ثقافة الإصلاح التربوي

سعيد يقطين

Jan 17, 2018

لا تصلح أمة من الأمم إلا بصلاح تعليمها. ولن يصلح التعليم في أمة إلا بصلاحها. مفارقة صارخة، فمن أين يمكننا الإمساك بنقطة الانطلاق لحل المفارقة؟
يقترح إدغار موران في كتابه «الطريق» (2011) لحل مثل هذه المفارقات الدالة على تعقد الظواهر، ومن بينها المشكلة التعليمية، وهو يتحدث عن فرنسا، بقوله بأنه: «لا يمكننا إصلاح المؤسسات بدون إصلاح العقليات، ولا تصلح العقليات بدون إصلاح المؤسسات»، مرتئيا أن فكرة «الإصلاح» في حد ذاتها يمكن أن تثير الأذهان للتفكير والحوار والنقاش. لكن ليست كل الأذهان قابلة للتفكير والحوار والنقاش، من أجل تجاوز الوضع القائم، حتى إن كان الجميع يقر بسلبيته. فإذا لم تتوفر الإرادة الحقيقية لدى كل الأطراف المعنية بالإصلاح التربوي لا يمكن للحلول المقدمة إلا أن تكون ترقيعات، سرعان ما تستدعي إعادة طرح الإصلاح، في كل مرحلة يكون الوصول فيها إلى الطريق المسدود. لكن المسألة لا تتعلق فقط بالإرادة. إننا إذا افترضنا جدلا أن «إرادة الفعل» متوفرة لدى الدولة والمجتمع، نتساءل هل هناك «معرفة الفعل» لدى من ينتدبون للتفكير في الوضعية التعليمية والتخطيط لها؟ معرفة الفعل نختزلها في «ثقافة الإصلاح» التربوي والتعليمي.
إن ما يدفعنا إلى طرح سؤال «المعرفة» بخصوص المسألة التربوية يكمن في سؤال آخر يفرضه الواقع: لماذا فشلت كل المقاربات الإصلاحية، ومختلف المؤسسات التي تم خلقها للعمل على تجاوز الوضع السلبي، الذي يتخبط فيه التعليم منذ الاستقلال إلى هذه الساعة؟ لطالما تحدثنا عن الارتجال والتجريب في اقتراح الحلول التي كانت ترتد دائما إلى نقطة البداية. لكن هل فكرنا في تجاوز الارتجال والتجريب؟ لا يمكننا أن نفكر في ذلك أبدا لأننا لا نمتلك في آن لا إرادة الفعل، ولا معرفته. إن المشكلة الكبرى، في ما يتعلق بالمسألة التربوية، تكمن في أننا نسعى إلى الجواب عن السؤال الذي يفرض نفسه علينا، هنا والآن. لكن السؤال المركزي حول التعليم لم نطرحه أبدا. إنه السؤال الوجودي المركب: ماذا نريد من التعليم؟ وما هو التعليم الذي نريد؟ بدون طرح هذا السؤال، الآن وهنا، لا يمكننا تحقيق إرادة الفعل، ولا إنجاز معرفة الفعل.
منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي بدأت تطرح مسألة التعليم وسوق الشغل، وجاءت بطالة الخريجين لتكرس هذه القضية. كان الجواب الضمني عنها يقول: إن التعليم العمومي هو المسؤول. أما الجواب العملي فكان فتح المجال للتعليم الخاص من الروضة إلى العالي. وبعد أزيد من ثلاثين سنة، بدأ يظهر أن التعليم الخاص لم يكن سوى إسفنجة امتصاص، وتحويل للمشكل الحقيقي للتعليم. لكن مشاكل التعليم في تزايد، وما اعتبر في زمان حلا، صار جزءا من المشكل.
خلال السنوات الأخيرة، وإلى الآن، برز سؤال لغة التدريس، ثم تلاه مشكل العنف المدرسي ضد الأساتذة، وها مشكل التعاقد جاء موصولا بالمجانية. فكيف كان التعاطي مع كل هذه القضايا، وما سبقها، سواء على مستوى الحكومة أو الأحزاب والنقابات أو المسؤولين عن القطاع؟ وكيف برز ذلك على مستوى الإعلام والوسائط الاجتماعية؟ لا نسمع سوى جعجعات، ولا نرى طحنا: بلاغات، سجالات، مقالات تدعو إلى، أو على، أتذكر أنه بمناسبة الدعوة إلى التدريس بالدارجة، وكأنها هي أم المشاكل التربوية؟ وأن حلها سيلحق تعليمنا بالمستوى الذي حققته البلدان التي تعنى بتعليم أبنائها، وتراه فوق كل الأولويات، أن أثير جدل ساهمت فيه بعض القنوات عبر «مناظرة» ساهم فيها صاحب «الدعوى النصية» مع عبد الله العروي؟ وسكتت شهرزاد عن الكلام غير المباح. وجاءت مشكلة «تأديب» الأستاذ من لدن أحد تلامذته داخل الفصل لتكون حديث الأحاديث، وما مشكلة التعاقد، وأداء الرسوم في الجامعة، والمجانية، ببعيدة؟
أين الكوع من البوع في هذه المشاكل والقضايا؟ صرفت أموال طائلة في البرنامج الاستعجالي، واستحدثت مؤسسات لتضطلع بالإصلاح. تم اعتماد نظام الإمد (إجازة، ماستر، دكتوراه)، وجاءت المقاربة الجديدة، واستحدثت المختبرات والمراكز، فماذا جرى؟ لم يحدث أي تحول حقيقي، ومع الزمن تلتحق المشاكل الجديدة لتضاف إلى القديمة لتعززا معا المشاكل التاريخية. فهل يمكننا تلمس إرادة للفعل، أو معرفة الفعل في هذه الصيرورة؟
التعليم قضية وطنية وحضارية. وما لم نرفعه إلى هذه المرتبة، سنظل نتعامل معه تعاملنا مع ديمقراطية إرضاء الخواطر، وسد الثغرات المؤقتة، واعتماد المقاربة الأمنية. ويظهر لنا هذا بجلاء في غياب سياسة تعليمية لها أسس وضوابط ذات بعد وطني ـ مستقبلي. فكل وزير يتحمل مسؤولية التعليم يعمل على خوض تجربة لا علاقة لها بالسابقة، ثم يأتي وزير آخر، ليستحدث ما نسخه سابقه، وهكذا؟ إن الاشتغال في قطاع التربية والتعليم بدون «ذاكرة مستقبلية» لا يؤدي إلا إلى القطائع الذي تجعله أبدا موضوعا للتجريب. وهنا الطامة الكبرى.
ثقافة الإصلاح التربوي تتصل بالسؤال الجوهري حول «المواطن» الذي نود تكوينه للمستقبل. وتغييب هذا السؤال خوض في سجالات سياسية تتعلق بأعراض تقنية لا يمكنها الإسهام في الإصلاح. سؤال الإرادة والمعرفة هو سؤال الإصلاح.

٭ كاتب مغربي

ثقافة الإصلاح التربوي

سعيد يقطين

- -

4 تعليقات

  1. من مقالك سي يقطين: “ثقافة الإصلاح التربوي تتصل بالسؤال الجوهري حول «المواطن» الذي نود تكوينه للمستقبل.”
    .
    هذا هو اهم شيئ يجب تحديده، و الباقي هو مجرد تفاصيل. و تحديد هذا الامر يلزمنا رأية مستقبلية، اولا و قبل كل شيئ
    سياسية، ثم سياسة مرة أخرى. يستحيل الامر بدون تحديد الرأية السياسية. و بما أنها الرأية ضبابية سياسيا في المغرب،
    ينتج عنها ضبابية في كل شيئ.
    .
    لا ندري لحد الآن ماذا نريد. هل نريد مجتمعا منفتحا خلاقا ام مجتمعا مستهلكا خانعا راضيا بالقسمة و النصيب و ينتظر الجنة.
    .
    الشارع في حيص بيص من أمره. إن اسس الى تعليم نقدي، فهو يأسس الى تجادب في السلطة معه. و إن أسس الى تعليم نقلي، فهو يأسس الى ركوض مجتمعي ستتفاقم معه ديون الدولة الخارجية الى أن تباع البلاد.
    .
    و كلمة تعليم في حد داتها لا زالت ترتكز على “قم للمعلم و وفي له التبجيلا …”. لكن نحن في القرن الواحد و العشرين، و المعلم ليس برسول قطعا، بل مدرب يجب احترامه كمدرب، و هو ملزم بتدريب الفرقة على صقل مواهبها هي، و ليس ما سيعطيهم هو.
    .
    هنا فارق كبيى جدا. نجد اجود تعليم في العالم في دولة فينلاندا. لا توجد اقسام بل اوراش. و احيانا لا يوجد مقرر بل خطوط عريضة. حتى الدول المتقدمة مثل المانيا لا تستطيع مجارات هذه التجربة الناجحة جدا. ساحاول تحليل نقطة القوة لهذه التجربة لا حقا، و انا ارى، و بكل يقين، اننا نستطيع استعمالها في المغرب، نظرا لبعض مواصفات مجتمعنا التي تميزمنا فعلا.
    لكن، السؤال هو، هل الدين يقررون لهم الرغبة في تكوين مواطن لا يعتبر المعلم رسولا، اي لا يعترف بسلطته المعنوية، و بالتالي لن يعترف بالعامل و المحافظ و الوزير و الشرطي كسلطة، بل كأناس يأدون خدمة له service provider. هنا المشكل الكبير و العويص آ سي يقطين، و نرجع الى البداية مباشرة، تحديد رأية سياسية.
    .
    انتهى امر المعلم يأتي الى القسم و يلقن التلاميد معلومات، سيشكرونه عليها مدى الحياة. المعلومة متوفرة بغزارة، على بعد نقرة فأرة الحاسوب. فلماءا سندهب الى المدرسة اصلا؟ الجواب الدي توصلت اليه الدول المتقدمة هو: ندهب لنتعلم كيف نتعلم.
    .
    الشباب في المغرب منفتحين على العالم بحاسوبهم، و لما يدهبون الى المدرسة، يرون ما يفعله المعلم عموما مجرد مضيعة وقت.
    بامكانهم ان ارادوا تعلم اضعاف ما يقوله لهم المعلم، في وقت قصير … لكن، ان ارادوا. (يتبع من فضلكم)

    • أخي ابن الوليد انت تقترح أمكانية ادخال التجربة الفينلاندية إلى المغرب (وبالمناسبة كنت منذ فترة في زيارة علمية لفنلندا) لكن ذلك يعني خوض تجربة جديدة وقد تم الحديث تماما في المقال عن هذه النقطة التي تشكل أحد نقاط الضعف حيث تجعل التربية موضوعا للتجريب!. وكل وزير يأتي بتحربة جديدة الخ. المهم هو وضع استراتجية يقوم بانتاجها مجموعة مختصة واسعة ويتم التطبيق والمراقبة من قبل هذه المجموعة. وبعيداً عن التأثير المباشر للسياسيين وتغيير الوزارات, أنه مشروع ليس للإستثمار السياسي لهذا الشخص أو لهذا الطرف أو ذاك. هذا عدا على أن التحربة الفنلندية (كأحد عوامل نجاحها) أنها مرتبطة بتمويل عالي (وهكذا البحث العلمي في فنلندا) وهو أمر ليس بهذه البساطة واعتقد أن هذا أحد الأسباب لماذا لاتريد ألمانيا استنساخ التجربة الفنلندية.

      • اخي أسامة، صحيح، التمويل العالي اولا مشكلة كبيرة.
        .
        انا احب دائما الاستفادة من تجربة ناجحة، اخد المهم فيها و محاولة تطبيقه بالوسائل المتاحة.
        .
        المشكل عندنا في المغرب، هو اعتبار التلميد كوعاء يجب ملأه، حتى يكبر و يصير مهندسا.
        لو اخدنا من التجربة الفنلندية مثلا، مجرد مرة في الاسبوع، قلب الادوار، بين المعلم و التلميد مثلا،
        و بالوسائل المتاحة، انا على يقين ان لهذا الشيى البسيط اثر كبير جدا. او مجرد قلب الطاولات في القسم
        في ساعات معينة بحيث يستطيع التلاميد ان يشتغلوا كفرق كل على شيئ معين … اعني اشياء بسيطة
        هي الاساس من اعتبار التلميد كفاعل، و ليس مفعول به. هذا كل ما اعني. انا اعرف انه لا يمكننا حتى في المنام
        ان نقلد فينلاندا. و المسالة هي مسالة قرار، هل نريد ان نكون مواطنا فاعلا ام مفعول به.

  2. أخي سعيد يقطين, أختيارك لهذا الموضوع يعبر عن نظرة عميقة في البحث عن نقاط الضعف الاساسية التي نعاني منها. كل ماورد في المقال مهم من الألف إلى الياء وقد اختارأخي ابن الوليد الذي نقطة أساسية وهي نقطة مفصلية كما هو واضح من بداية المقال في مقترح إدغار موران, حيث اشكالبة الإصلاح. سأعطي نظرة بسيطة عن ماحدث في سوريا. فعلى الرغم من قيام تطور على المستوى التعليمي في البداية بعد الاستقلال وبعد ثورة أذار ١٩٦٣ إلا أن قطاع التربية والتعليم تحول إلى مجرد أداة بيد السلطة على غرار نموذج التربية الاشتراكية المعروفة. وهكذا أصبحت رياض للاطفال والمدارس الابتدائية مصنع لانتاج مايسمى طلائع البعث وطلائع الاسد واشبال الأسد والمدارس ومناهجها لإنتاج شباب البعث وشبيبة الاسد والجامعات سيطرت عليها أجهزة البعث واصبح التعليم مجرد تلقين من الأعلى وطبعاً من أجل مصلحة الوطن! وباسم الوطن والمقاومة والممانعة إلخ والنتيجة أصبحت معروفة!. واستمرارا للحديث أخيراً حادثة صغيرة, عندما كنت في جامعة سراسبوغ (٢٠٠٩) تحدثت مع موفد لنيل شهادة الدكتوراة (ضمن إطار البعثات العلمية التي تسيطر على مقاديرها السلطة!) في حديثة قال هذا الطالب نحن شعب لاتناسبنا الديقراطية فقلت له ماذا لو بدأنا بالأطفال وعلمناهم أن يكون الاختيار في تعاملهم وفيما بينهم ديمقراطيا فهل سنبقى عندها نرزح تحت سيطرة حكومات قمعية استبدادبة وبالطبع سكت ولم يجيب. وبعدها بقليل انطلق الربيع العربي ومعه أيضاً الثورة السورية.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left