الانتخابات العراقية بين دعوات التأجيل ومقولات الاستعداد والتأكيد 

د. باسل حسين

Jan 17, 2018

لعل من نافل القول إن مسألة تأجيل الانتخابات من عدمها تخضع لعوامل عدة منها:
الاول: يتعلق بالمانع الدستوري، إذ أن التأجيل ليس له غطاء دستوري، لكننا نعيش في زمن الانتهاكات الدستورية، بمعنى انه في حالات عدة لم يحترم الدستور، وكانت الأولوية للاتفاقات السياسية على حساب الالتزام بالدستور، ولو كانت هناك إرادة سياسية بالتأجيل أو صفقة سياسية لن يكون المانع الدستوري عائقا أمام التأجيل.
الثاني: يتعلق بعمل المفوضية واستعداداتها، ويبدو أن استعدادات المفوضية لإجراء الانتخابات ضعيفة جدا، منها ما يتعلق بالتخصيصات المالية التي تعيق عمل المفوضية في جوانب عدة، ومنها ما يتعلق بغياب الاطر القانونية الواضحة لعملها، وأهمها غياب قانون الانتخابات، وهذا ما جعل عمل المفوضية أقرب إلى المزاح، فعلى سبيل المثال أعلنت المفوضية أن آخر يوم لتسجيل التحالفات هو يوم 7/1/2018 وهو تاريخ مضحك حقا، إذ كيف تطلب المفوضية من الاحزاب أن تسجل الائتلافات والاندماجات، والاحزاب نفسها لا تعلم ما هي آلية احتساب المقاعد، نظرا لعدم إقرار قانون الانتخابات الذي يتضمن آلية الاحتساب التي أشرنا اليها، لأن هذه الآلية قد تكون لصالح الاحزاب أو الكتل الصغيرة، وبالتالي فإن الائتلافات لن تفيدها، أو أن تكون الآلية لصالح الكتل الكبيرة، وبالتالي قد تلجأ الأحزاب إلى الائتلاف أو الاندماح تبعا لذلك. الأمر الآخر هو في طلب قوائم المرشحين، لاسيما أن العدد المسموح به يتحدد وفقا لقانون الانتخابات، وطبقا لعدد المقاعد وهو ما يضع الاحزاب في موقف محرج امام اعضائها وكذلك المرشحين.
الثالث: يتعلق بالتشريع، فمعظم قوانينا مبتسرة وهذا ينطيق على القوانين المتعلقة بالانتخابات، فمعظم القوانين الانتخابية مبتسرة جدا وتحيل الكثير من الإشكالات إلى المفوضية لحلها، التي عادة ما تحمل عبء هذه التفسيرات، وأيضا نظرا لسيطرة الأحزاب فإن هناك بعض الإجراءات توظف لصالح الأحزاب المهيمنة ما وضع المفوضية غالبا في موضع اتهام من أطراف عدة.
وسأورد مثالا للمقارنة، القانون الانتخابي الاسترالي تضمن 506 صفحات ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وتطرق إليها، في حين أن قانون الانتخابات العراقي لم يتجاوز في أعلى حالاته 17 صفحة.
الرابع: يتعلق بالجانب السياسي، فبعض القوى والشخوص السياسية لا تريد التأجيل لانها ترى في إجراء الانتخابات خدمة لمصلحتها، على سبيل المثال يرى رئيس الوزراء حيدر العبادي، وفريقه أن الشهر الخامس هو أفضل توقيت له، وأن فرص الفوز فيها هي الأعلى، وبالتالي فإن تأخير الانتخابات سيضر به، وربما تأتي متغيرات لن تخدمه. من جهة أخرى يرى فريق آخر أن إجراء الانتخابات في موعدها أمر غير متماه مع مصالحه، ومن هنا يسعى إلى التأجيل انتظارا لترتيب أوراقه، أو قد تأتي فرص غير مرئية الآن، أو أن تحدث متغيرات تضعف خصومه.
في المقابل هناك قوى وشخصيات سنية ترى في اجراء الانتخابات في موعدها فرصة مناسبة للتغيير، بل تصب في مصلحة المكون السني أكثر مما تضره، فقد اعلن الأمين العام للمشروع العربي الشيخ خميس الخنجر عن تأييده لإجراء الانتخابات في موعدها، لأن أغلب الاستبيانات تظهر تفوق حزب المشروع العربي على بقية الأحزاب في المحافظات السنية، وبين النازحين، مع توفير بيئة آمنة للانتخابات وسحب المليشيات من المحافظات بما يوفر شروطا موضوعية لإجرائها.
من جهة أخرى بعض الاحزاب أو الشخوص الشيعية والسنية ترغب في تأجيل الانتخابات كفرصة لاستمرارها في المشهد السياسي، وخشية أن تؤدي الانتخابات إلى نتائج قد تقود إلى غيابه عن الحضور، أو التأثير والنفوذ في المشهد السياسي المستقبلي، ومن ثم فإنها تسعى إلى التأجيل، حتى تطول فترة بقائها وفاعليتها في المشهد السياسي لأقصى فترة ممكنة.
الخامس: وهو عامل متعلق بتوفير بيئة ملائمة لانتخابات نزيهة وعادلة، والتصويت الإلكتروني سيساهم على نحو كبير في توفير هذه البيئة، لكن هناك عوامل أخرى تعطي مساحة للتشكيك، ومنها أن بيانات وزارة المهجرين تظهر أن هناك أعدادا كبيرة جدا من النازخين، لاسيما وأن الحكومة ألزمت نفسها بتوفير بيئة ملائمة، وإعادة النازخين قبل أجراء الانتخابات. 
السادس: أزمة التمثيل السني، من أحد أهم أسباب عدم استقرار العراق، هو أزمة التمثيل السني، إذ لم يؤد الصندوق الانتخابي إلى اقناع الجمهور السني بجدواه في عملية التغيير، وكان هناك اعتقاد سائد في أن التمثيل السني هو جزء من منتج سياسي، اكثر مما هو نتاج لعمليات سياسية طبيعية.
ومما يزيد الأمر تعقيدا أن البيئة الانتخابية السنية مهيئة لإعادة نمط أزمة التمثيل السني من جديد، إذ أن الجمهور السني منشغل بين أولويات إعادة الإعمار وتوفير سبل العيش البسيطة مع استمرار أزمة النازحين وظروف أخرى تؤدي في النتيجة النهائية إلى مساحة كبيرة من العزوف عن المشاركة، ما يقود مرة أخرى إلى إعادة إنتاج أزمة التمثيل السني.
من جهة أخرى زادت الأمر تعقيدا ظاهرة أخرى مفادها انه بينما البيئة الانتخابية الشيعية هي بيئة خالصة للتنافس الشيعي، وكذلك البيئة الكردية ساحة لتنافس الاحزاب الكردية فقط، نجد أن البيئة الانتخابية السنية ساحة لتنافس الاحزاب السنية والشيعية، بل حتى الكردية، وإن كانت بدرجة اقل، ما زاد مخاوف الاحزاب السنية من ضعف حضورها في المشهد السياسي مستقبلا.
نائب رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية

الانتخابات العراقية بين دعوات التأجيل ومقولات الاستعداد والتأكيد 

د. باسل حسين

- -

1 COMMENT

  1. نصف السُنة العرب بداخل وخارج العراق لم ينتخبوا قط !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left