هذا الاستهداف لوكالة غوث اللاجئين «الأونروا»

عوني فرسخ

Jan 18, 2018

الرئيس ترامب ونتنياهو إلتقيا على استهداف وكالة غوث اللاجئين «الأونروا» متصورين انهما بذلك يشطبان حق العودة. وهو تصور قائم على تجاهل للمهمة الحقيقية التي استهدفها أصحاب الدور الأول في صناعة قرار الأمم المتحدة من إقامة «الأونروا». إذ بالعودة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8/12/1949 بإنشاء «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى «الأونروا» نجده قد حدد أهدافها بالتعاون والتشاور مع حكومات المشرق العربي للقيام بإغاثة اللاجئين المباشرة وتشغيلهم في المشاريع المتاحة.
وفي إيضاح ذلك كتب المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه يقول : «لم تكن الأونروا ملتزمة بعودة اللاجئين، وفقا لما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وإنما أنشئت فقط لتوفير عمل ومساعدات لنحو مليون لاجئ فلسطيني انتهى بهم الأمر للإقامة بالمخيمات. كما كلفت ببناء مخيمات أفضل دواما لهم وإنشاء مدارس ومراكز صحية. وبكلمات أخرى كانت مهمة الأونروا، بصورة عامة، الاهتمام بشؤون اللاجئين اليومية «.
وكانت وكالة الغوث قد باشرت عملياتها في آيار / مايو 1950 مبتدئة بتقديم المعونات وبعض الخدمات. ولم تلبث أن أخذت بالعمل على دمج اللاجئين في أماكن لجوئهم، وذلك بإقامة مشاريع إغاثة متمثلة بالتدريب المهني، وإيجاد فرص للعمل، وإنشاء مشاريع اشغال عامة تحت إشراف الحكومات لبناء الطرق والتشجير.
ولقد ركزت «وكالة الغوث» على المشاريع المائية الإقليمية واسعة النطاق. كان أولها مشروع اقترحته «لجنة المسح الاقتصادي» التابعة للأمم المتحدة، برئاسة المهندس الأمريكي جون كلاب، ويقوم على الاستغلال المشترك العربي – الإسرائيلي لمياه نهر الأردن، وإقامة مشاريع زراعية تستوعب 150 ألف لاجىء. وفي ضوء توصياته تقدم المدير السابق لوكالة الغوث جون بلاندفورد في 11/12/1951 بتقرير للجمعية العامة للأمم المتحدة مقترحا مشروعا لما سماه «تنمية الموارد المائية»، مضمونه تخزين مياه روافد الأردن بما فيها مياه الحاصباني، في بحيرتي الحولة وطبرية، لري مناطق في الأردن وسوريا ولبنان وإسرائيل. وبحيث تٌخصص الأمم المتحدة 250 مليون دولار لثلاث سنوات، منها 200 مليون لإقامة مشروعات زراعية وصناعية وغيرها لدمج اللاجئين في دول المنطقة.
وما إن شاع خبر مشروع بلاند فورد للتوطين حتى شهد الأردن ولبنان هبة غضب كان لأعضاء الأحزاب ونشطاء الحراك السياسي أدوار في إذكاء مشاعر الغضب ضد ما بدا محاولة تصفية قضية اللاجئين وحق العودة. وهي غضبة جسدت بداية التغلب على مشاعر اليأس والإحباط التي شاعت عقب نكبة 1948، وتباشير يقظة وطنية وقومية. وعلى مدى السنوات التالية تو إلى الاصرار وطنيا وقوميا على أن حق العودة حق لا عودة عنه.
والجدير بالتذكير به ما أكدته شهادات المؤرخين الإسرائيليين الجدد المؤسسًة على ما جاء في مذكرات القادة الصهاينة، وبخاصة بن غوريون، وما تضمنته الأرشيفات الإسرائيلية، وبالذات ارشيف الجيش الإسرائيلي، من أن الشعب العربي الفلسطيني تعرض إبان حرب 1948/1949 لعملية تطهير عرقي استهدفت وجوده في وطنه التاريخي، عملا باستراتيجية اقتلاعه، المعتمدة من القادة الصهاينة منذ المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897.
ويؤرخ إيلان بابه لأكثر من ست وثلاثين مجزرة أبرزها مجزرتا الطنطورة والدوايمة. كما يؤرخ لعدة حالات اغتصاب، أكثرها بربرية اغتصاب طفلة في الثانية عشرة تعاقب على اغتصابها اثنان وعشرون جنديا ثم قتلوها. وقد اوردها بن غوريون في مذكراته، إلا أن محرري المذكرات حذفوها. ولكن هارتس نشرت في 29/10/2003 تفاصيلها استنادا لشهادات بعض المغتصبين. وحول التطهير العرقي المتسبب بتهجير الفلسطينيين قسرا، كتب بني موريس يقول : «من نيسان / إبريل 1948 وبن غوريون يحث على الترانسفير. ولقد كان بن غوريون على حق ولو لم يفعل ذلك لما قامت الدولة». ويضيف قائلا : « ينبغي أن تكون المسألة واضحة ومستحيلا التهرب منها، فمن دون اقتلاع الفلسطينيين لم تكن لتقوم دولة يهودية «.
وما أًرخه بني موريس، وإيلان بابه، وتوم سيغف، وغيرهم من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، شهادات إسرائيلية موثقة على أن إسرائيل هي المسؤولة تاريخيا وأخلاقيا عن معاناة اللاجئين، تشاركهم المسؤولية قيادات المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي التي دعمت القوات الصهيونية بالخبراء العسكريين والسلاح في حرب 1948/1949.
واستنادا لتقرير الوسيط الدولي برنادوت أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194 في 11/12/1948 متضمنا النص على حق اللاجئين بالعودة لديارهم. وقد دأبت الجمعية العامة على تأكيده في عدة سنوات تالية بحيث غدا بحكم «القاعدة الآمرة ». علما بأن القرار 194 لم ينشئ حق العودة وإنما أكده. ذلك أن حق الإنسان في العودة إلى وطنه مشروع بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد نصت المادة (12) من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان المدنية والسياسية على أن لا يحرم أحد تعسفا من حق دخول بلده. فيما تضمنت اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 احكاما تتعلق بحق العودة في حالات الاحتلال والنزاع المسلح. ما يعني أن القول بشطب حق العودة عدوان على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وكان اللاجئون قد اقتلعوا من 530 مدينة وقرية، وتشكل أراضيهم 92 % من مساحة الأرض التي أقيمت عليها إسرائيل سنة 1949. وتبلغ نسبتهم 61% من الشعب العربي الفلسطيني وتعدادهم اليوم يجاوز 7,3 مليون. وحقوقهم بالعودة واسترداد أملاكهم يتوارثها خلفهم، بل انها حق للشعب العربي الفلسطيني. وكان الدكتور عاطف قبرصي، استاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة مكماستر الكندية، قد قام ومساعدوه بمراجعة الوثائق الخاصة بالممتلكات في فلسطين الموجودة لدى الأمم المتحدة في نيويورك وتوصل إلى أن قيمة املاك اللاجئين، بأسعار 1948 تبلغ 57,8 مليار دولار أمريكي، ويقدر دخلها السنوي حينها 2,3 مليار دولار.
وباعتماده معدل نمو حقيقي بنسبة 4 % سنويا توصل إلى أن قيمتها سنة 1998 تبلغ 480 مليار دولار وعائدها السنوي 19,2 مليار دولار. ما يعني أن ما تقدمه الولايات المتحدة وسواها «للأونروا» إنما هو فتات قـياسـا بـإيرادات أملاكـهم التي اغتصبـتها إسـرائيل.
والمفارقة في دعوة الرئيس ترامب ونتنياهو لشطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم التي هجروا منها قسرا، تجاهل الإثنان، الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي «قانون العودة» الإسرائيلي الصادر سنة 1950، الذي يعطي حق العودة للارض المحتلة سنة 1948، والإقامة فيها كمواطن لكل يهودي في العالم، أيا كانت جنسيته. وتلاحظ الكاتبة الإسرائيلية سوزان نايتن إن قانون العودة الذي يشجع هجرة اليهود إلى إسرائيل، يحظر على الفلسطينيين العودة، ولا يسمح لهم بالمطالبة باستـعادة مـنازلهم التي سلـبت منهم في الـعام 1948.

كاتب من فلسطين

هذا الاستهداف لوكالة غوث اللاجئين «الأونروا»

عوني فرسخ

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left