قلبها».
استحضار إيما بوفاري وعبر تحديد معنى الحب، الحب العاصفة التي لا تهتم بما قبلها أو بعدها، جاء في سياق تبرير حب نجمة لأحمد الشاعر، بعد حب استغرق الذات لمدة طويلة كان عنوانه «عبدو» زميل الدراسة وأول حب مدرسي، فكيف يأتي حب ليركب حبا سابقا أو يمحو آثاره أو يرافقه في السكن (القلب) جوارا سلميا حضاريا.
وقد استخدمت الكاتبة التضمين النصي عبر بعدٍ وامتدادٍ آخرين تمثلا في إبراز ثقافة السارد أو الكاتبة الموضوعية والإحالة على مرجعياتهما الفكرية ومحددات مواقفهما من موضوعات محورية في الحياة قبل النص؛ كالحب والزواج والدين والله، والسياسة والفقر، والترف والإسراف الخلقي، والفن والجمال…
ثم استخدمت الكاتبة التضمين النصي كعتبات نصية لفصول الرواية بوظائف متعددة منها إضاءة الفصل أو اختزال موضوعة الفصل أو الإحالة على حالة مماثلة سابقة واقعية أو متخيلة.
كتبت زيراوي روايتها الوحيدة، كتبت فيها كل شيء، ذاتها والذوات التي رافقتها في مسيرة العمر، ذوات حقيقية وأخرى متخيلة، وقدمت للحياة خلاصات شخصية غير مستنسخة ولا مستخرجة من المتون وحيوات الآخرين، خلاصات مجربة وذاتية، حول الحب والدين والسياسة والأدب والكتابة والرسم (الصِّباغة)، وعن التدريس والفلسفة وتنافر أو تعايش أو تفاعل الأجيال.
زهرة زيراوي: «الفردوس البعيد»
منشورات دار العين، القاهرة 2016
292 صفحة.

الرواية الوحيدة وطموح قول كل التجربة
المغربية زهرة زيراوي في «الفردوس البعيد»:
محمد معتصم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left