العراقيون يبحثون عن بديل لحكم الأحزاب الدينية

مصطفى العبيدي

Jan 13, 2018

بغداد ـ «القدس العربي»: ليس مصادفة طغيان شعار «باسم الدين سرقونا الحرامية» على التظاهرات المطالبة بالإصلاح في العراق مع تنامي المطالبات بصيغة الدولة المدنية بديلا عن حكم الأحزاب الدينية، بالتزامن مع تحذيرات من نمو حالات الإلحاد في المجتمع، كرد فعل لفساد بعض قيادات الأحزاب الدينية. ويتفق غالبية العراقيين على ان فترة حكم الأحزاب الإسلامية السياسية خلال الأربعة عشر عاما الماضية في العراق، كانت نموذجا لفشل إدارة البلد ونقص الخدمات الأساسية وتفشي الفساد في كيان المؤسسات الحكومية بشكل غير مسبوق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في بدايات القرن العشرين الماضي، مما جعل العراق في مقدمة دول العالم في انتشار الفساد وهدر المال العام وفق مقاييس منظمة الشفافية الدولية.
وليس توجيه النقد لأداء الأحزاب الدينية مجرد نزوع شعبي عام بلا مبرر، بل ان العديد من الأحزاب والقوى الدينية في السلطة، اعترفوا صراحة بهذا الفشل من خلال تصريحات قادة تلك الأحزاب ودعوتهم إلى إصلاح الأوضاع في إدارة البلد، ليس بسبب قناعات أغلبهم بضرورة الإصلاح ولكن من أجل المحافظة على مواقعهم في السلطة وتماشيا مع مطالبات الشارع وانتقادات المرجعية الدينية العليا.
ويؤكد المرجع الديني الشاب مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري الذي يقود التظاهرات المطالبة بالإصلاح منذ سنوات، ان الأحزاب السياسية الإسلامية فشلت في العراق، وان الفساد وسوء الإدارة عم البلد، ولذا فهو يدعو إلى قيام كتلة عابرة للطائفية والمحاصصة لقيادة البلد في المرحلة المقبلة. كما يعترف القيادي السابق في حزب الدعوة غالب الشابندر في لقاء تلفزيوني، ان الأحزاب الإسلامية في الطرفين الشيعي والسني، فشلت في قيادتها للسلطة في العراق، وهي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تدهور الأوضاع بحكم قيادتها للسلطة «البرلمان والحكومة» منذ 2003، مقرا ان العديد من قيادات حزب الدعوة قد تورطوا في قضايا فساد من خلال توليهم مسؤوليات في الحكومة، ومنهم وزير التجارة السابق عبد الفلاح السوداني وأمين العاصمة السابق صلاح عبد الرزاق وآخرون. ويقول الباحث غسان العطية، صاحب مشروع «المبادرة الوطنية» ان الصراع الآن في العراق هو ليس بين الطوائف سنية وشيعية أو كردية وعربية، بل هو صراع بين التطرف والاعتدال من كل الأطراف، مشيرا إلى ان الأحزاب الحاكمة سنية وشيعية بدأت ترتدي العباءة المدنية وتدعي التغيير لكسب الناس، مؤكدا ان العيب ليس في الإسلام بل في السياسيين الذين يستغلون الإسلام لأغراض سياسية.
ويذكر في لقاء تلفزيوني، ان هناك اتصالات لبلورة تحالف لقوى الاعتدال الإصلاحية سواء كانت دينية أو مدنية من كل أنحاء العراق، مقرا أنها ليس لديها برنامج أو رؤية لكيفية الإصلاح الضرورية لكي يلتف الناس حولها، ولذا فإن «المبادرة الوطنية» تهدف لرسم فكر عراقي يتجاوز عقد القومية والطائفية والشوفينية والتيارات الإسلامية التي تحكم الآن، وتسعى لكي «يلتف الناس حول الفكرة وليس الأشخاص». مشددا على انه «إذا تحولنا من الانقسام الطائفي إلى الانقسام السياسي، نكون وضعنا خطوة صحيحة نحو الأمام» موضحا ان المبادرة تضم أشخاصا من جميع أنحاء العراق، وكلهم يريدون تجاوز الطائفية الدينية.
وحول قدرة الأحزاب المدنية الصاعدة على مواجهة الأحزاب الدينية في الانتخابات، وهل ستكون منافسة حقيقية بينهما، يبين العطية ان الأرضية صالحة الآن لبروز الأحزاب المدنية بسبب نقمة الناس وعزوفهم عن الدينية التي فشلت في قيادة البلد، مقرا ان الأحزاب المدنية مثل الدينية تعاني من التشظي والانقسام، وهي حالة خطرة جدا وتجعلها عاجزة عن التأثير في المشهد السياسي. وأكد ان التحالفات السابقة بين الشيعة والكرد لم تعد موجودة الآن.

التهرب من الطائفية

ولم يكن توجها عبثيا تركيز الأحزاب والتحالفات السياسية ضمن استعداداتها للانتخابات المقبلة على تشكيل ما تسميه بـ»كتل وطنية عابرة طائفية» حيث جاءت هذه الخطوة في محاولة للتقرب من مطالب الشارع العراقي الرافض للمحاصصة الطائفية التي جلبتها الأحزاب الدينية والتي كانت غطاء للفساد.
ومن أجل البحث عن البديل المناسب في حملة الاستعدادات للانتخابات المقررة في ايار/مايو المقبل، بدا واضحا تنامي مكانة الأحزاب العلمانية والوطنية مثل الحزب الشيوعي وحزب الوفاق الوطني الذي يقوده أياد علاوي وحركة التغيير الكردية، وغيرها من القوى المؤمنة بالدولة المدنية ودولة المؤسسات في الشارع العراقي، مع توقع حصولها على مواقع متقدمة في الانتخابات المقبلة. وحتى إذا لم تتمكن تلك الأحزاب والقوى المدنية من تحقيق فوز كبير في الانتخابات المقبلة بسبب هيمنة الأحزاب الدينية على السلطة والمال والإعلام والمؤسسات الدينية وتوجيهها لخدمة
أهدافها في البقاء في السلطة، فالمؤكد ان قوى التغيير ستحقق نتائج أفضل بكثير من الانتخابات الماضية.
وفي هذا الصدد، يلاحظ ان الساحة السياسية، تشهد بروز تحالفات جديدة بين بعض أجنحة التيار الديني الداعية للإصلاح وبين أحزاب وقوى وطنية غير طائفية أو علمانية معروفة، ومن ذلك الاجتماعات واللقاءات المتكررة التي تعكس التقارب الكبير بين التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي وحزب الوفاق وحركات أخرى.
وكانت التظاهرات المطالبة بالإصلاحات التي تشهدها أسبوعيا العاصمة العراقية وباقي المدن منذ عام 2012 حمَلت الأحزاب الدينية التي تتحكم في السلطة منذ 2003 مسؤولية تدهور الأوضاع في البلد في كافة المجالات، عبر رفع شعارات أبرزها «باسم الدين سرقونا الحرامية» وشكلت التظاهرات صورة ساطعة لحالة الإحباط التي وصل إليها المواطن العراقي وفقدان أمله في امكانية قيام الأحزاب الدينية التي تمسك السلطة بقبضة من حديد، بتغيير سلوكها ونظرتها وقيامها بإصلاح الأوضاع المتردية.

ظواهر ذات دلالة

ولعل اللافت للنظر في السنوات الأخيرة، هو بروز ظواهر كانت غريبة أو نادرة على المجتمع العراقي المعروف بالانفتاح والتسامح والاعتدال الديني، ومن ذلك تنامي التطرف الديني السني «القاعدة وداعش» والشيعي «الميليشيات» وازدياد حالات الانتحار، إضافة إلى تزايد المنخرطين في مشاريع الإلحاد، وغيرها من الظواهر التي تعد بلا شك، ردود افعال لإحــبـاط العراقيين من أداء الأحزاب الدينية بعد تسلمها السلطة من الاحتلال الأمريكي.
وقد أقر عمار الحكيم رئيس التحالف الوطني «الشيعي» بوجود حالات الإلحاد في المجتمع العراقي، محذرا من «شيوع هذه الظاهرة وتعاطي المخدرات. واعترف في تجمع لأنصاره أن «هناك ممتعضين من تمسك المجتمع بثوابته الدينية ومن علاقته بالله سبحانه وتعالى» داعياً إلى «مواجهة هذه الأفكار الدخيلة بالفكر والضرب بيد من حديد على داعمي هذه الأفكار وتعرية الأساليب التي يعتمدونها في نشرها».
وفي السياق نفسه، أكد رئيس قسم الإعلام في العتبة الحسينية، جمال الدين الشهرستاني، خلال لقائه مع وفد من شباب المحافظات الوسطى، إن «من نتائج الأخطاء الماضية الانحراف الحاصل بين الشباب في اتجاه الإلحاد وانتشاره، بسبب الانحرافات والتأثيرات والتدهور الثقافي والاقتصادي في البلد» مبينا أن «هناك فشلا في الأداء الحكومي ويجب أن نقر ونعترف بهذا الفشل، ويجب التصحيح وكشف مواضع الإخفاق والخطأ».
وفي مثال آخر على الإحباط الشعبي من فساد بعض الشخصيات والقوى الدينية، يتداول العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي، أفلاما وأخبارا عن فساد بعض رجال الدين واستغلالهم السلطة الدينية لتحقيق مصالح شخصية في الحكومة، ومن ذلك فيلم ذو دلالة كبيرة، عن تظاهر العشرات في محافظة واسط جنوب بغداد، أمام مجلس المحافظة لطرد رجل دين من داخل المجلس بسبب تورطه في قضايا تتعلق بالفساد الإداري والمالي وكانوا يرددون هتافات «باسم الدين سرقونا الحرامية» إلى أن تم إخراجه من مبنى المجلس تحت حماية رجال الشرطة، وذلك رغم قدسية مكانة رجال الدين في تلك المحافظة.
من جانب آخر على صلة، تنتشر هذه الأيام حالات الانتحار بين الشباب، وخاصة في المحافظات الجنوبية والوسطى المعروفة بكونها مجتمعات متدينة محافظة تحرّم الانتحار، في انعكاس لتردي الأوضاع المعيشية في المجتمع واليأس من إصلاحها، علما ان هذه المناطق لم تشهد مثل هذا الكم من حالات الانتحار حتى في أشد حالات العوز والصعوبات الاقتصادية، كما حدث في فترة الحصار الاقتصادي المدمر الذي فرض على العراق عقب احتلال الكويت عام 1990.
وفي تقييمات الباحثين والمثقفين العراقيين، ان هذه إشارة هامة إلى ان مشكلة رجال الدين عموما في كل الأديان والطوائف، انهم يستبدون بآرائهم ومواقفهم، ويعتبر كل منهم انه الأفضل والأصح في فهم الدين وتطبيق مقاصده في حياة البشر اليومية، ولذا يرفضون القبول بالآخر وخاصة عندما تكون السلطة في يدهم، وهو ما نراه في الأنظمة الدينية في المنطقة، كما يحرصون على نقل آراءهم على أرض الواقع، عبر فرض قوانين وتعليمات، لا تراعي إختلاف الآخرين في باقي الطوائف والأديان، وهو ما حصل مثلا في إصرار أحزاب شيعية على محاولة فرض قانون الأحكام الشخصية «ذو التوجه الجعفري» متجاهلين تعدد طوائف وأديان الشعب العراقي، وذلك رغم الاعتراضات المتكررة من القوى السياسية والمدنية والدينية «السنية والمسيحية وغيرها» إضافة إلى تحفظ جهات دولية على القانون.
وتشير مصادر مطلعة، ان فشل الأحزاب الدينية في قيادة البلد، أدى إلى ظهور أحزاب تدعي المدنية تم انشاؤها حديثا وتنوي دخول العملية السياسية والاشتراك في الانتخابات المقبلة، وتقودها شخصيات محسوبة على دول إقليمية طائفية، وذلك على ما يبدو جاء بعد ان أدركت تلك الدول عزوف الشارع عن التعامل مع معظم الأحزاب الإسلامية الدينية التي أصبحت ورقة محروقة لدى الكثيرين.
ويبدو ان حالة الإحباط واليأس من فشل أداء معظم القوى الإسلامية السياسية الحاكمة في إدارة شؤون البلد، وارتباط أدائها بالفساد المالي والفشل الإداري، ودفاعها عن القيادات الفاسدة فيها، وصلت إلى حالة لا يمكن تجاهلها والسكوت عليها من قبل العراقيين، مع تصاعد الدعوات لوقف التدهور في أوضاع البلد من خلال إيجاد الحكم البديل في القوى السياسية المدنية والعلمانية المعتدلة من أجل تغيير طبيعة السلطة من الصبغة الدينية والطائفية إلى ترسيخ مفهوم الدولة المدنية المستندة إلى القوانين والمؤسسات الدستورية أسوة بدول العالم المتمدن.

العراقيون يبحثون عن بديل لحكم الأحزاب الدينية

مصطفى العبيدي

- -

2 تعليقات

  1. الشعب العراقي لازال طائفياً وسيستمر طائفيا ما دام نظام الولي الفقية ممسكاً بالسلطة بإيران
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الشعب العراقي يطارد خيط دخان
    الاحزاب الدينيية لايمكن ازاحتها بسهولة
    فالسنيه محسوبه اما على تركيا اوعلى
    السعوديه والشيعيه محسوبه على
    ايران والدول الثلاث تحاول من خلال هذه
    الاحزاب التاثير في المشهد السياسي
    العراقي وضمان مصالحها.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left